الأرشيف اليومي : أبريل 2nd, 2007

في الكتابة / ما بين السطور

عبدالقادر الجنابي

إن كل النضال الذي مارسه ويمارسه البشر عبر التاريخ، ما هو إلا نضال الكلام. فبقدر ما يحرر الإنسان نفسه مما يرزح تحت سطوته، يوسع الإنسان حدود لغته التي هي “حدود عالمه” (فتغنشتاين). وها أنّ اطلاق سراح إنسان من سجن عيني أو ذهني، ما هي إلا فك عقدة اللسان؛ حق الكلام.

***
مجتمع سياسته الاضطهاد يفسح، بالضرورة، المجال لظهور تقنية كتابية جديدة تُعرف بالـ”كتابة ما بين السطور”. أي أن الكاتب الذي يريد إيصال أفكاره المشككة بأفكار السلطة الحاكمة اضطهادا، دون أن يجازف برقبته، عليه أن يقول أن “عمر” هو “زيد”. على أنه، ما بين السطور، يذكّر وعلى نحو دائم، الذين يوجه رسالتَه إليهم بأن

اقرأ أيضا:

للصحراء أبوابُها الموصَدة

إلى أي عصر ينبغي أن نميل لكي نرى أنفسنا؟

القصيدة وهواجسها

تقاسيم رقميّة

العنوان زمن القصيدة

 

“عمر” ليس بـ”زيد”. وهكذا يُسلل الفكرة المقصودة إلى الداخل. وهو يدرك تمام الادراك أن هناك قراء أذكياء يعرفون كيف يتم لهم اغتصاب هذه المتسللة؛ العارية من كل تواطؤ، ليستولدوها معنى مرادا. عندها ينفتح أفق جديد في مخيلتهم المستعدة لكل طارئ رقابوي يتهدد حياتهم، دون أية وشاية بالكاتب. وها أن ما رمى إليه الكاتب قد أنجز بلا ضجيج إعلامي او مواجهة قد تكون وخيمة العواقب وهذا لايعني ثمة تفضيل كتابة مغلقة على مواجهة مفتوحة. فيُبرّر سكوت معظم الكتاب على ما يجري وما سيجري في واقع الحياة اليومية، بسائق أنهم كتّاب “ما بين السطور”. الكتابة مواجهة مفتوحة مع الواقع في لحظة تخليها عن ادعائها رصد الواقع. إذ ما يخيف السلطة هو الانفلات وما لا يدخل ضمن تسمية. وما إن تُمارس الرقابة عليها، حتى تصبح الكتابة وكأنها هي التمرد عينه… مثلما “الفضيحة تبدأ حين تأتي الشرطة لايقافها” كما يقول كارل كراوس.
ملابسات “الكتابة” هذه وضحها باسهاب مؤرخ أفكار ألماني هاجر إلى أمريكا اثر صعود النازية، وبقي هناك حتى وافاه الأجل سنة 1973. اسمه ليو شتراوس، في مقالته الشهيرة “الاضطهاد وفن الكتابة” (ستنشر إيلاف قريبا ترجمة عربية لها).
كمؤرخ يتوخى الأمانة في تحليل تآليف ومواقف كتّاب الماضي، يقترح شتراوس عدة عوامل يجب أن توجد لكي تؤهل المؤرخ أن يقول أن فلان بن فلان الذي اضطُهد في احد القرون الغابرة، كان هذا الفلان قد أتخذ “الكتابة بين السطور” أسلوبا يُشيع بواسطته أفكاره المعارضة للحكم السائد. من هذه العوامل:
1- أن تُدرَس حقبة الكاتب المقصود دراسته من وجهة نظر الحقبة ذاتها لا من وجهة نظر حقبة بعيدة عنها.
2- أن يُطالَب المؤرخ بأدلة كافية تثبت أن الفلان بن الفلان كان، حقا، يؤمن أن “عمر” ليس بـ”زيد”.
3- أن يُفسَّر الكاتب المقصود دراسته من وجهة نظره هو، لا من وجهة نظر كاتب آخر، كما يجب تجنب ما يؤدي اليه التفسير من نتائج.

