أرتور رامبو: رسالة الرائي 

 

كل الشعر القديم ينتهي إلى الشعر الإغريقي حياة متناسقة. فمن الإغريق حتّى الحركة الرومانتيكية العصور الوسطى كان هناك رجال إنشاء وناظمو شعر. مِن اينوس إلى ثيرولوديس ومن ثيرولوديس إلى كازمير ديلافين (1)، ما من شيء سوى نثر مقفّى، لعبة وانحطاط دبق وتمجيد لا يُحصى لأجيال من الحمقى.

راسين هو النقي القوي، العظيم. فلو محونا قوافيه وبعثرنا اشطر أبياته، لكان هذا الأحمق الإلهي مجهولاً اليوم شأنه شأن سائر كتّاب الأصول (2).

بعد راسين تعفنت اللعبة. ولقد أستمرت ألفي سنة. لا فكاهة ولا مفارقة. ألهمني العقل حقائق لا شك فيها حول هذا الموضوع (مستقبل الشعر) أكثر مما يمكن أن يغضبَ أي عضو من مجموعة “فرنسا الفتاة” (3). ثم إنّ المجددين يمتلكون كل الحق ليبغضوا السلف، فالمرء في بيته ولديه متسع من الوقت. إنّ الرومانتيكية لم يُحكم عليها بطريقة عادلة. ومَن ذا الذي يحكم عليها؟ النقّاد! الرومانتيكيون الذين برهنوا بكل وضوح على أنّ الأغنية نادراً ما تكون العمل، أي الفكر المغنّى والمفهوم من المغنّي نفسه؟

إذن الـ”أنا” هي آخر.

فليس ذنب النحاس، إذا استيقظ بوقاً. وهذا واضح لديّ: أنا أشهد تفتّح فكري: أرقبه، أصغي إليه: وما إن يمسّ قوسي الوتر، حتّى تهتز السمفونيّة في الأعماق، أو تثب وثباً على المسرح.

فلو لم يقتصر اكتشاف الحمقى الهرمين على المعنى الزائف للـ”أنا”، لما كان علينا أن نكنس هذه الملايين من الهياكل العظمية، التي كدّست منذ زمن سحيق نتاجات أذهانها العوراء، متبجّحة بأنّها مؤلِّفة إيّاها.

إنّ الأبيات والقيثارات في الإغريق، كما قلت، هي إيقاع الفعل Action . بعد ذلك أصبحت الموسيقى والقوافي ألعاباً ولهواً. دراسة هذا الماضي تسحر الفضوليين. والكثير يلتذون بإحياء هذه العاديّات: – هذا شأنهم.

كان العقل الكوني يلقي على الدوام أفكارَه بشكل طبيعي. كان الناس يجمعون بعض ثمار الدماغ هذه، فانطلاقاً منها يعملون ومنها يكتبون كتباً: وهكذا استمرت الأمور، الإنسان لا يشتغل على نفسه، ذلك أنه لم يكن قد أستيقظ بعد، ولم يكن قد أوغل تماماً في الحلم الكبير. موظفون، كتّاب: أما المؤلف، المبدع الشاعر، فهذا الإنسان لم يوجد قط!

 

أول ما يدرسه الإنسان الذي يريد أن يكون شاعراً هو أن يعرف نفسه معرفةً كلّية؛ أن يبحث عن نفسه، يتفقدّها، يغويها، يتعلمها. وحالما يعرفها عليه أن يرعاها. وهذا يبدو بسيطاً، ففي كل دماغ يتحقق تطور طبيعي.

هناك أنانيون كثر يسمّون أنفسهم مؤلفين. وآخرون ينتحلون تقدّمهم الفكري. ولكن المسألة هي أن نصنع النفس الوحش: كما يفعل الكومبراجيكوس (4). تصوروا إنساناً يغرس ويزرع الثآليل على وجهه.

 أقول أن على المرء أن يكون رائياً. عليه أن يجعل من نفسه رائياً. فالشاعر يجعل من نفسه رائياً عبر اختلال مدروس طويل هائل لكل الحواس. لكل أشكال الحب، الألم، الجنون. يبحث بنفسه، يستنفد كلّ السموم في نفسه ولا يحتفظ منها إلا بالجوهر. عذابٌ لا يوصف يحتاج فيه إلى كلّ الإيمان، إلى كل القوّة الخارقة، حيث يُصبح بين الجميع، المريض الأكبر، المجرم الأكبر، الملعون الأكبر، والعليم الأسمى، لأنه يدرك المجهول، إذ أنه قد يثقّف نفسه، الغنية من قبل، أكثر من أيّ كان، لأنه يصل إلى المجهول، وعندما، وقد جُنّ، ينتهي إلى ما يعمي بصيرته عن رؤاه، يكون قد رآها. فليمت في وثبته بالأشياء الخارقة التي لا اسم لها! فسوف يأتي عمّال فظيعون آخرون سيبدأون عند الآفاق التي أذعن عندها الآخر.

 

إذن، فالشاعر حقاً سارقُ النار.

 

 

الإنسانية كلّها في عهدته، حتّى الحيوان. عليه أن يجعل اكتشافاته، تُشم وتُحس وتُسمع. فإذا كان الشيء الذي أتى به من هناك له شكل، أعطى شكلاً، وإذا كان بلا شكل، أعطى اللاشكل. المسألة هي أيجاد لغة، وبما أن كل كلام فكرةٌ، فإن زمن اللغة الكونية آتٍ. فليس باستطاعة أحد عدا أكاديمي أكثر موتاً من حيوان متحجر أن ينجز قاموساً مكتملاً لأي لغة كانت. إن أتفق أن تشرع العقول الواهنة في التفكير بالحرف الأوّل للأبجدية، فسرعان ما يصيبها الجنون.

