|
||||||||||||||
|
|
||||||||||||||
|
في واحدة من أفضل المقالات عن أندريه بروتون نبه الشاعر المكسيكي اوكتافيو باث الى نقطة جوهرية يجب أن تؤخذ في الاعتبار: “من المستحيل الكتابة عن أندريه بروتون بلغة تنقصها العاطفة والشغف”. وها هي ذكرى وفاته الأربعون تَحلُّ، وبمناسبتها سيحتفل كل على طريقته، بل حتى الخصوم ستكون لهم كلمة بشأنه. ذلك أن ذكرى بروتون لابد ولد أندريه بروتون في التاسع عشر من شباط (فبراير )1896 في “تانشبريه” (آورن - فرنسا) لأب أصله من مقاطعة “اللورين”، عَلماني وجد متحمس لتطلعات ولده، والأم أصلها من “بريتاين” مؤمنة وباردة سيصفها بروتون لاحقا بعبارات جد قاسية: “متسلطة، ضئيلة، حقودة”، مما جعلت الجو العائلي لا يطاق (وهنا يكمن احد الدوافع وراء تصريحه في كتابه “الحب المجنون”: “يجب طمر العائلة، قبل كل شيء”)، ومع هذا فان ثمة أوقاتا جميلة، في طفولة بروتون، لعبت دورا كبيرا في تنمية حاسته التشكيلية، خصوصا تلك
لتي كان يتلقى فيها تربيته على جَده لأمه، بيير لكوجيس. فبيير هذا كان قاصا ماهرا، علّم بروتون اللغة وقصص الغموض والأسرار، والاهتمام الشديد بالحشرات والولع بالغابات. غادرت عائلة بروتون، في فاتح القرن العشرين، غابات “بريتاين” صوب باريس، لتستقر قرب منطقة “بانتان”. دخل اندريه مدرسة “شابتال” في عام 1904. وها هي حياته تتكدر بسبب الروتين المدرسي وتصرف أمه السلطوي. وما إن بلغ الخامسة عشرة حتى تجلى له بفضل احد المعلمين أساطين الشعر ونوره: مالارميه، بودلير، شعراء الرمزية الخ فأخذ يحضر القراءات الشعرية التي كانت تجري في مسرح “لفيو كولومبييه”… بل حاول كتابة الشعر متأثرا ببول فاليري، فكانت قصيدته الاولى التي نشرها اوائل 1914 في مجلة “الكتيبة” مهداة الى فاليري. وكانت الزيارات مع أبيه إلى بعض المتاحف والمعارض، تمتع ناظريه وتعمق من حاسته النقدية. شاهد للمرة الاولى لوحات ماتيس، فاثارت إعجابه بقدر ما كان والده يجدها مخزية. لكن دهشته الحقيقية تجسدت في زيارته “متحف غوستاف مورو” الذي أثر بشكل قاطع على مفهوم الحب لديه. ذلك أن الحب والجمال تجليا له بواسطة وجوه نساء “مورو” والوضعيات المعينة التي اتخذتها. وكم تمنى بروتون لو حُبس في ذلك المتحف ليلة ليطوف وحده القاعات كلها. وفي غمرة هذا التلقين الروحي والتطهير الشعري، وقع في حب ابنة خالته “مانو” التي أدرك من خلالها المزيج من الإغراء والذعر. لم تدم العلاقة طويلا. وفي تشرين الاول (اكتوبر) 1914، دخل كلية الطب تلبية لطلب أبويه، وها هو يغير، في سجل الكلية، تاريخ ميلاده من 19 شباط الى 18 شباط، وهو تاريخ ولادة ابنة خالته. وسيكون لهذا التغيير الناجم أولا عن تجربة حب فاشلة، من برج الحوت إلى برج الدلو دلالة تنجيمية يتغذى منها فكر أندريه بروتون برمته. كان الشارع الفرنسي منشغلا بأخبار اندلاع الحرب العالمية الاولى وخصوصا بانعدام الأمل في السلام بعد مقتل الاشتراكي جان جورس. وقد كتب بروتون إلى صديقه تيودور فرانكل، رسالة يفصح فيها عن امتعاضه من المشاعر الشوفينية والحماسات الهستيرية لدى الناس. والغريب انه في هذه الفترة بالذات، حصل على الطبعة الكاملة لأعمال رامبو التي تضمنت رسائل لم يحبذ احد آنذاك قراءتها، خصوصا تلك الموجهة الى جورج ازامبارد في الخامس والعشرين من آب (اغسطس )1870 يحذر فيها من يقظة العسكر: “وطني ينهض افضل ان اراه جالسا: لا تهيجوا الجزم. هذا هو مبدئي”. تمنى بروتون أن يُعفى من الخدمة العسكرية. لكن هيهات، فالفحص الطبي أكد انه صالحٌ،
وعليه أن يسجل، للخدمة العسكرية، فتم ارساله في الخامس والعشرين من شباط 1915 الى مدينة “بونتيف” في “بريتاين” لاتمام التدريبات اللازمة، وبعد خمسة اشهر أرسِلَ الى مدينة “نانت” كممرض في مستشفى البلدية. ومع هذا كان بروتون طوال فترة الحرب يتغذى بأفضل ما كان ينتجه شباب جيله امثال “مارسيل دوشان” هذا الفنان الذي عبر عن اشمئزازه من الفن، مفضلا لعب الشطرنج، وهو صاحب نظرية جديدة تقول ان كل ما يجده المرء من أغرض مرمية (ready made ) يمكن لها ان ترقى الى مستوى الفن وفقا لارادة الفنان. وبالفعل فان العمل الذي عرضه دوشان في معرض المستقلين سنة 1917 في نيويورك، كان “مبولة” وجدها في الشارع وحتى يجعل منها تحفة فنية خالدة، كتب فقط على أحد جوانبها بالحبر الصيني: “نافورة”، وهكذا دخلت متحف نيويورك كواحدة من أعظم أعمال الحركة الدادائية! وثمة شهاب آخر مر في سماء الاحتجاج على العقلانية المتوجة بأبشع حرب عالمية: “آرتور كرافان ‘الذي كان يعتبر نفسه “جنديا فارا من سبعة عشر بلدا”، غير اسمه مرات، وادعى انه الابن الشرعي لاوسكار وايلد! وذات يوم عبر الخليج المكسيكي فاختفى، لا يعرف احد إن مات غرقا، أو غير هويته واسمه ومهنته، وبات إنسانا آخر لا علاقة له البتة بكل هذه الأسطورة التي خلدته كأب أول للحركة الدادائية، صاحب مجلة صغيرة مطبوعة على ورق لف اللحم، غير منتظمة الصدور، كان يكتب كل موادها، صدر منها ستة أعداد فحسب، عنوانها: “الآن”! يقال أن تروتسكي التقى به في سفينة. كان اندريه بروتون يجتاز التجارب الشعرية والفنية الجديدة التي شهدتها فرنسا منذ اندلاع الحرب العالمية الاولى، مع تتبع اخبار المجموعات الفوضوية ويستلهمها، خصوصا مجموعة “بونيه” التي كانت تهاجم مراكز الشرطة والمصارف. كما كان يواصل مراسلاته مع شعراء الحداثة آنذاك كفاليري وابوليتير مستفيدا من ملاحظاتهم النقدية ازاء ما ينشره من قصائد ما تزال تعكس تأثيراتهم وتأثيرات ماليرميه ورامبو. الا انها قصائد واعدة تنم عن اسلوب مشغول بليغ لا يقبل السهولة. لكن الشيء الغائر في اعماقه كان يحتاج الى من يبرزه الى العيان. واذا بنظره يقع، اثناء احدى استطلاعاته داخل ردهات المستشفى، في مدينة نانت، اواخر شباط 1916، على شاب ادخل للمعالجة، له شعر اصهب، غريب الاطوار يعاكس الممرضات باحاديث غريبة ويرسم نفسه على بطاقات واقفا وخلفه جثثت الحرب وكأنه متكئ على بار. اللقاء بهذا الشاب سيغير حياة اندريه بروتون: انه جاك فاشيه الدادائي قبل الدادائية، المغرم بالملابس بحيث كان يتجول مرتديا زي ضباط في الخيالة، او زي طيار او طبيب. وان التقاك، فانه يتابع طريقه كأنه لا يعرفك ابدا لا يمد يده للمصافحة ولا يقول عمت صباحا او عمت مساء يكره رامبو بل يشك حتى في وجوده. معجب بالفريد جاري، ويكاد يجهل ابولينير ولم تعجبه مسرحية ابولينير: “ثديا تيرزياز”، اذ ما ان انتهى فصلها الاول الذي اثارت قرفه، حتى سحب مسدسا وهو بزي انكليزي وهدد المشاهدين باطلاق النار عليهم. كانت له صديقة، وعندما يأتيه زائر يطلب منها ان تجلس في الزاوية صامتة لساعات، وعندما تدق الخامسة بعد الظهر تقوم وتقدم لهما الشاي فيشكرها بقبلة على احدى يديها. انه “سيد فن التقليل من اهمية كل شيء”. لم يترك عملا ادبيا واحدا، اذ كل ما تركه من “تراث يذكر” هو 15 رسالة صغيرة، نشرها اندريه بروتون سنة 1919، مع مقدمة تحت عنوان “رسائل