وبانتفاء هذه العوامل وغيرها، تصير أقوال المؤرخ مجرد اسقاطات حاضرة على الماضي وتأويلات مُبالغ فيها. الكتاب المضطهَدون الذين تناولهم شتراوس في تحليله، هم من عصور لاتنتمي إلى عصرنا، وتكاد تُسمّى بالعصور الوسطى حيث الحياة ترزح تحت سطوة الشرع وشورى رجال الدين.

***
في الغرب المعاصر المُسيَّر بقوانين مدنية يحتمي بها المواطنون والأفكار، الاضطهاد تغيّرت ملامحُه. وبهذا يكون مفهوم الكتابة ذاته قد تغيّر. إذ في الغرب المعاصر، استردّت الكتابة أنفاسها وعادت إلى موطنها الحقيقي: اللغة، أي استقصاء روح العالم بعيدا عن فرضيات المقدس والحقيقة الثابتة؛ نازعةً مرة وإلى الأبد الفقه عن روح الكلام….
الكتابة، في هذا الغرب، حتى عندما تكون مجرد سرد للتسلية، هي وخز ضمير المجتمع مبينة له إلى أي مدى يحقق الحرية ولا يحققها. ذلك لأنها تحررت من عقدة خوف الكتّاب ولم تعد وسيلة للعاجزين عن مواجهة النظام علنا ولا راسبا لغويا أو ألفاظا جريحة يتفوّه بها كتّاب التواطؤ مع النظام كما في بلدانـ”نا”… الكتابة في المجتمعات المتحررة من وحي الرسالة، لاتخدع القارئ بوعود حتى لو كانت وعود حرية. وهي نقيض كل كتابة “نبوية… إنها كتابة عينية، متمهلة ومتأملة حد أنها باتت تبدو كما لو أنها بلا مفعول، أو كما لو أنها أحتويت باشاعة ديمقراطية “زائفة” للآراء حيث يتوهم مرضى السياسة أن الدولة نفسها أخذت تخترع، كل يوم، وسائل جديدة تمكن الكاتب والسياسي معا، من إشاعة أفكارهما دون أن يتعرضا للاضطهاد.

***
لكل حقبة تاريخية كتابةٌ/ لغةٌ تنطوي على مطاليب عصرها الاجتماعية، مهما كانت هذه الكتابة / اللغة  هرمسية، غامضة، أو خالية من أية إشارة واضحة. لأن عصرها حتّمها كتابةً يتركز الجهد الكتابي فيها على رغبة شديدة لتحقيق ما هو فوري وفعال، فيغيب المستقبلي الكامن فيها، الشعري، الـ”مجرد لغة”، فترة قد تطول او تقصر، حتى تظهر وكأن ذالك الجهد الكتابي لتحقيق قضايا إجتماعية، لم يكن يهدف سوى تحقيق الشعري، الـ”مجرد لغة”؛ المستقبلي الكامن فيه.
قصيدة أندريه بروتون، مثلا، “Union libre” (“المعاشرة بلا زواج”) التي كتبها بروتون لغرض آني محدد: هو الدعوة إلى الاتحاد الحر بين المرأة والرجل ( المسافحة)، والحرية الجنسية، ويتضمن هذا الدفاع عن حقوق المرأة الفرنسية التي كان لايحق لها حتى أن تصوت في الانتخابات. وقصيدة بروتون كانت واحدة من عدة قصائد كتبت لهذا الغرض من منظور سوريالي، لكي تنشر كلها في مطبوع سري في بلجيكا. اليوم من يقرأ “زوجتي” لايقيمها كقصيدة دعوة للتحرر الجنسي وإنما كقصيدة تطرح مفهوما شعريا جديد وتفتح آفاقا صورية تتعلق بمفهوم الكتابة الشعرية أكثر مما بمسألة حرية المرأة أو الجنس، وإن هي لاتزال كذلك. موت معنى؛ ولادة آخر. الكتابة دائما للمرة الأولى.