هذه اللغة ستكون خطاب الروح للروح، مستوفيةً كلّ شيء، العطور، الأصوات، الألوان، لغة فكرٍ يتشبّث بفكر ويسحبه. يحدد الشاعر كمية المجهول التي تنهض في زمنه، في النفس الكونية. سيعطي أكثر من صيغة فكره، أكثر من كتابة مسيرته نحو التقدّم. فظاعة أصبحت قاعدة يتشربها الجميع. سيكون الشاعر حقّاً مضاعف التقدّم!

سيكون هذا المستقبل مادياً، كما ترى. وهذه القصائد المليئة دوماً بالعدد والتناسق، سوف تُكتب لتبقى. وفي الواقع، إنّها ستكون شعراً إغريقياً، بشكل ما (5).

سيجد هذا الفن الخالد وظائفه، إذ أنّ الشعراء مواطنون. لن يكون الشعر إيقاع فعل، إنّما سيستبقه.

هؤلاء الشعراء سيولدون. وعندما تنتهي عبودية المرأة المطلقة، وحينما تكون المرأة قادرةً على أن تعيش لذاتها وبذاتها، وعندما تنال حرّيتها من الرجل البغيض لحد الآن سوف تكون شاعرةً هي الأخرى.؟ ولسوف تكتشف المجهول، فهل تكون عوالمُ أفكارها مختلفةً عن عوالم أفكارنا؟ سوف تكتشف أشياء غريبة، لا يمكن سبر غورها، أشياء مرعبة وشهيّة، أشياء سوف نتبناها، سوف نفهمها.

 

 

ترجمة محمد شعيرات

 

 

 

هوامش:

 

1- اينوس شاعر وفيلسوف لاتيني من القرن الثاني. ثيرولودس شاعر فرنسي ظل امينا للشكل الكلاسيكي. كازمير شاعر فرنسي غنائي من العصور الوسطى.

2- اشارة الى كتب “الأصول” التي ظهرت آنذاك مثل “أصل الأنواع” لداروين، “أصول فرنسا المعاصرة” لتين و”أصول الحقوق الفرنسية” لكاتب مجهول.

3- مجلة أدبية كان يشرف عليها جيرار نيرفال.

4- نشر فكتور هيغو في 1869 رواية مذهلة عنوانها “الرجل الذي يضحك” ظهر فيها هؤلاء الكمبراجيكوس  Comprachicos  : “يتاجر الكمبراجيكوس بالأطفال. يشترونهم، ويبيعونهم ولا يخفون هذا أبدا. ن سرقة الأطفال لصناعة أخرى. وماذا يفعلون بهؤلاء الأطفال؟ يحولونهم الى وحوش! لماذا إلى وحوش؟ للاضحاك”. وفي مكان آخر من نفس الرواية: “وقد نجح بعض زوار هذا الزمن بمحو الصورة الربانية من الوجه الإنساني”. وهنا لب مشروع رامبو، ذلك أن وسواس هذه الامارة الربانية على جبهته، وهذا الشعور بالخير والشر هو الذي أراد رامبو تدميره. بقي أن نذكر أن كلمة Comprachicos تعني بالاسبانية شراء الأطفال.

5- واضح أن رامبو لصياغة هذه الرسالة يكون قد قرأ افلاطون وبالذات الفقرة التالية حتى يمكنه أن يقول: “ستكون شعرا يونانيا بشكل ما”: “ومن هؤلاء الأشخاص الملهمين تتعلق سلسلة من الأشخاص الآخرين الذين يتلقون الإلهام. ذلك أن كل الشعراء المجيدين، سواء أكانوا من شعراء الملاحم أم من الشعراء الغنائيين، لا يؤلفون قصائدهم الجميلة بالفن ولكن يؤلفونها أنهم ملهموم ومجذوبون. وكما أن راقصات (كوريبانت) حين يرقصن إنما يرقصن وهن في غير وعيهن، كذلك الشعراء الغنائيون لا يملكون وعيهم وهم ينشئون أغانيهم الجميلة، بل تسيطر عليهم الموسيقى والوزن فيوحى إليهم وينجذبون، كعذارى باخوس اللائي ينهلن اللبنَ والشهد من الأنهار وهن تحت تأثير ديزنيوس لا وهن في كامل وعيهن. وهذا نفس ما تفعله روح الشاعر الغنائي، كما يقول الشعراء الغنائيون انفسهم؛ فهم ينبوننا بأنهم يأتون بالأغاني من نوافير الشهد، وأنهم يقطفونها من حدائق ربات الشعر ومن وديانها، وهم كالنحل يطيرون من زهرة إلى زهرة. وهذا صحيح، فالشاعر كائن لطيف مجنح مقدس، وهو لا يقدر على الابتكار حتى يوحى إليه ويغيب عن وعيه ولا يبقى فيه رشد: فإذا لم يبلغ هذه الحالة، فهو بغير حول وهو عاجز عن التفوّه بنبوءاته” (انظر: “نصوص النقد الأدبي: اليونان” تأليف الدكتور لويس عوض، الجزء الأول دار المعارف بمصر 1965.

أرسل تعليقا

You must be logged in to post a comment.