الحرب”. وجدوه مع جندي آخر ميتا من معاقرة الافيون، في غرفة فندق، عن عمر يناهز الثالثة والعشرين. كان لخبر انتحاره الغامض الى اليوم، وقع الصاعقة على اندريه بروتون، خصوصا انه جاء بوقت قليل بعد موت أيولينير. اكتشف بروتون من خلال احتقار فاشيه لكل ما يمت بصلة الى عالم الفن والكتابة، بأن كل هؤلاء الشعراء الذين كان يعقد عليهم امالا ليسوا سوى رجال ادب همهم ابقاء اللعبة الادبية مستمرة، بل تراءت لبروتون من خلال معاشرته فاشيه، امكانية وجود شعر بلا قصائد. وقد كتب بروتون ذات مرة: “لو لقائي بجاك فاشيه، لكنت الآن مجرد شاعر”! اصدر بروتون سنة 1919 مجموعته الشعرية الاولى تحت عنوان: “محل الرهونات” وكأنه يسدد ديونا ادبية للشعراء الذين تأثر بهم وتتجلى فيها بكل وضوح تأثيرات رامبو وريفيردي وابولينير، كما اعتمد تقنية جديدة هي مونتاج فقرات مقتطفة من هذه الجريدة او تلك المجلة بعد تحويرها. ولئن تفصح المجموعة عن محاولات تجديد يتجلى فيها رفضه المبكر للمقاييس الادبية السائدة، فان بروتون كان غير راض عما يكتبه، اذ ثمة شيء ناقص لم يع آنذاك ما هو. ما هي الحدود الفاصلة بين الشعر والحياة؟ ما جدوى الكتابة؟ فالمسألة ليست كيف تكتب، وانما كيف تحيا، ولماذا تحيا الخ. وذات مساء، وهو على وشك ان ينام، سمع بكل وضوح جملة بدت له ملحاحة، كانت “تقرع زجاج نافذته”، وما ان حاول تدوينها حتى لم يعد يتذكرها بالضبط، شيء من هذا القبيل تقريبا: “ثمة رجل تشطره النافذة الى نصفين”، لكنها لا تحتمل اي لبس، اذ كان يرافقها تخيل بصري طفيف لرجل يسير وقد قطعته في النقطة الوسط نافذة تعامد محور جسمه. وما من شك ان الامر كان يتعلق برجل يطل من نافذته.. فادرك بروتون انه يتعامل مع صورة من النوع النادر، ولم يخطر له سوى ادخالها في صلب بنائه الشعري. وبينما كان مشغولا بفرويد وقد ألف طرق فحصه التي يطبقها على بعض المرضى، فقد صمم على ان يحصل من نفسه ما كان يحاول الحصول عليه منهم، اي على مونولوغ منطوق بأسرع ما يمكن من دون اي تدخل من جانب الحواس النقدية، وبالتالي مونولوغ غير متلبك بأدنى الطموحات، واقرب الى التفكير الشفهي وقد بدا له ان سرعة التفكير لا تفوق بكثير سرعة الكلام وانها لا تتحدى اللغة حتما ولا حتى القلم الذي يجري بها. اطلع بروتون فيليب سوبو على النتائج الاولية واخذا يسودان الورق وهما في ازدراء محبب لما قد يسبب هذا في نظام الأدب. وبتعليقهما العالم الخارجي، ارادا ان يعيدا، طوعا، داخل ذواتهما الحالة التي كانت تتشكل فيها هذه الجمل المشبعة بالالغاز، وقد تواردت عليهما على هذا النحو طوال شهرين، تتزايد اعدادها وتتلاحق دونما فاصل زمني وليست “الحقول المغناطيسية” التي صدرت في ايلول (سبتمبر )1920، سوى التطبيق الاول لهذا الاكتشاف (اكتشاف وليس ابتكارا) اذ يمكن العثور على ما يحمل سمات الكتابة الاوتوماتيكية لدى كتاب الماضي من افلاطون حتى كنوت هامسن، لكن بسبب انانيتهم الطامحة الى ثواب رسمي، اتخذوها مجرد وسيلة للصناعة الادبية، بينما السوريالية اعتبرت الكتابة الاوتوماتيكية، التي كشفت عن نفسها للمرة الاولى عبر هذه “الحقول”، صيغة عليا يكشف بها الانسان سره وسر الكون. الكتابة الاوتوماتيكية تفقد فاعليتها ما ان تستعمل لخدمة أهداف ادبية. لم يتأخر بروتون عن منح الكتابة الاوتوماتيكية اهمية فكرية كبرى اكثر من اعتبارها مجرد مواد للكتابة
الشعرية. وليس اعتباطا ان تكون في صلب التعريف الذي وضعه بروتون سنة 1924 للسوريالية: “اسم مؤنث، وهي الآلية النفسية المحض التي يريد المرء عن طريقها التعبير شفويا أو كتابيا أو بأية طريقة اخرى عن وظيفة الفكر الحقيقية. وهي ما يعلي الفكر بعيدا عن أية رقابة يمارسها العقل وبعيدا عن أي اهتمام جمالي أو اخلاقي”. وبالاشتراك مع فيليب سوبو ولوي اراغون، اصدر بروتون (آذار /مارس 1919 )مجلة جديدة عنوانها: “أدب” لا لتدل على تهكم من مفهوم الأدب كله فحسب، بل لاستنطاق كل الاشكال المؤدية الى مضمون تحرري من ربقة الانانية الادبية. وعند وصول تريستان تزارا اثر دعوة بروتون اياه الى باريس فتحت المجلة صدرها لبيانات تزارا، بحيث اصبحت منبرا للعصيان الدادائي في فرنسا. كانت هذه المجلة المنطوية على بذرة السوريالية، أول من اجرى الاستفتاء الساري المفعول حتى اليوم: “لماذا تكتبون؟”. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الكتابة في نظر بروتون لم تكن سوى طريقة أخرى للتواصل الإنساني، ولخلق التواصل مع الآخر يجب أن يكون هناك معنى؛ قضية وجوهرا في الكتابة. فمن الخطأ إذا، أن نسأل ما الذي يميز بروتون عن بقية رفقائه السورياليين. ففي نظر بروتون لكل إنسان تعبيره وبالتالي إضافته. لم يقبل أحدا في الحركة السوريالية ما لم يكن له شيء، حتى لو كان جد صغير، يضيفه. سرعان ما اكتشف بروتون ان ليس من جديد في كل هذا التمرد النفيوي الدادائي، اذ سبق ان عاصر نفيا للفن كهذا قبل ظهور الدادائية، عند جاك فاشيه الذي كتب: “الفن حماقة”. ذلك ان بروتون اراد من كل هذا الوعي المضاد لمسيرة العقلانية في التاريخ، ان يكون تمرد ذكاء قادر على تخليص العقل من محدوديته وجعله مفتاح الحريات كلها. فها هو يمهد، في مقالته عن لوتريامون المنشورة في “المجلة الفرنسية الجديدة” (حزيران /يونيو 1920 )، انفصاله عن الدادائية بالعبارة التالية: “والآن ندري ان الشعر من شأنه ان يفضي الى مكان ما”. كما ان المشكلة في نظر بروتون، لا تكمن في الفن وانما في صلب الذين يوجهونه، وما على الدادائية الا ان تحاكمهم بدلا من ان تواصل التهريج والمشهدية. لذا طالب بروتون بمحاكمة موريس باريز الذي كان في شبابه كاتبا ذا طموحات مثالية ومخيلة رائعة، لكنه وضع الآن كل مواهبه من اجل خدمة شوفينية للارض والموتى والوطن، اي في خدمة كل ما كانت ترفضه مجموعة “أدب”. واثناء المحكمة اندلعت مساجلة حادة بين تزارا وبروتون اثارت حربا بينهما. لكن بروتون اقترح عقد “مؤتمر دولي لتحديد ايعازات الفكر الحديث والدفاع عنه”. فامتنع تزارا عن الحضور. فلم يكن امام بروتون سوى ان يهجر “دادا”مع عدد من رفاقه. فكفت مجلة “أدب” ان تكون منبرا دادائيا، من سنة 1922 وحتى
احتجابها سنة 1924، مركزة اهتمامها على مواضيع التجريب الشعري بكل الوسائل: الكتابة الآلية، سرد الاحلام، نصوص يتم الحصول عليها بواسطة التنويم المغناطيسي. ولئن كانت مقومات السوريالية آخذة في الظهور، فان ترددا كان يمنعها من اعلان نفسها. وخلال هذه الفترة الحرجة من تاريخ السوريالية، ازداد اهتمام بروتون بكتابة الشعر، بأصدار مجموعته الثانية: “ضوء الأرض”. ثم الحقها بكتاب يضم مقالاته النقدية عنوانه: “الخطى الضائعة”، وما ان حل خريف 1924، حتى صدر “بيان السوريالية الأول”، دفاعا عن المخيلة وطاقة الحلم والايمان بهما، ويعتبر هذا البيان أوج الاحتفال بجوهر الانسان: الحرية التي لها لون الانسان. وفي غضون أشهر، الحقه بقصائد نثر: “الاسماك القابلة للذوبان” (انقر هنا لقراءة قصائد نثر لبروتون)، وفي كانون الاول (ديسمبر )صدر العدد الاول من مجلة “الثورة السوريالية” التي جاء على غلافها هذا النداء: “من اجل صياغة اعلان جديد لحقوق الانسان”. وفي العام نفسه اصدر اراغون كتابه التتويجي ‘لجة من الاحلام ‘. كما اصدروا كراسا صغيرا بعنوان ‘جثة ‘ضد اناتول فرانس، وحتى تكتمل معالم الحركة السوريالية تم انشاء مكتب للابحاث السوريالية واصدار بيانهم الشهير: “تصريح 27 كانون الثاني (يناير )1925″، جاء فيه: “ليست لنا علاقة بالأدب. لكننا جد متمكنين من استعماله كأي شخص آخر… السوريالية ليست وسيلة تعبير جديدة، ولا هي الأسهل، ولا هي حتى ميتافيزيك الشعر. انها وسيلة تحرر الروح الشامل، وكل ما يشابه هذه الروح… اننا مصممون على القيام بثورة”. وفعلا، ما ان اعلن عبدالكريم الخطابي حربه على الاستعمار الفرنسي للمغرب (منتصف عام 1925 )، حتى اصدر السورياليون بيانهم الشهير: “الثورة أولا ودائما” معلنين فيه مساندتهم الكاملة لتمرد الريف المغربي من اجل حريته وحقوقه العادلة. في