***
إنَ تاريخ المجتمع – الكتابة قد علمنا أن كل حقبة من حقبه لها كتّابها الحقيقيون الذين يحبلون اللغة وقارئون همهم الوحيد هو اغتصاب النص لإيلاد معنى ما يكمن فيه اختصاب الحياة. إذن لكل مجتمع تاريخه، أي قوانين اضطهاده. بعبارة أخرى، لكل مجتمع فن كتابته. وعند فهم اللعبة الاجتماعية، لايكون أمام الكاتب سوى أن يدخل شاتما دون أن يشتم.

***
الكتابة هي هي وليست عن. انها ظل كل ما هو غائب. وبما أن الشمس لاتغيب حقا وليس هناك فردوس واحد بل فراديس، ليس أمام الكتابة إذا سوى السخرية من الأمل بنحو يثير فينا راديكالية اليأس المصنوعة منه كلمة التاريخ: لامفر. إنها لحظة تحرر من المعيوش وإحباط جميع الحسابات. الكتابة فضح وإفشاء. لكن… لا يمكن الفضح دون لغة الفضح ولغة الفضح لغة تستهزئ بكل مفردات الفضح السائد.

***
الكتابة، نحو الأحياء المطلق، عليها أن تكون حرّة أو لا تكون. إنها نقيض الكذابة (العربية بامتياز). إنها الصمت الناطق، عندما لايعود صمت الاحتجاج سكوتا. فاعليتها تكون امضى من النصل إذا ما افضت، بحكم استقلاليتها، إلى الإيقاع بكل ما يحول دون حمل التناقضات إلى الذروة. “الأشياء من أجل أن تبقى يجب أن تتحرك. ومتى وقفت عن الحركة فسدت وبطل نظامها” (اخوان الصفا).

اطرق بقوّة، فالحياة العربية صمّاء!

 

يتخلل هذا المقال مقاطع عديدة مأخوذة من بيانات “الرغبة الإباحية” في أواخر سبعينات القرن العشرين عندما كان هناك هواء صحّي، شمس في الرأس ولعشرين بالمئة من العرب استعداد نبيل للدفاع عن قضية الكلام؛ الإنسان.

نداء من قرن بعيد إلى شعوب اليوم الغبية

عبدالقادر الجنابي

في نهاية سبعينات القرن العشرين، وفي قمة العودة إلى أفكار الماضي الراديكالية لمواجهة الافلاس الماركسي الأرذوكسي، أنتهج عدد من الراديكاليين الماركسيين الغربيين، الجدد آنذاك، خطا تحليليا جديدا خصوصا في قضية “السيطرة ” و”العبودية” وعلاقة الجماهير النفسية بهما. فمثلا تصاعد الاهتمام بدراسات ولهلم رايش، حول السايكولوجيا الجماهيرية للفاشية واستغلالها من قبل طغاة وقادة أحزاب… وسُلط الضوء على دراسات مدرسة فرانكفورت حول الشخصية السلطوية… الخ. وفي هذا البحث الثوري في مستودع الأفكار الجذرية، أعيد نشر أخطر خطاب في مسألة العبودية الطوعية أي إرادة العبودية والرغبة في أن تُستعبد، كتبه في منتصف القرن السادس عشر، الصديق الحميم لمونتاين: ايتيَن لابويسي.
كان هذا بالنسبة إلي اكتشافا كبيرا ساعدني على تعميق حاسة التكاسل أمام حتى المهمات السلطوية الطابع التي كانت تمليها علينا الأفكار التي كنا نؤمن بها؛ حاسة اللاخدمة لأية إيديولوجية أو قائد أو حزب… بحيث عندما اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، لم استطع سوى اصدار بيان جاء فيها: ”لا أختار بين الكوليرا ومرض السرطان”!…  وقمت بترجمة مقطع من هذا الكتاب (نشرته في العدد الأول من “النقطة” المجلة التي كنت أصدرها عام 1982)… خصوصا المقطع الإستخلاصي لجوهر فكرته وهي أن مسألة التحرر لاتكمن إلا في إرادة التحرر من الطغيان، فالطغيان لا يسود إلا برضى الشعب. وما إن تكون للشعب إرادة اللاخضوع ورغبة اضراب أبدي عن العمل في خدمة الطاغية، حتى يسقط الطغيان وينتهي.