الحقيقة ان ثورة عبدالكريم الخطابي اوجدت فرصة لتكاتف قوى المخيلة وقوى الخبز. فها هي الحركة السوريالية تعمل مع قوى اليسار الاجتماعي. غير ان الذي ضاعف من رغبة بروتون بربط بحث السوريالية “المثالي”، في نظر البعض، بالبحث الاجتماعي، هو كتاب تروتسكي عن “لينين”. اذ بفضل هذا الكتاب، ادرك بروتون ان المخيلة لا تستطيع الحصول على كل حقوقها الا من خلال نشاط اجتماعي ثوري بالمعنى الذي وضعه تروتسكي فجاءت مقالته عن الكتاب تمجيدية راسما فيها الشيوعية “الاداة المدهشة لتبديل عالم بآخر”. انضم بروتون الى الحزب الشيوعي، لكنه سرعان ما تركه مشمئزا من سوء نوايا الشيوعيين ازاء عملية الخلق، وقد أوضح اسباب خروجه في كراس عنوانه “الدفاع المشروع” مؤكدا فيه ان جميع السورياليين يريدون انتقال السلطة من ايدي البورجوازية الى ايدي البروليتاريا. لكنهم حاليا يرون انه من الضروري ان تستمر تجارب الروح الداخلية من دون رقابة خارجية، ماركسية أو غير ماركسية. كما ان اخبار المعارضة التروتسكية داخل الشيوعية العالمية، ساهمت في تصعيد الانشقاق بين هذه “الشيوعية” ذات الوجه الستاليني، وبين الحركة السوريالية التي ستكتسب من خلال دفاعها عن تروتسكي “شرعية ماركسية”. غير ان هذا البحث عن توحيد شعار رامبو: “تغيير الحياة” بشعار ماركس: “تغيير العالم”، لن يمر من دون انشقاقات داخل السوريالية. لذا اصدر بروتون “بيان السوريالية الثاني” واضعا فيه النقاط على حروف النشاط السوريالي الذي يكمن محركه الاساسي في الامل بتحديد نقطة معينة للفكر حيث تكف التناقضات كتناقضات، والذين اختلفوا مع بروتون كديزنوس وجاك بارون وبريفيرو جورج بتاي اصدروا نشرة من الحجم الكبير ضد بروتون بعنوان “جثة”، لكن بروتون اكتفى برد صغير نشر في خاتمة “البيان الثاني” في صورة عمودين متقابلين، مبينا عدم صدقيتهم: الأول تحت عنوان “قبل” وردت فيه فقرات مدح لبروتون من كتاباتهم القديمة، والعمود الثاني تحت عنوان “بعد” ضم فقرات هجاء مأخوذة من نشرتهم هذه. اما الاخرون كلوي اراغون وبول ايلوار وبنجاما بيريه ورونيه كريفيل، وحتى تريستان تزارا، وعناصر جديدة كسلفادور دالي ورينيه شار ولوي بونويل، فانهم ايدوا ما جاء في “البيان الثاني”، واصدروا مع بروتون مجلة جديدة عنوانها “السوريالية في خدمة الثورة”. هكذا كان على السوريالية ان تدشن ثلاثينات هذا القرن بمجابهة ثورية واضحة مع كل مظاهر القمع… لكنها مجابهة لم تتم على حساب تجارب الحياة الداخلية. ان فترة الثلاثينات تمثل اكثر فترات بروتون ابداعا فقد أصدر عام 1932 مجموعته الشعرية الثالثة: “مسدس ذو شعر أبيض”، ثم الحقها في العام نفسه بكتاب تأملي يهدف الى الربط بين الماركسية والفرويدية :’الاواني المستطرقة ‘. وفي عام 1937، اصدر” “الحب المجنون” الذي يعتبر التوسيع النظري لتلك النقطة المعينة للفكر المذكورة في “البيان
الثاني” والتي سماها هنا بالنقطة العليا. وفي هذا الكتاب ثمة ابتعاد في الاسلوب عن “نادجا”، اذ تختلط هنا عناصر السرد المعتمدة على تجارب حياتية عاشها بروتون ما بين 1934 و1936، بلغة التأمل النظري، ان كتاب “الحب المجنون” يعتبر اعظم نشيد احتفالي بـ”الحليف الاكبر للانسان في معركته مع القدر البشري”: الحب، حيث المرأة االمحبوبة أشبه بالوسيط تجترح للرجل الدرب المؤدي الى علاقة محظوظة مع عالم تمجده وتكسبه روعة وجمالا وثمة عملان جماعيان الاول مع بول ايلوار: “الحبل بلا دنس”، والثاني مجموعة قصائد اشترك في كتابتها مع ايلوار ورينيه شار، وعنوانها: “تمهل، الطريق تحت التعمير”. كما اصدر “الموقف السياسي للسوريالية”. وأشرف على تنظيم ثلاثة معارض سوريالية عالمية في باريس وبراغ ولندن. واشترك مع جورج بتاي في تكوين: ‘الهجوم المضاد ‘لمواجهة المخاطر اليمينية والفاشية والستالينية معا. فبروتون يعتبر من أول منيطي اللثام عن الحقيقة البشعة لـ”محاكم موسكو”، على ان فترة النضال والتحليل السوريالي لظروف ما بين الحربين هذه، توجت بالبيان المشترك الذي كتبه بروتون مع تروتسكي: “نحو فن حر ومستقل”. اندلاع الحرب العالمية الثانية، سيعرقل موقتا، نشاط الحركة السوريالية، فلم يكن امام بروتون سوى الذهاب الى الولايات المتحدة ليتابع النشاط هناك. فأصدر مع دوشان مجلة، ومن ثم نشر “تمهيدات أولى نحو بيان ثالث”. وفي قمة وحدته بعد ان تركته زوجته جاكلين لومبار، التقى اليزا فتزوجها، وثمرة هذا اللقاء كان كتابه الشهير “اركانوم 17″ وهو رقم الكارت في لعبة التارو، ثم يعود الى باريس لينظم معرضا سورياليا عالميا تحت شعار ‘السوريالية عام 1947 ‘ويعيد تنظيم المجموعة السوريالية مع شباب جدد. غير ان ظروف ما بعد الحرب تميزت بالتشاؤم، ولم تعد ملائمة للغة التفاؤل الثوري الذي بقي بروتون مؤمنا به. فأصدر مع جان شوستر وآخرين عددا من المجلات كـ”ميديوم”، “السوريالية ذاتها” و’لابريش” وبيانات تندد بالغزو السوفياتي للمجر والاستعمار الفرنسي للجزائر. توفي اندريه بروتون في الثامن والعشرين من ايلول (سبتمبر )1966. ودفن في مقبرة باتنيول. أراد السورياليون نقل جثمانه في سيارة نقل الاثاث لتحقيق أمنيته المذكورة في البيان الأول. الا ان الامر كان صعبا جدا، لذا تولت الصدفة الموضوعية أمر تحقيق هذه الامنية على الشكل التالي: ما ان وصل جثمانه مقبرة باتنيول، حتى وجد المشيعون سيارة لنقل الاثاث واقفة عند مدخلها! لم يُضح اندريه بروتون باليقظة في سبيل العلم، بل عمد الى اذابتهما في مركب جسدي حي، على حد عبارة ميشيل كاروج وهو جعل من التراث السوريالي ذخرا بشريا لا ينضب. وذلك باعطاء الحركة السوريالية مصيرا أشبه بمصير مال توزع على عدة ورثة بحيث عمد كل منهم الى التصرف بحصته تبعا لهواه، ولأنه عاش من دون تنازل
لمغريات عالم تتبوأه الشراهة والكذب والاعجاب بالذات. عالم تنعدم فيه ابسط مبادئ النزاهة الفكرية والحياتية على السواء. يكمن في صلب رؤية بروتون الشعرية الرفض القاطع لكل تواطؤ مهما كانت الجائزة أو الشهرة الجماهيرية الذي يوفرها هذا التواطؤ للمتواطئ. فبروتون لم يسع أبدا لا إلى اعتراف الوسط الأدبي به كشاعر، ولا الى نيل جوائز المؤسسات ولا أن يكون له جمهور مخدّر بعقاقير الأسماء. فالشعر، في نظره، ليس حسابات وقصدية بقدر ما هو عين عفوية الإنسان الملازمة، يحركها منطق داخلي صارم تتجلى صورا شعرية ليس العقل هو الذي يرتكبها بقدر ما تفضي هذه الصور بالعقل إلى قبولها وبالتالي تحريره من العقلنة المفروضة عليه. من خلال هذا الالحاح الأخلاقي والجمالي الذي كان يجسده بروتون، اصبحت السوريالة اعلى مراحل الأدب وفي الوقت ذاته هي الرفض المطلق لكل ما هو “أدبي”.
|
|
GMT 21:45:00 2007 الأربعاء 8 أغسطس |
<!– عبدالقادر الجنابي |
قصيدة نثر بقلم الشاعر الأمريكي روبرت بلاي
ترجمها عبدالقادر الجنابي
مخازنُ حبوب المزرعة تصبح أحياناً جميلة بالأخص عندما يكون الشّوفان أو القمح قد نفد، والرّيح كَنست الأرضيّة الخشنة. واقفين بالدّاخل، نرى حولنا، آتيةً عبر فتحات ألواح الحائط المنكمشة، خيوط الشّمس أو أشرطة ضوئها. وهكذا في قصيدة عن السجن، يرى المرء نوراً صغيراً.
لكنّ كمّ من طير وقع في الفخ في مخازن الحبوب هذه. فالطائرُ، رائياً الحرّيّة في النور، يضطربُ مصطدماً بالحائط ويتراجع مراراً وتكراراً. المخرج هو حيث تدخل الفئران وتغادر؛ لكنّ ثقب الفأر منخفض حتّى الأرضيّة. حذار أيها الكتّاب إذن، عندما تظهرون النور على الجدران، أن توعدوا الطيور السوداء القلقة والمذعورة بمخرج!
أقول إلى القارئ، احترس. فالقرّاء الذين يُحبّون قصائد الضّوء قد يجلسون على شكل حَدَبة في الركن ما من شيء في أحشائهم طيلة أربعة أيّام، النور يتخافت والعيون مفتوحة متجمدة…
قد ينتهون كومةَ ريشٍ وجمجمةً على أرضيّة الخشب المنفرجة…
بوبروفسكي: شاعر الإشارات المبهمة
|
GMT 13:00:00 2007 السبت 28 يوليو |
<!– صالح كاظم وعبدالقادر الجنابي |
15 قصيدة حرّة
مقدمة صالح كاظم
عند الحديث عن الأدب الألماني المعاصر لا يمكن إلا التوقف عند مرحلة زمنية مهمة أغنت هذا الأدب بتجارب متميزة نشأت في أحضان النظام الشمولي في شرق ألمانيا وأصبحت
رافدا أساسيا لثقافة ما بعدالحرب رغم صعوبة الخندق الثقافي الستاليني الذي حاول أن يقطعها عن إمتداداتها الطبيعية في غرب ألمانيا وقولبتها في نظريات بعيدة عن الأدب في جوهرها مثل ما كان يطلق عليه مصطلح "الواقعية الإشتراكية" أو "الأدب الملتزم" وغير ذلك من المصطلحات ذات الجذور البيروقراطية المؤدلجة. في ظل الجدار دأب عدد كبير من الفنانين والأدباء على السعي من خلال أساليب تعبير معينة للأفلات من سوط
الرقيب المتربص بهم وإنتاج أعمال أبداعية لا تقل طاقتها الإستفزازية، عما نشأ في ظل النظام الرأسمالي السائد في غرب المانيا، سيرا على النهج الذي رسخه بريشت في مقاله "خمس صعوبات في كتابة الحقيقة"، حيث يوصي الكاتب أن يستخدم "الحيلة" لنشر الحقيقة في ظروف القمع. ولا شك بأن بريشت كان هو أول من طبق هذه النصيحة في خمسينات القرن الماضي، سواء في قصائده أو في مسرحه "الديالكتيكي" القائم على أسس "المسرح الملحمي". هكذا تسربت الحداثة الى ادب وفن "المانيا الديمقراطية" وتركت بصماتها على الكثير من الإبداع الأدبي والفني لجيل ما بعد الحرب والأجيال اللاحقة حتى مرحلة سقوط الجدار وتوحيد المانيا. ورغم غلبة الطابع السياسي على أغلب ما كتب في "المانيا الديمقراطية" في خمسينات القرن العشرين ووجود تيار إيديولوجي واضح لدى بعض الشعراء والكتاب مثل كورت بارتل (كوبا) (1914- 1967) ويوهانيس آر.
|
مقدمة عبد القادر الجنابي عندما اقترح القاص الصديق صالح كاظم ترجمة بعض قصائد يوهانس بوبروفسكي، شعرت وكأنه يوقظ فيّ لغةً شفيفة كدت أنساها؛ لغة بوبروفسكي التي تعرفت عليها أوائل تسعينات القرن الماضي وقمت آنذاك بترجمة عدد من قصائده و نشرت بعضها في "القدس العربي". وقد اعتمدت في ترجمتي على الترجمة التي قام بها ماثيو ميد بالتعاون مع زوجته روث ميد.. وكلاهما صديقٌ لبوبروفسكي، وصدرت في كتاب عن "انفيل برس" عام 1984، مع مدخل نقدي بقلم مايكل هامبورغر الذي توفي مطلع هذا العام. والترجمة الانجليزية هذه علاوة على إنها شعرية، لكنها جاءت دقيقة حد إن صالح كاظم عندما طلبت منه ان يراجع ترجمتي للقصائد ("أن يُسمّى على الدوام"، "لغة"، "ايقونات"، "عروس الماء"، "عندما الغرف"، "في المرآة الفارغة" و"الصياد الليلي" |
بيشر وآخرين، كان يوجد هناك تيار له طابع إبداعي، ربما كان مٌسيّسا، إلا أنه لم يُصب بالعدوى الإيديولوجية، وبقي في مجمله محافظا على نقائه الإبداعي، سواء كان ذلك في مجال القصة أو الشعر أو الرسم، أومجالات الإبداع الأخرى. وكان يوهانيس بوبروفسكي (1917-1965) في كل الأحوال واحدا من الشعراء الذين لم يدخلوا سوق المزايدات الإيديولوجية، بل أنصرف لعمله الإبداعي، رغم المخاطر المحيطة به والتي دفعته في النهاية للعمل كمحرر في دار النشر التابعة لـ "الإتحاد المسيحي الديمقراطي" لضمان لقمة العيش من جهة، ولتخفيف الضغوط السياسية عليه كشاعر من جهة أخرى، إذ كان التلحّف بهذا الغطاء يضمن شيئا من الحرية الإبداعية ومجالات أكبر نسبيا للتحرك في حدود الممكن، على حافة الهاوية. لذا فانه ليس من المستغرب أن تتم طباعة أغلب أعمال بوبروفسكي في البداية في ألمانيا الغربية، ينطبق هذا على أعماله الشعرية والروائية بنفس الدرجة، علما بأنه كان قد نشر أول قصائده في سنة 1955 في مجلة Sinn und Form التي كان يشرف عليها في حينه الشاعر المعروف بيتر هوخل ( 1903-1981) – غادر "المانيا الديمقراطية في سنة 1971 بعد أن تعرض للعديد من الضغوط السياسية والأبداعية بسبب نهجه المتفتح في إدارة المجلة المذكورة وفي قيادة أكاديمية الفنون الألمانية- و لا شك بأن مصير بوبروفسكي لم يكن ليختلف عن مصير غيره من أدباء تلك المرحلة الذين وجدوا أنفسهم رغم قناعاتهم اليسارية مضطرين لمغادرة "المانيا الديمقراطية"، لولا تعففه عن الخوض بشكل مباشر في الشأن السياسي، إضافة الى صعوبة تفسير كتاباته من خلال نهج سياسي، بعيدا عن العملية الإبداعية. العملية الإبداعية تبدأ في اللغة، لتغوص في الأبعاد المبهمة للزمان والمكان، في بحث لا يتوقف عن جذور الغيبي والميتافيزيقي في الحجر، والأنهار والأشجار، في عالم لا يكف عن التحولات، هو العالم الذي ولد فيه بوبروفسكي، عالم "بروتسا" – بروسيا لاحقا -، حيث الإختلاط العرقي في أعلى درجاته، فهناك الألماني والبولوني والليتواني، كل ترك بصماته على هذه الأرض التي يعيد لها الشاعر أسمها القديم "سارماتسيا"، محررا إياها من كافة أشكال الإختناق القومي بجذوره القائمة على أساس حروب القرن الماضي (الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية). يجد القاريء نفسه مقابل هذا العالم أثناء تصفح أعمال الشاعر، سواء الشعرية منها أو الروائية والقصصية. في مجموعته الشعرية الأولى "أزمنة سارماتسية" -1961- يأخذنا الشاعر الى أماكنه ومحطات أحلامه في مناطق تأسس فيها وعيه الأول، في تلك المدينة المحاطة بالغابات، على ضفة نهر الـ"ميميل" الذي مازال سكان المنطقة يسمونه "الجدول". وينطبق ذلك كذلك على ديوانه الثاني "أرضُ ظلالٍ جداول" وعلى روايته الأهم "طاحونة ليفين، 34 جملة عن جدي" – 1964-. وتحمل أعمال بوبروفسكي في طياتها العديد من المفاجآت اللغوية التي يرجعها بعض النقاد الى معرفته باللغتين اللتوانية والبولونية، حيث نقل منها ما تحمله ذاكرته الى اللغة الألمانية، في صور شعرية غريبة، جعلت منه واحدا من أعلام الحداثة في الأدب الألماني المعاصر. وفي النهاية مازال ما قاله حول الدور الإجتماعي للأدب محافظا على صحته لحد يومنا هذا: "الأدب لا سلطة له."
1- زهرة البيلسان
ها هو ذا
بابل، اسحاق.
يقول: أثناءَ المجزرة،
حين كنتُ طفلا،
قـَطعوا رأسَ حمامتي.
بيوتٌ في شارع خشبي،
أسوارُها يـَنمو عليها البـَيـْلسان،
عـَتـَباتـُها نظيفة ومُلـّمعة
السـُلـّم الصغير، أتـَذ ْكـُرْ،
كانت عليهِ لطخة ُ دَمٍ.
تقولون: لننسى!
هناك جيلٌ سيأتي،
ضحكاته مثل أ ُجّمات البيلسان.
البيلسان يـَذبلُ
بسبب نِسيـانـكم.
2- يوهان سيباستيان باخ
رجلٌ غيرُ مريح ٍ،
مزاجُه مثل موسيقيّ المدينة، يَحملُ سيفا
وله مـيول عاطفية
(يُمكن تحقيقها، بلا شك).
مثل طِفلٍ يفرحُ لخـَرير المياه،
ويتابعُ سير الأنهار الدائم التأثير.
نهرُ الأردن الأجْرد
والفراتُ المُحمـّل بالسماوات يـُرحبان به.
رأى مضيقَ البحر -
هناك من يدور
حول نيران ٍ غير مرئية،
يـُنادي الكواكبَ
بصوتٍ يَحْمل عذابا قديما.
أحيانا،
في معزوفاته في كـُويتن،
وسَط أبهةِ سنوات لايبزغ يطفو هذا
على السطح. في النهاية، لم يعدْ يسْمَع
روحَ العَنـْصَرة
تحلـّق مع ضجيج الأبواق (على أرتفاع 16 مترا).
يَسْبقه أنينُ الناي،
إذ يقفَ أمام بيته العتيق،
متعبا من الكتابة،
محاطا برياح عاصفة، ناسيا
الأرض.
3- تجربة
إشارات،
صليبٌ وسمكة ٌ
مخطوطة على جدار الكهف.
موكبُ الرجال
يـَغيبُ في التربة.
![]() |
| رسمه مستوحاة من قصائده بريشة كاثرين برومسه |
الأرض ترتفع،
أعشابٌ ضاربة إلى الخضرة
تنمو وسط الأحراش.
عند الصدر
يتوقفُ النهرُ عن الجريان.