أعادني مقال الزميلة صافيناز كاظم ” أم كلثوم: هل نسائلها عن مرض حب الطغاة؟”، رغم انه لايصب في نفس النهر، إلى تلك السنوات؛ سنوات الحدة والذكاء والنوم بين احجار نظرية هدم المعطى ونتائجها المرسومة في أفق بعيد

، مما اضطرني إلى أن أعيد، اليوم، نشر المقطع من كتاب ايتيان لابويسي، ليتعرف قراء إيلاف على هذا المفكر ويبحث عن كتابه الذي سمعت أن ترجمة عربية صدرت في القاهرة قبل ست او سبع سنوات قام بها الدكتور مصطفى صفوان:

“أيها المساكين التعساء، أيتها الشعوب الغبية، أيتها الأمم البائسة بمحض إرادتها، العمياء عن خيرها، تتركون ارقى عائداتكم تُسلب أمامكم، حقولكم تُنهب، منازلكم تُسرق، وتُفرغ اثاثها القديم؛ التركة الأبوية. انكم تعيشون على نحو لا تستطيعون معه القول إنكم تملكون شيئا، يبدو الآن لفرح عظيم لكم انكم لا تمسكون سوى نصف أملاككم وعائلاتكم وحياتكم. وكل هذا الضرر، هذا البؤس، هذا الخراب، لايأتيكم من أعداء، إنما من عدو واحد، هو هذا الذي تكبّرونه إلى حد الذهاب من أجله إلى الحرب بشجاعة باسلة، الذي لا تأبون أن تقدموا أنفسكم إلى الموت من أجل عظمته.. إنّ هذا الذي يحكمكم إلى هذا الحد، ليس لديه سوى عينين اثنتين، يدين اثنتين، جسم واحد، أي ليس لديه سوى ما لأحقر فرد من سِمان مدنكم التي لا تحصى. إلا أن ما يميّزه عنكم هو الامتياز الذي تمنحونه غرض تدميركم.
من أين حصل على كل هذه العيون التي يتجسس بها عليكم، إن لم تعطوه إياها بنفسكم؟ كيف يكون له كل هذه الأيدي لضربكم، إن لم يأخذها منكم؟ من أين له هذه الأقدام التي يسحق بها مدنكم، إن لم تكن تلك الأقدام أقدامكم؟ كيف يمكنه التسلط عليكم إن لم يكن ذلك التسلط تم بواسطتكم؟ كيف يجرؤ الحمل عليكم، إن لم يكن بالتنسيق معكم؟ ماذا يستطيع أن يفعل إن لم تكونوا متواطئين مع السارق الذي ينهبكم، شركاءً في جريمة المجرم الذي يقتلكم وخونة َ أنفسكم؟ تزرعون ثماركم لكي يتلفها. تفرشون وتملأون منازلكم لتغذية سرقاته، تغذ ّون بناتكم لكي يجد لذ ّته التي يسكر بها، تربّون أطفالكم لكي يسوقهم في حروبه التي هي أفضلُ ما يقدمه لهم، لكي يسوقهم إلى المجزرة، لكي يجعلهم وزراءَ مطامعه، ومنفـّذي ثأره. إنكم تحطمون أنفسكم بجهدهم، لكي يتنعم هو بملذ ّاته. تضعفون أنفسكم لكي تجعلوه أقوى وأصلبَ، للجمكم. على أنه يمكنكم التخلص من كل هذه التحقيرات التي ترفضها حتى البهائم ولا تتحملها، إذا ما حاولتم، لا التخلص منها، بل إرادة ذلك.
صمموا فقط على الكف عن تلبية أوامره وها أنتم أحرار. لا أقصد أن تدفعوا به أو أن تزحزحوه، إنما كفّوا فقط عن دعمه وسترونه يهوى ويتكسر بحكم ثقله كتمثال عملاقٍ أُزيحَت قاعدته”.