صوت يأتي من الرمال:
اِفتحْ جَسَدكَ،
فأنا غير قادر على اختراقه،
موتاكَ يعومون في مياهي.
4- تقرير
بايلا غيلبلونغ،
هَربتْ
أثناء نـَقـْلها من الغيتو
في وارشو،
تجوّلت في الغابات، مسلحة ً.
أ ُعْتـُقِلتْ في بريست- ليتوفسك،
وهي ترتدي معطفا عسكريا (بولونيا)،
اسْتجوبها ضباط ٌ ألمان .
في الصورة:
ضباط ٌ فتيان في حُلل أنيقة،
وجوههم صافية،
وقاماتـُهم مستقيمة.
5- اغتراب
زمنٌ
يتنقلُ
يرتدي أحيانا
ملابسَ من السعادة
أو من الخيبة.
الخائبُ يتحدثُ بصوت متقطع
يشبه اللقـْلقة. اللقالقُ
تـَتـَجَنبه:
ريشُه أسودٌ وأشجاره ظلالٌ، يـَسْكـُنها
الليلُ. خـُطاه
تنتهي في الهواء.
6- قصب البردي
بأجنحةٍ من مطر ٍ
تـُحـَلـّقُ، صارخة ً،
الرياحُ المَطـَرية.
حمامة ٌ زرقاء
نَشرَت جناحيها
عِبر الغابة.
جميل هو الضوء، إذ يتسرب
في حديد السرخس المنكسر
رأسُه رأسُ تـُدْرُجٍ.
أيها النـَفـَس،
ها أنا أرْسلك الى الخارج،
اِبحثْ عن سقف يحميك،
تـَسَلـّلْ من خلال نافذةٍ،
انظرْ الى نفسِك في المرآة البيضاء،
اسْتـَد ِرْ بلا ضجيج،
سيفا أخضر.
7- إلى كلوبستوك
(فريدريش غوتليب كلوبستوك 1724-1803 شاعر ألماني)
لو رَفـَضْتُ ما هو واقع
فهذا ما سيكون: أقول النهرَ والغابة َ.
غير أن الظلامَ لاصقٌ بأحاسيسي
صوتَ الطائرِ المتعجل ِ،
سهمَ النور حولَ المنحدر
وخريرَ المياه.
كيفَ أنـْطُق أسمَك،
وحظي قليلٌ من المجدِ،
حَمَلـْتُ كلّ ما مَررْتُ به،
أساطيرَ محاطة ً بالظلال ِ تحكي عن الذنوبِ
والتكفير ِعنها:
ومثل ثقتي بما تفعل،
أثق بلغة المَنسيين،
وأنـْطقُ كلماتهم بلا مجاملة صوبَ الشتاء،
من وراء القصب.
8- جواب
عِبرَ السور أنتَ تـَتـَحدث:
الأشجارُ ترمي ما يـُثـْقِلها،
الثلجَ.
حتى غصونُ البيلسان المخلوعة
تـَحْمِلُ غناءَ الشحارير
وصياح الصراصير.
صوتُ العشب
يَحفرُ ثقوبا في الجدار.
طيور السنونو تحلق صعودا
عَكـْسَ المطر،
أبراجَ نجوم ٍ تمضي نحو السماء
على عجل في الصقيع.
الذين يدفنوني
تحت الجذور
يسمعون:
هو يتحدث مع التراب الذي يملأ فمه-
هكذا سينطق التراب،
وتصرخ الحجارة،
والمياه تحلّق.
ترجمة صالح كاظم
9- أن يُسمّى على الدوام
الشجرة، الطير وهو يطير،
الصخرة الضاربة إلى الحمرة، حيث يتدفق
المجرى، اخضر، والسمكة
في الدخان الأبيض، عندما ترتفع العتمة
فوق الغابات.
أن تَرسم، أن تـُلوّن،
ما هذا سوى لعبة، أخشى
أن لا تنتهي بالشكل
المراد.
ومَن هذا الذي سيعلّمني
ما قد نسيتُه: نوم
الحجر، نوم
الطيور وهي تطير، نوم
الاشجار، هل يستمر،
في العتمة، كلامها؟
لو كان ثمـّة الهٌ
ومتجسد،
واستطاع أن يناديني، لكنت
قد تقدمت، لكنت قد
تمهّلت قليلاً.
10- لغة
الشجرة
أعظم من الليل
مع نسيم بحيرات الوديان
مع الوشوشة عبر
السكون.
الاحجار
تحت القدم
اعراق مشعشعة
منذ أمدٍ في الغبار
إلى الابد.
لغة
منهوكة
بفمها المرهق
في الطريق اللانهائية
إلى بيت الجار.
11- أيقونات
ابراجٌ، مقوَّسة، مسوَّرة
بالصلبان، حمراء. تتنفسُ
السماءُ الظلمة، يقف
يوحنا فوق التل، المدينة
تِلقاءَ النهر. يراقب
البحرَ آتياً باخشاب،
بمجاذيف، بسمكة مُحرشَفة، الغابةَ
تلقي بنفسها في الرمل.
في مقدمة الريح
ينطلق الأميرُ، ملوّحاً
بمشاعلَ في يديه، ينثرُ
نيراناً صامتة
فوق سهوبٍ مترامية الأطراف.
12- عروس الماء
يتصاعد
من ظلالها
![]() |
| قصائد حب بريشة الفرنسية سوزان نيكل |
الكلامُ اللا ملفوظ.
من الأوراق
ذراعٌ مقوَّسة.
إنك تجتاز جسرا.
تحمل نوّارا فوق الفم
تتستّر قرب الأبراج
ترمي الحصى الوثّاب بعيدا.
لا أملك نارا
في القَشِّ تنام العصافير
مسموعة ً تعيش في السطح
الأجنحة ُ والزقزقة.
أيا نفْثةَ
احمليني.
أيا عتمةَ
كلّمي اليدين.
قرقرة الماء تبني
في الصمت المريّش عشّـا.
البيوتُ تحت الماء
تُبقي الأبوابَ مفتوحة ً،
ثمة نوافذ، ويبرز سلـّمٌ من حجر.
13 عندما الغرف
عندما تُهجرُ الغرفُ
حيث توجدُ الأجوبة ُ، عندما
الجدرانُ والممراتُ الضيقة تنهار، تطيرُ الظلالُ
من الأشجار، عندما يُهجرُ العشبُ
تحت الأقدام
تطأ النعالُ البيضاءُ الريحَ
عـُلـّـيقة ُ الشوك تَشتعلُ
أسمَعُ صوتـَها
حيث لم يكن هناك سؤال،
المياه تجري، ولا أظمأُ.
14- في المرآة الفارغة
في مياه الضوء،
حاجب ضد حاجب،
ما يغطي الجذوع
يطلع فوق سِنامك
أدعو البرق للنزول
وأنت أيها الرماد، تأتي نِدفَ رمادٍ
من برق ٍ بعيد
تسقطُ منك، عباءتُك
كنتُ على منْكـبِـك
العِـرْقُ الذي على رقبتك
اقتحمَ فمي
لن تغرقَ
سأحملكَ
بذراعي، أرفعك
عبر اليمً
سِـرْ أمامي
ذات يوم: سآتيك
بالشراب ثانية، سأطير
باتجاه السموات، ذات يوم؛ لكن
ساهبط، ستسمعني
اتنفّسُ، ستسمَعكَ الحقولُ
فوق الرياح، نورٌ أبيضُ
سيتكلمُ معك.
15- الصياد الليلي
في الأغصان الجميلة
لايزالُ
الصمتُ يعتلجُ
نور
ذو أيد
على جدارٍ.
يندلقُ الرملُ من الجذور
امض أيّها الرمل،
احمرَ في الماء
اذهبْ تتَـبّـعْ الأصوات
اذهبْ إلى العتمة
انشرْ الشبكة في الفجر
الأصوات تغني شجرةَ الحور..
خذ أذنيك
إلى مكان أمين
إلى الأغصان الجميلة
الأصوات تغني:
ما هو ميّتٌ ميتٌ.
ترجمة عبدالقادر الجنابي
نازك الملائكة ولقيطها: قصيدة النثر
|
GMT 12:30:00 2007 الخميس 21 يونيو |
عبدالقادر الجنابي |
إذاً رحلت نازك الملائكة إلى العالم الآخر… تاركة الأحياء محدقين في ما مضى، في شيء من سيرتنا الشعرية. رغم كل ما تم من تشكيك في أنها ليست أول من كتب قصيدة وفق معايير الشعر الحر، وأن هناك الكثير من التجارب الفردية قبلها، تبقى نازك الملائكة هي المؤسس الأول للشعر الحر، لأنها أول من نقل تجارب إيجاد شكل شعري متحرر من بعض القيود التي لم يعد لها معنى، من حيز التجريب غير الواعي إلى فضاء التجريب الواعي والمقصود، وتسميته وبالتالي فتح مواجهة طويلة مع المعطيات. والحبر لايزال يسيل
| مقتبس من حياة الشاعرة الراحلة نازك الملائكة |
في هذا الأمر. وهذا عين ما حصل عند ظهور الشعر الحر في فرنسا. فرغم أن رامبو كان أول من كتب قصيدتين حرتين بسنوات قبل ظهور الاسم، وأن لافورغ نشر قصائد حرة بنفس الفترة التي نشر غوستاف كان، فإن غوستاف كان هو الذي يعتبر في نظر الجميع مؤسس الشعر الحر ومنظره: فالقصدية هي الأساس في كل شيء. ولواضع التسمية دوره المؤسس وبالتالي المنظر. فالمسألة إذن ليست هنا. فمكانها الريادي هذا سيبقى في صلب الشمس، وسوف لن تُناقش أعمالها إلا من خلال هذه الأشعة التي سلطتها نازك الملائكة في عز شبابها… فما كتبت من شعر فيما بعد بقي في إطار الكلاسيكية لا يصمد أمام تجاربها الأولى.