مجلة “النقطة” العدد ألأول 1982

حوارات سوريالية مع أدونيس، سعدي يوسف ومحموددرويش

 

عبدالقادر الجنابي

ألعاب سوريالية (3)

 تطبيقات عربية لللعبة السوريالية الغربية أولا وأخيرا

أجراها عبدالقادر الجنابي: في عز ربيع عام 1991، التقيت بأدونيس في مقهى في حي سان جيرمان، بعد فترة طويلة من القطيعة معه دامت أكثر من عشر سنوات… ولعلم القارئ لم تدم الهدنة أكثر من شهرين… فدخلنا في قطيعة أخرى إلى اليوم. في ذلك اللقاء اقترحت عليه هذه اللعبة ففرح بلعبها ولم يكن له علم بها. شرحت له بأني سأسأله أسئلة غيب أي لا يعرف لبها وإنما فقط أدوات لمعرفة صياغة الجواب: “متى..”، “لماذا…”، “ما هو… “، “ما هي…”، “هذا الذي…”، “هل لــ…” الخ. فمثلا السؤال (13) كان على الشكل التالي: “هذا الذي يقلل من…”، طلبت منه أن يجيب بـ” لن…” أو “السؤال العاشر: “متى تشعر بأنك في حاجة إلى…”، وعليه أن يبدأ بجوابه بـ”عندما….”. واعلمته بإن منطق اللعبة هو أن يبقى الجواب كما هو حتى لو كان مؤذيا أو غير ملائم. فجمالية اللعبة تكمن في الصدفة التي تنتج أحيانا مقاربة شعرية لا يستطيع العقل الواعي أو اللاواعي من انتاجها…. لكن للأسف، ذلك أن أدونيس ما إن رأى هذا الحوار اللعبوي منشورا في فراديس العدد الثاني (1991)، حتى راح بعد أسابيع، يقلدها مع نفسه وعلى نحو واع، في جريدة “الحياة” جاهلا أن صدمة التطابق بين السؤال والجواب لهو ناتج عن اللاعلم بمضمون السؤال، مما يقع على عاتق الصدفة إنتاج شرارة الذكاء الشعرية… فهي التي تجعل أحيانا من جواب وكأن واضع هذا الجواب على علم بالسؤال وقد فكر مليا قبل أن يجيب…

زرتُ محمود درويش في شقته الباريسية مساء السبت المصادف 16 تموز 1995، بعد أن قدم لي بيرة، طلبت منه أن يأتي بورقة وقلم وعليه أن يكتب جوابا ما إن أطرح عليه سؤالا ناقصا: “من هو…؟” لم يفهم محمود: “هو مَن…؟” قلت له “ستعرف الكلمة التي أكتمها عنك بعد أن تكتب الجواب. وهكذا انهالت أسئلتي عليه: “من هو…؟”، “ما هي…؟”، “ما هو…؟” الخ. طفق محمود  يكتب جوابا اثر جواب، كابحا “ملكته النقدية، مُحررا خفة ذهنية المجازية”، على حد عبارة بروتون. والصدفة جعلت من محمود درويش أن يرتقي سدرة التعريف الدقيق لمفردة “الموت؟”: “نرجس لا يجد ماء لصورته”. آه لكم دقيق هذا التعريف خصوصا عندما نتذكر أن مصاصي الدماء (أي الموتى الذين يستيقظون عند حلول الظلام وهم جد منتشرين في العالم العربي) ليس لهم انعكاس في المرآة. ويستطيع أي منا إذا انتابه شك في شخص ما أن يأتي بمرآة ليتأكد من أمره: إن كان له انعكاس فهو كائن بشري حي وأن لم يكن له انعكاس فإنه جثمان يعيش ليلا على دماء الآخرين.

أما سعدي يوسف فبالنسبة إليه يبقى الأمر مجرد لعب ولا يشعر بأية صدمة “من خفة ذهنية المجاز”، فهو شيوعي القصيدة الأخير، ملتصق بأوزانه الواقعية، وما هذه اللعبة سوى تسلية لا يأبه حتى بالصدفة التي جعلت من إجابة عفوية له أفضل تعريف له خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار مواقفه السياسية اليوم:
عبدالقادر الجنابي: من هو سعدي يوسف؟
سعدي يوسف: ديكٌ لغير يوم القيامة.

والآن هنا نص الحوارات الثلاثة التي سبق أن نشرت في مجلة “فراديس”: الأول والثاني في العدد الثاني  (1991)، والثالث مع محمود درويش، في (العدد العاشر 1995).

انظر الحلقة

الأولى

والثانية

الحوار الأول مع أدونيس:

ماهي اليقظة؟
أدونيس: ثوب نصفُ ممزّق.

ما هو التاريخ؟
أدونيس: راية مُـنكـّسة.

ما هي الحداثة.
أدونيس: ريحٌ تحاول أن تنام، ولا تستطيع.

ما هو الشِعر؟
أدونيس: معنىً هو كذلك لاصورة له.

ما هي النبوّة؟
أدونيس: ربّما.. ربّما… إنّها نافذة، وكأن للنافذة يدين وقدمين.

ما هي القصيدة.
أدونيس: نبتةٌ سيرك – حول السـُرة.

هل لمجلة مواقف رسالة؟
أدونيس: لا

لماذا؟
أدونيس: لأن الكلمة هي أيضا امرأة.

لماذا تكتب؟
أدونيس: حتى تقدر الشمس أن تجلس على كرسيّ الغبار..

مرّة أخرى ما هي الحداثة؟
أدونيس: كيانٌ غير مذكّر وغير مؤنـّث.

متى تشعر بأنك في حاجة إلى كتابة قصيدة؟
أدونيس: عندما تتلاقى يدانا: الريحُ وأنا.

ما هو القارئ؟
أدونيس: آلةٌ لخياطة الأحلام.

في ظل الظروف الراهنة/ ما ذا يجب على الشاعر القيام به؟
أدونيس: عليه أن يجهل نفسه.

هذا الذي يقلل من شأن قصيدة النثر؟
أدونيس: لن يقدر أن يسير إلى أبعد.

من هو النفري؟
أدونيس: لا أحب أن أعرف.

 

****

الحوار الثاني مع سعدي يوسف:

ما هو النوم؟
سعدي يوسف: نباتٌ لم يجد أرضَهُ بَـعْدُ.

ما هو التاريخ؟
سعدي يوسف: السماء وطيئة والأرض عاليةٌ

ما هو الشعر؟
سعدي يوسف: أحذية الطائر الخفيفة.

ما هي الحداثة؟
سعدي يوسف: اقترابٌ غيرُ مجدٍ

ما هو القلم؟
سعدي يوسف: حمارٌ ذو قلادتين.

ما هي القصيدة؟
سعدي يوسف: الطائر بلا فضاء.

هل للقصيدة رسالة؟
سعدي يوسف: لا

لماذا؟
سعدي يوسف: لأن العشبَ أبقى من الشجرة.

لماذا تكتب؟
سعدي يوسف: لأن الدرب طويل.

متى تشعر بأنك في حاجة إلى كتابة قصيدة؟
سعدي يوسف: عندما (أشعر أنه يجب أن) نقرأ كتابا واحدا ست مرات بدلا من أن نقرأ ستة كتب مرة واحدة.

ما هو القارئ؟
سعدي يوسف: مخلوقٌ عحيبٌ لم يجد قدمين بَعدُ.

مرة أخرى، ما هي القصيدة؟
سعدي يوسف: حيوانٌ لن يحظى بمجد الحمار.

هذا الذي يقلل من شأن الشعر؟
سعدي يوسف: لن يسكن سوى حارته المتخلفة.