لكنها كشاعرة تربت في بيت محافظ، وكامرأة في وسط أدبي ذكوري، لم يسمح لها الانفتاح التجريبي المهدد للتراث الذي فرضته أوضاع خمسينات القرن الماضي، إلا أن ترتد، أن تتقوقع في ما أجترحته من تجديد وأن تتوقف عند الأسس الأولى (عدم الالتزام بعدد ثابت من التفعيلات، تحويل البيت من شطرين إلى سطر، مزج تفعيلات بحر بتفعيلات بحر آخر، الوقفة حيث يريد الشاعر حتى نهاية المعنى، نسف نظام الروي وجعل الصوت متنقلا، عدم خضوع الموسيقى للوزن وإنما لحالة الشاعر النفسية، التدفق)، جاعلة من هذه الأسس الأولى قيودا خليلية جديدة، وليس نقاط انطلاق نحو حرية أكبر، بل أصبحت خائفة حتى مما قامت به من كسر لبعض القيود، إذ كتبت في "قضايا معاصرة" قائلة: … يهمنا أن نشير إلى أن حركة الشعر الحر، بصورتها الحقة الصافية، ليست دعوة لنبذ الأبحر الشطرية نبذا تاما، ولا هي تهدف إلى أن تقضي على أوزان الخليل وتحل محلها". إن رواد الشعر الحر باللغة الانجليزية كانوا لا يختلفون عن مقاربة نازك الملائكة، فهم أيضا كوليم كارلوس وليامز وباوند واليوت، وقفوا ضد ما أخذ ينتشر باسم "الشعر الحر" في اللغة الانجليزية، بينما هو في نظرهم شعر نثري.
لكن هذا ما حصل. ذلك أن "كل ميل"، كما وضحت هي في نفس الفصل، "إلى تحكيم الشكل في المعنى يغيظ الشاعر المعاصر ويتحداه". وبالفعل شَعر الشعراء الجدد وعلى رأسهم توفيق صايغ، ثم محمد الماغوط وأنسي الحاج، بضرورة التوسع في إمكانيات الشعر الحر وكسر كل قيد سواء كان عروضيا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة أو بقياسات شعر التفعيلة حتى طفقوا "ينبذون الأوزان القديمة نبذا تاما"… وهكذا وضعت الملائكة من خلال تحرير الأوزان وتليينها، بذرة لقيط سيكون له اسم مستعار: "قصيدة نثر".
لم تنتبه نازك الملائكة إلى أن الشعر الحر الذي أرادت تعميمه يميل أكثر إلى ما سمي بالفرنسية "الشعر المُحرَّر" Vers libérés (أو المتحلل من بعض القيود الوزنية دون أن يمس العروض الفرنسي)، منه إلى "الشعر الحر" Vers libre الداعي إلى عدم الالتزام بعدد ثابت من المقاطع (وبالتالي التفاعيل) في البيت… وربما فقط في هذه النقطة، يقترب منظور تحرير الوزن لدى الملائكة من مفهوم "الشعر الحر" بمعناه الفرنسي…
لم تستطع نازك الملائكة تجاوز ذهنيتها المحافظة والارتدادية، وكأنها ستخسر شيئا لو حاولت ان تقف إلى جانب هذا اللقيط، وأن تعتبره أبنها الشرعي. وها هو وليد تمردها هذا ابن ضال، لا يريد حتى الاعتراف بأمه التي أنجبته. ورُحب به دون أن يتابع أحد شجرة أصله، نسبه وفصله.. وهكذا سادت الفوضى التي كانت تخشاها نازك الملائكة، ووضعت كتابا كاملا تحذر فيه منها، ولم يُجد نفعا! فللتاريخ دوما مقلبٌ: إن ما كانت تخشى وقوعه، أنتج تاريخا عريضا، بل شبحا ظل يطاردها حتى الأمس.
بودلير وويتمن وما بينهما من بون
|
GMT 17:30:00 2007 الجمعة 15 يونيو |
عبدالقادر الجنابي |
هذا هو الشعر الحر: الحلقة الثانية
الحلقة هذه مهداة إلى الشاعر الصديق أمجد ناصر
عبدالقادر الجنابي من باريس: هناك تشويش كبير موجود في الوسط الأدبي العربي حول علاقة ويتمَن ببودلير، وأن بودلير تأثر بويتمَن… واحد أسباب رواج هذا التشويش، بل سوء الفهم هذا، هو المقالات النقدية الموضوعة حول قضية "الشعر الحر".. ومما يؤسف له هو أن عددا من المترجمين والنقاد غالبا ما يعتمدون على مقالات وكتب كتبها أجانب غير مختصين يلقون أحيانا الكلام على عواهنه، دون تمحيص وبحث جدي في المصادر الأولى. أما الكتب التي يمكن فعلا أن تخفف من ثقل الجهل العربي، فإن مصيرها هو التعتيم والنسيان، لأنها في حاجة إلى مترجمين لهم إحساس بالمسؤولية بقدر ما لديهم حب استطلاع.
هنا ملاحظات لتبديد سوء الفهم الرائج هذا بصدد مَن أثر على مَن: بودلير على ويتمَن أم ويتمَن على بودلير… أو بالأحرى لا هذا على ذاك ولا ذاك على هذا؛ ملاحظات استطعت
![]() |
| شاعر الشسوع الأمريكي وشاعر الكأبة الباريسية |
استخلاصها من قراءاتي لدراسات عديدة وبالأخص كتابين اكاديميين يتناولان بالتفصيل تشعبات موضوعنا هذا، الأول هو كتاب الباحثة الأمريكية بيتسي ايركيلا Walt Whitman Among The French "ويتمَن في وسط الفرنسيين" (1980) التي تناولت فيه المؤثرات الفرنسية في أدب والت ويتمَن وتأثير ويتمَن نفسه فيما بعد على الأدب الفرنسي. ويعتبر كتابُها من أكثر البحوث صرامة ودقة في موضوع العلاقة بين ويتمن وفرنسا، وقد أجرت في الكتاب جردا شاملا لكل ما كُتب عن ويتمن وما تُرجم له الى الفرنسية منذ عام 1861 وحتى 1972، مع تبيان تأثير شعر ويتمن على شعراء فرنسيين خلال قرن.
الكتاب الثاني هو The Evolution Of Walt Whitman "تطور والت ويتمن" بقلم روجيه أسيلينو، الذي صدر في منتصف خمسينات القرن الماضي بجزأين. وهذا الكتاب يعتبر عمدة المصادر حول سيرة ويتمن وديوانه "أوراق العشب"، فأسيلينو لم يترك ورقة صغيرة أو رسالة ضائعة أو مسودة من مئات المسودات، أو دفتر يوميات من عشرات الدفاتر… دون أن يراجعها ويبني اعتبارا من هذه المراجعة نتائج بحثه القيم. كتاب زاخر بالتفاصيل المتعلقة بتكوين ديوان "أوراق العشب". وقد توخى روجيه أسيلينو الأسلوب الموضوعي حيث القدرة على تعيين مسافة بينه كدارس وبين ويتمن كموضوع دراسة: مسافة لا تختلط فيها مشاعر الإعجاب الممكنة في كثير من الأحيان، بنابل الوقائع المعطاة. فهو يستقصي معلومة اثر معلومة دون أن يعطي أحكاما قاطعة، بل يفتح طريقا شاسعا من الاستنتاجات الممكنة لكن ضمن ما متوفر من وثائق إثبات.
1- كان والت ويتمَن ( 1816 - 1892) أكثر شعراء أمريكا تأثرا بفلسفة التنوير الفرنسية، وتراثها النهضوي المترجم إلى الانجليزية، إذ لم تكن لويتمَن سوى معرفة جد بسيطة باللغة الفرنسية. وقد برهنت بيتسي ايركيلا على أن والت ويتمَن كان متأثرا جدا بكتاب الفيلسوف الفرنسي كونستانتان فولني (1757-1820)، "الأطلال أو تأملات في تعاقب الامبراطوريات" الذي يدعو فيه فولني إلى نظام عالمي عادل ينطلق من إيمان فلسفة التنوير بالعقل، والعلم، والحضارة والتقدم. ومن المعروف أن ويتمَن كان يدون في دفتر يومياته بعض المقاطع التي تعجبه لكتاب كبار، ثم يحورها أبياتا في قصائده، ومنها هذا المقطع من "الأطلال":
"نِف (ويعني الوجود)، شكل بشري بلباسٍ أزرقَ غامق يحمل في يد واحدة صولجانا وصاجا معدنيا (الزودياك) وعلى رأسه قبعة من الريش…".
في قصيدته المشهورة "تحية إلى العالم"، كتب ويتمَن الصورة التالية:
"أرى نِف، يزدهر، لابسا الأزرق
وعلى رأسه تاج من الريش".
وهناك أمثلة قوية جدا في دراسة بيتسي ايركيلا تكشف عن تأثر ويتمَن بـ"أطلال" الفيلسوف فولني. والتأثيرات الفرنسية الرومانتيكية والتنويرية هذه جوهرية في صقل الطابع الديمقراطي لـ"أوراق العشب" والميل النثري الذي جعل البيت الشعري أطول من المعتاد فتجاوز ويتمن قاعدة العدد الثابت للمقاطع والنبر والتفعيلات. والبرهان أن ويتمن ظل طوال حياته ينقح ديوانه، حد حذف جمل كاملة من بعض أشعاره، كان يراها نثرية وشرحية كهذا البيت:
"وسأريكم أنه ليس ثمة نقص في الذكر والأنثى أو في الأرض، أو في الحاضر ولن يكون في المستقبل."
اصبحت في طبعة عام 1867 هكذا:
"وسأريكم أنه ليس ثمة نقص في الحاضر ولن يكون في المستقبل". (1)
سنفصل دور النثر على شعر ويتمن في حلقات أخرى عندما سنتناول ظهور "الشعر الحر".