في ظل الظروف الراهنة، مالذي يجب على الشاعر القيام به؟
سعدي يوسف: أن ينيك (هذا) الفقيرُ الصوفيُّ كل الحكـّام العرب.

من هو سعدي يوسف؟
سعدي يوسف: ديكٌ لغير يوم القيامة.

 

 ****

الحوار الثالث مع محمود درويش:

لنبدأ أولا بـ من هو
بدر شاكر السيّـاب؟
محمود درويش: كأس مليئة بالفراغ الملوّن.

خليل حاوي؟
محمود درويش: صورة تنتقم من أصلها.

أدونيس؟
محمود درويش: معنى يبحث عن عبارة.

يوسف الخال؟
محمود درويش: لايعنيني.

سركون بولص؟
محمود درويش: تلهث خلفه القصيدة وهو لايعلم.

حسن نجمي؟
محمود درويش: يعرف كيف يُرقـّص الهباء.

سعدي يوسف؟
محمود درويش: يوثـّق ما يغيب عن الشعر.

أنسي الحاج؟
محمود درويش: حطاب في مسرح بلا جمهور.

عباس بيضون؟
محمود درويش: يعرف ما الشعر ولا يبلغ القصيدة.

ما هي القصيدة؟
محمود درويش: غيمة على برج.

من هو القارئ؟
محمود درويش: ضابط بحرية في استعراض عسكري.

إلى أين الشعر العربي الجديد؟
محمود درويش: إلى متحف مغلق في النهار.

ما هي بيروت؟
محمود درويش: كتابة جالسة على محطة الباص.

ما هو الموت؟
محمود درويش: نرجس لا يجد ماء لصورته.

ما هي باريس؟
محمود درويش: تلك التي لا تحبّ زوجها.

ما هي المرأة؟
محمود درويش: استعارة.

ما هو المستقبل؟
محمود درويش: عكس الشعر.

ما هي فلسطين؟
محمود درويش: طاولة من زجاج.

ما هي الرواية؟
محمود درويش: رسالة سأكتبها عما قليل.

ما هي هذه اللعبة السوريالية؟
محمود درويش: مكالمة هاتفية في ساعة الضجر.

هل شتيمة الشيخ زايد تلاحق سعدي يوسف في القاهرة

 

عبدالقادر الجنابي


علمت إيلاف من مصدر جد مقرب من لجنة ملتقى القاهرة الشعري (فضل ان لايعطي اسمه)، بأن الأغلبية كانت تريد اعطاء جائزة القاهرة للإبداع الشعرى إلى سعدي يوسف بصفته شاعرا عراقيا وقف ضد الاحتلال وكتب عشرات القصائد التي تتماشى وموقف المشرفين على ملتقى القاهرة الشعري من الغزو الأميركي ومن الحكومة العراقية الراهنة، وسبب آخر هو انه اصبحت موضة سيئة أن يأخذها درويش أو أدونيس كل مرة. غير أن التغيير حدث لسبب آخر. إذ، حسب المصدر، يبدو أن المشرفين وأصحاب القرار تذكروا أن هناك ”فيتو” حول سعدي يوسف: لإنه تحدث بسوء عن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، لذا أي تخاذل في اتخاذ هذا القرار سيؤثر مستقبلا على الأدباء المصريين في الحصول على جائزة عويس. ويقال أن اللجنة المشرفة احتارت فعلا بين قرار له عواقب وخيمة، وموضوعية، قد تكون لها عواقب من نوع آخر، في اعطاء الجائزة لسعدي يوسف… وفي نهاية الأمر، لم يكن امامها سوى الخضوع  لواقع أمر سياسي في العمق….  فقررت اعطاء الجائزة لمحمود درويش الذي هو نفسه ارتبك عند تسلمه الجائزة مما اخذ يتهرب بلغة حرباوية ومتواضعة كاذبة، قائلا: “لا تنقصني النباهة لكي أعرف أن المصادفة السعيدة وحدها هي التي اختارتني لهذا التكريم. كثير من الشعراء يستحقون الجائزة قبلي. وأنا إذا قبلتها، فإنني أقبلها نيابة عنهم. أنا لست إلا امتداداً لهم. تعلمت منهم جميعاً، أكثر من حرف وأكثر من سطر. فالشاعر الذي يعتقد أنه الكاتب الوحيد لقصيدته خاطئ، الشعر كتابة على كتابة والشاعر فقط هو الذي يوقّع اسمه على النص الذي كتبه آلاف الشعراء قبله». رغم هذا الانشاء التبريري، هناك حقيقة ثابتة ولها دلالة كبيرة درويش نفسه يعترف بها وهي أنه خرج من معطف سعدي يوسف… وأن درويش لن يتجاوز شعرية سعدي يوسف الخمسينية. حقيقة مرة ويجب أن تجد الناقد النبيل الذكي ليشرحها لنا، رغم أنف كل “النقاد”  المدفوعين رواتب شهرية لمدح شاعر لا علاقة له بالظل.