وهناك دراستان قيمتان حول تأثر ويتمن بالمؤرخ الفرنسي جول ميشيليه: "ويتمن وميشيليه: مقاطع متشتبهة" للأكاديمية أدلين كناب، و"ميشليه وويتمن" لمؤلف "دليل القارئ الى والت ويتمن"غاي ويلسن الين. وفي هاتين الدراستين نقرأ مقارنة خارقة بين قصائد لويتمن وكتابات المؤرخ الفرنسي الكبير جول ميشيليه، وكيف ان مقاطع كاملة من كتابات ميشليه حاكاها شعريا ويتمن في قصائده. فمثلا "الطير" الرامز الى الحرية والاتساع في شعر ويتمن، هي عين الرمز الموجود في كتاب "الطير" لجول ميشيليه. كما أسيلينو يبين كيف ويتمن تأثر بكتار توماس كارليل: "الأبطال" وخصوصا بسيرة محمد الذي استقى ويتمن منها مفهوم "الشاعر النبي" وأن العالم في حاجة إلى كتاب مقدس. غير أن هناك نقادا أجروا مقارنات أخرى بين شعر والت ويتمن وكتابات المؤرخين والروائيين الفرنسيين، فخرجوا بنتائج تكاد تتهم ويتمن بـ"الانتحال". وقد ذهبت الناقدة ايستر شيفر إلى مدى أبعد بقولها "إن المصدر الأساسي لـ"أوراق العشب" نجده في الفصل الختامي من رواية فرنسية هي رواية جورج صاند " La Countess de Ruodolstadt"… وقد حاولت ببراهين وجمل ومفاهيم متواجدة في العملين لبرهنة نتائجها.
المعلومات التاريخية لا تفيد بأي رابط بين ويتمن وبودلير:
2- أول ذكر لاسم والت ويتمَن، في اللغة الفرنسية، كان في مقالة مخصصة عنه كتبها الناقد لويس اتيين تحت عنوان: "والت ويتمَن، الشاعر، الفيلسوف والمشاكس" ونشرته "المجلة الأوروبية" نوفمبر 1861. ومن سوء طالع ويتمَن أن الناقد لويس اتيين هذا كان يضمر له شرا، فكتب مقالته من موقف معاد مقتبسا من أشعار ويتمَن اقتباسات خارج سياقها ليسند وجهة نظره المعادية فقدم ويتمَن للقارئ الفرنسي آنذاك كمجرد مشاكس ديمقراطي وإباحي، وليس كصاحب إضافة شعرية جديدة. والأنكى أن هذه المقالة كتبت في ظل الامبراطورية الفرنسية، أي في ظل ظروف رجعية معادية لكل فكر مستوحى من أفكار الثورة الفرنسية ومثلها التنويرية. وهذا يعني أن هذا التعريف الأول بويتمَن مسئول عن التعتيم الذي لاقاه ويتمَن الشاعر آنذاك، فشاع اسم ويتمَن فقط في الأوساط الراديكالية وليس في الوسط الشعري. وكان على ويتمن أن ينتظر 11 عاما حتى يظهر هجوم ثان غير أن له هذه المرة تأثيرا ايجابيا على سمعة والت ويتمن الشاعر وكنبرة شعرية لم يُعهد لها من قبل، ستلعب الترجمات الفرنسية لقصائده دورا كبير في ظهور "الشعر الحر". ففي اول حزيران من عام 1872،
![]() |
| الطبعة الأولى من أزهار الشر (1857) |
نشرت "مجلة العالمين" المشهورة مقالة سلبية بقلم تيريز بيتزون تحت عنوان: "شاعر امريكي - والت ويتمَن"، تصدى لها ناقد جريء وعادل اسمه ايميل بليمون، كان أصلا يحضر ملفا عن ويتمَن. وسرعان ما نشر، بعد اسبوع من ظهور مقالة تيريز بيتزون، سلسلة مقالات في مجلة "النهضة الأدبية والفنية" (7 حزيران، و11 حزيران و12 تموز من عام 1872)، دفاعا عن ويتمن كشاعر. والمقالات هذه كان لها هدف سام واحد هو تقديم ويتمَن كاكتشاف شعري عظيم. وبالفعل إن مقالات بيلمون الثلاثة هذه يعود لها فضل دخول شعر ويتمَن مرحلة التأثير المباشر على الشعر الفرنسي.
3- ليست هناك وثيقة واحدة تدل على أن شارل بودلير (1821 - 1867) قد قرأ ويتمَن، أو اطلع على شعره. ربما قرأ مقال لويس اتيين، فلم يهتم بويتمَن "الديمقراطي المشاكس"، فإن نعوتا سياسية كهذه لا قيمة لها في نظر بودلير. ناهيك أن اجتراحات بودلير الشعرية على صعيد قصيدة النثر كانت معروفة منذ عام 1854، وعلى صعيد الإيقاع الديناميكي والجديد دون أي خلل وزني، فإن 18 قصيدة من "أزهار الشر" كانت قد ظهرت أول مرة تحت هذا العنوان في عدد حزيران 1855 من "مجلة العالمين" ، أي بشهر واحد قبل صدور "أوراق العشب" (مطلع تموز 1855). أضف إلى هذا أن ويتمن لم يكن معروفا كشاعر قبل صدور ديوانه، بقدر ما كان معروفا مجرد كاتب عمود في صحيفة "ديلي بروكلين ايغل" الذي اصبح محررا فيها. والفرق بين ديوانه ومقالاته العادية، أثار تساؤلا فيما إذا كان نفس الشخص الذي كتب هذه المقالات وديوان "أوراق العشب".
ولعلّ معترضا يقول إن ويتمن قرأ بودلير. والبرهان على هذا هو وجود فقرة لبودلير عن "المرض بالجمال" اقتبسها ويتمَن في مقالته "شعر المستقبل" (1872). الجواب هو أن ويتمّن لم يقتبسها مباشرة من كتابات بودلير، وإنما وجدها مذكورة مترجمة في مقالة تعريفية للناقد الفرنسي الكبير سان بوف نشرتها "المجلة الأمريكية الشمالية" (كانون الثاني 1869)، ناهيك أن الاطلاع المبتسر هذا على فكر بودلير، جاء سنتين بعد موت بودلير و14 سنة بعد صدور "أوراق العشب".
بقيت معلومة واحدة يستطيع رجال الإنشاء تشييد خللها قصور من رمال التأثيرات والانتحال. والمعلومة هذه ذكرها أسيلينو لكن في سياق تحليلي لا علاقة لها بالتأثير أو الأخذ، وهي أن ويتمَن فكر بعناوين أخرى ("دموع الشر"، "قطرات الشر"، "آيات الشر".. الخ) لعنوان Calamus "قصب الـذّريرة" (نبات كالبردي ينبت في الحياض والمياه) الذي وضعه لمجموعة قصائد أضافها 1860. وهذا ما تكشفه مخطوطة ويتمَن نفسه، حيث شطب على كل هذه العناوين مستقرا رأيه على " قصب الذريرة ". هنا يجب أن أتوسع في جانب جوهري من حياة ويتمن وشعره، لكي نفهم، أولا، فرقا جوهريا بين ويتمن وبودلير، وثانيا قصة العناوين المقترحة.
إن أول من التفت إلى أن ويتمن "مَثلي" (شاذ جنسيا) هو العلامة جي إي سيموندس، وذلك بعد أن قرأ مجموعة القصائد، المنشورة في "أوراق العشب"، تحت عنوان " قصب الذريرة ". وقد بعث برسالة إلى ويتمّن يسأله إذا كان فعلا مِثليا. اضطرب ويتمن إزاء سؤال كهذا، فغضب ونفى هذا بلغة حادة بل أكد في جوابه أنه ضد "المِثلية"، مضيفا، كبرهان، أن لديه ستة أطفال غير شرعيين اثنان منهم توفيا.
وفق عدد من الدراسين إن جواب ويتمن غاضب ومضطرب يؤكد عكس ما يدعيه، فإن نفيه لهذا ليس سوى خوف من أن يتعرض إلى هجوم أخلاقي يفسد مشروعه الشعري. وقد حاول كل الدارسين أن يعثروا على دليل واحد يؤكد أن لديه طفلا واحدا غير شرعي، فباءت كل محاولاتهم بالفشل، وإن كل ما حصلوا عليه من أدلة، خصوصا من اخيه وأصدقائه
|
اقرأ أيضا: |
وأقاربه، حول هذا الموضوع تثبت إن ويتمن كان يبتعد كثيرا عن النساء، وتفيد أن لويتمن ميولا مِثلية. وقد برهن أسيلينوا في الجزء الثاني من كتابه حول قضية الجنس في حياة ويتمن وشعره، على أن ويتمن كان يضيف في قصائده ".. والمرأة" دون أي معنى فقط للتمويه. وما قصة الأطفال غير الشرعيين سوى كذبة بيضاء ليبعد شبهات المِثلية حوله.. ناهيك أن العنوان "قصب الذريرة" يوحي بالعضو الذكوري (من مميزات هذا النبات أن له عرقا ناتئا يشبه القضيب)، إذ مفردة Calamus مرتبطة بكلمة معروفة بمعنى العضو الذكري في الأساطير اليونانية Kalamus ، ولم يستخدم الكلمة المعروفة لـ"قصب الذريرة" sweet flag.
ومن جهة أخرى، هناك أسطر واضحة وإشارات بينة في هذه القصائد إلى المِثلية الجنسية، وأن ويتمن استخدم كثيرا كلمة adhesivnees ليس بالمعنى الشائع "القدرة على عقد صداقات"، وإنما بالمعنى الذي هو شرحه في حوار معه: "ارتباط شخصي بين الرجال أقوى من الصداقة العادية". كما ان هناك الرسائل التي كان يوجهها إلى أصدقاء شباب عاديين أميين تعرف عليهم كتوم سوير الذي هرب ولم يجب على رسائل ويتمن المليئة بجمل يستشف منها رغبات مثلية. والشاب ستافورد الذي تلقى ذات يوم رسالة من ويتمن جاء فيها: "… أريد أن أراك يا بني العزيز، ولا أستطيع الانتظار أكثر… كم أتمنى أن أكون معك في هذه اللحظة أسفل النهير، وفي مكان بعيد في الغابات". التشديد موجود في الرسالة نفسها. على أن معظم الدارسين اجمعوا على أن مثلية ويتمن بقيت في نطاق المكبوت ولم تتحقق وليس هناك دليل واحد أنه ارتكب فعلا شاذا جنسيا. وهنا يأتي تحليل أسيلينوا القوي وهو أن ويتمن كان يتألم من هذا الكبت وقد ساعدته الكتابة الشعرية على التخفيف من آلامه، وبالتالي فما "أزهار العشب"، في نظر أسيلينو، سوى "أزهار شر" مجازيا ومن هنا فكر ويتمن أن يستبدل "قصب الذريرة" بعناوين أخرى تعبر عن حالته المؤلمة: "قطرات الشر"، "دموع الشر"، "آيات الشر".. الخ ولا علاقة لها بانتحال أو بتأثير قط.. أما بودلير (2) فكان معروفا للجميع أنه منغمس td الفجور ومعhشرة العاهرات وشارب خمور ومدخنا للحشيش، فحياته الداندية واضحة في مقالاته وشعره وضوح الشمس التي كان يتغنى بها ويتمن على الجانب الآخر من الكون. (3)
البون
إلى هنا تنتهي كل معلومات التقارب - التفارق التي يمكن أن تذكر في أي دراسة عن والت ويتمَن وليس عن بودلير. والآن، لنحاول من زاوية أخرى تبيان استحالة وجود أي تأثير لهذا على ذاك. فالفروق بينهما على صعيد المضمون وبالتالي على صعيد الشكل، جد واسعة وعديدة جدا:
1- إذا كان بودلير يرى الشاعر ساحرا والشعر نوعا من السحر، فإن ويتمن كان يرى الشاعر نبيا والشعر نوعا من الدين. وبينما أقصى بودلير "مذهب العلم" من عالم الفن
![]() |
| قصب الذريرة: Calamus |
مشددا على الاختلاف الجوهري بين المادي والروحي، اعتبر ويتمَن "العلم" كثيمة أساسية لقصائده. وهناك دراسات عديدة ظهرت في مطلع القرن العشرين تحاول ان تعطي مسحة نبوية لتحول ويتمان فجأة من صحافي إلى شاعر عبقري، وكأن هناك نموا مفاجئا حصل في حياة ويتمن عامل النجارة، بل وكأن وحيا نزل عليه من السماء، فكتب "أوراق العشب" (انظر الفصل الثاني من كتاب أسيلينو). سيرة بودلير وشعره نقيض لكل هذه الحكايات.
2- مع إنهما يعتقدان بأن الشعر فنا مُلهَما، إلا أن بودلير أعطى دورا أكبر للمهارة الفنية والحرفية جاعلا من الإلهام تحفة شعرية وهكذا، حسب بودلير، يجب أن يمر كل دفق عفوي في نظام مغلق من المهارة الفنية العليا، بينما ويتمَن كان يريد أن يأتي هذا الدفق "شكلا غير مفروض من الخارج، وإنما نام من الداخل" من دون تشذيب. فإن "ما يمس القلب هو أكثر أهمية مما يُمّم شطر الأذن"، كما وضح ويتمن نفسه. لكنه تأسف في نهاية حياته لأنه لم يعر أهمية للأسلوب والتنقيح. وفي الحقيقة أن ويتمن تناول (منذ صدور الطبعة الأولى وحتى أخر لحظة من حياته)، ديوانه صقلا وتنقيحا وحذفا خصوصا لمئات النعوت، وحروف جر كـ"و"، "أو"، وبالأخص كلمة "أقسمُ" المكررة ببغائيا عشرات المرات. بل هناك أبيات كاملة حذفها، وقد انتبه أيضا إلى ركاكة وغباوة بعض العناوين مثل: "قصيدة والت ويتمن، الديمقراطي"، الذي تغير في طبعة 1881 إلى عنوان دقيق ومعبر شعريا عن مضمون القصيدة (التي هي أيضا شهدت تنقيحات جمّة)، "أغنية نفسي". (4)
3- كان بودلير يدعو إلى الفردية في الفن مبينا المسار المتجاور للشر والخير، وكسخرية القدر الإنساني وملابساته التي لامفر منها، وعنوان الفصل الأول من "أزهار الشر": "المثالي والسوداوي" يوحي إلى أن واحدهما يكمل الآخر. إذ ليس هناك عالم مثالي من دون سوداوية مرضية وليس من سوداوية لا تحمل في بذرتها المثالي. أما ويتمَن فكان
![]() |
| الطبعة الأول من أوراق العشب، لم يبرّز أسمه بل صورته |
يمجد الأنا مبينا مجيء الخير من الشر كتأكيد مركزي لحركة العالم نحو المثال الأعلى. ومفهوم "المثالي" لدى ويتمن يتلخص في مفهوم "النظام الديمقراطي"، النور العادل الذي كانت تستنير به تفاؤليته بالوجود الأمريكي.: "لعل الأمريكان، من بين جميع شعوب العالم وفي أي زمن على الأرض، أوفر طبيعة شاعرة. الولايات المتحدة ذاتها، في جوهرها، أعظم قصيدة ففي تاريخ الأرض حتى الآن، بدت أضخمُ الأشياء وأكثرها خَنوعةً طائعةً أمام ضخامتها الأكبر واثارتها الأكثر".
4- إن مفردة "الجديد"، عند بودلير، تنبع من مفهومه الذي اجترحه: الحداثة وهي التعبير الأسمى عن ظهور الفرد المستطرق الذي يتجول في المدينة حيث جمال غريب بل أحيانا مضحكا مثل كاريكاتير ورسوم دوميه وغيس، يتصاعد من الوجوه البشرية، الزحام، الضجيج، الضباب ودخان المداخن المتعاشقين فوق سماء باريس، البولفارات، الغالريات، واجهات المحلات… وباكتشافه للمدينة التي تكاد تشبه مخزن أزياء، يجمد المستطرق، المبدع، لحظة الجمال العابرة هذه في أبدية فنية.
5- "الجديد" عند ويتمن، يتضمن أساسا فكرة العالم الجديد بالمعنى السياسي للكلمة، عالم ديمقراطي عادل وإنساني: "على الشعراء الأمريكان أن يضموا القديم والجديد، لأن أمريكا هي خلاصة الأجناس البشرية". و"أنا" ويتمن غائية إبان جولاتها في مدينة بروكلين ونيويورك. ونظراتها على المدينة تنبع من زاوية رغبات مكبوتة، فويتمن ينظر إلى المدينة من زاوية الرغبة المقموعة، يستطرقها عل "رفيقا" يحقق ما لا يستطيع تحقيقه أخلاقيا علنا، أو "رفاقا" بالمعنى السياسي للكلمة، يحققون دعاويه في المثل الإنسانية. ويمكن القول بعبارة مجازية هو أن القصيدة لدى ويتمَن تحقيق مُـقـَنـّـع لرغبة مكبوتة، بينما هي لدى بودلير رغبة عابرة أختِزنـَت في صندوق الأبد جمالا فنيا.
المدينة لدى بودلير ليست موضوع أفضلية وإنما هي مسرح الحياة الحديثة، بينما ويتمن يريد من المدينة ان توفر له الفرصة للاحتفال بصميمية مع آخر وهمي، ومع هذا أن تبقى هذه الصميمية سرية في أعماقه.
خاتمة:
هذه الاختلافات الجوهرية في السيرة الشخصية وبالتالي في الغرض الشعري لا يمكن أن تنتج إلا أساليبها التعبيرية المناسبة لها، وأشكالها هي. "فالأسلوب يدل على صاحبه" كما يقول سان بوف (5). فلا يمكن المقارنة بين بودلير وويتمن أو محاولة إيجاد تأثير واحد على الآخر. لكن من الطبيعي أن تتوالف رؤيتهما الشعريتان تأثيرا على تيار آخر، أو شاعر آخر فيخلق منهما رؤية واحدة متماسكة وكأنهما من مصدر واحد. وهذا ماحدث في فرنسا: ظهور الرمزية الفرنسية التي جاءت نتيجة تجديدات بودلير وويتمن، إلى حد أنها زرعت فكرة تأثير هذا على ذاك.
فإذا وجد الباحثون والقراء أن هناك تشابها بين رؤى ويتمَن الشعرية ورؤية الرمزيين الفرنسيين في الشعر، فهو تشابه ناتج، قبل كل شيء عن تأثرهما معا وكل على طريقته بما كانت تنطوي افكار هيغو وساند وسان بوف والرومانتيكية الفرنسية من تساؤلات روحانية وغوص في المجهول. كما أن بودلير وويتمَن، وكل وفق منهجه، كانا وراء مبدأ الرمزيين الجمالي المفيد بضرورة استخدام الإيحاء والرمز للتعبير عن نسيج التجربة الحديثة وسرية العالم الروحي.
لو لم يعش بودلير في مدينة باريس القرن التاسع عشر، لما أستطاع، حتى لو عاش في نيويورك أو بروكلين أو أية مدينة أخرى، أن يجترح مفردة "الحداثة" التي غيرت ملامح النص الكوني. هل كان من الممكن أن تولد نظريات فرويد لو لم يعش في فيينا. للمدن الخلاقة التي يفور في أحشائها شتى الأعمال الإبداعية والتجارب الساعية للاتيان بجديد متميز بقطيعة معرفية، تنتظر ساعتها فتضع على جديد أرضها الكائن الذي سيقترن اسمها باسمه مكانا خالدا في الذاكرة الكونية. وأواخر النصف الأول من القرن التاسع عشر، كان لباريس تأريخها الحداثوي: بودلير، مثلما كان للحلم تأويله الأخير: فيينا.
ليست هناك إمكانية تصور
بودلير من دون باريس
باريس من دون بودلير
فرويد من دون فيينا
فيينا من دون فرويد..
إنه مصير المكتوب في رسم حد فاصل بين التفكير الكلاسيكي والكتابة الحديثة.
لكن من السهولة تصور
نيويورك أو بروكلين