ويقال أن سعدي يوسف عندما علم سرا بالأمر، قد هرب معترضا: “كأنّنا في حلبة سباق للخيول… لا تنافس على الجمال. كان ينبغي أن تُقدَّم الجائزة بعد نوع من البحث ووفق معايير معينة وتُعلن قبل المؤتمر بفترة كافية، وتُسلّم وقت انعقاد المؤتمر”. وهذا يعني أن سعدي يوسف ذهب الى القاهرة واثقا انه سيحصل على الجائزة، لكنه لم يدرك أن ماضيه يلاحقه، وأن جل الثقافة العربية خاضعة لأوامر لا علاقة لها بالثقافة… وانما بالخضوع المطلق لقرارات سياسية محضة. وحسب احد الذين رافقوا سعدي في مقهى بعيدا عن المهرجان، كان سعدي يوسف جد حزين ومتألم وحاول ان يخفي ألمه بالضحك وباحتقار غير صادق للجائزة… بل وفق هذا الشخص الذي رافقه، إن سعدي يعيش الآن في حالة انهيار كاملة.

آه كم أبكيك الآن يا سعدي! لكن أعرف أنك ستتصاغر بجعل سارق جائزتك شاعرا نبيلا وصديقا الى آخر لحس الالية على الطريقة العراقية! كم كنت أتمنى أن تبصق بوجه كل هؤلاء “العرب” الذين ليست لهم الرؤيا الشعرية التي كانت عندك وضاعت بسببهم. آه يا سعدي، يا أبا حيدر!

هذه هي قصة احدى جوائز العرب الوسخة والبائسة (17 الف دولار) *… كلها حسابات ومؤامرات (يقال أن أدونيس بكى لأنهم لم يدعوه) يعتاش عليها شعراء فرضوا انفسهم بسبب الأوضاع المزرية. لو كان هناك مجتمع إنساني وحر وديمقراطي يستطيع فعلا أن يعبر فيه أي شخص عن رأيه، دون أن ينام مرتعدا، لأكتشفنا ان مجتمعنا لا يوجد فيه شاعر واحد له كرامة إنسانية وبالتالي له عمل شعري حقيقي كأي شاعر مشهور في سائر القارات… لا نملك سوى شعراء جياع يقتاتون على جثة شعراء آخرين أكثر جوعا منهم.. وعلى نقاد ضحلين يكتبون وفقا لرواتب يتسلمونها من تينك المنظمات التي عملت من “ناظمي” حماسة الرعاع شعراء “كبار”…. لكنهم كبار في مجتمع من العبيد والصغار.

هل استطاع درويش أن يقول كلمة واحدة حول ما يدور في غزة، أو في القاهرة حيث هجمة الإسلاميين على كل ما هو آخر في أقصى درجاته. هل كان يحصل على هذه الجائزة البائسة لو نطق كلمة واحدة في…..

بينما سعدي يوسف، الشيوعي الأخير فعلا، تصور أنه إذا كتب قصائد ضد الغزو الأمريكي، على عكس ما كتبه من مدح للهجوم الأمريكي عام 1991، قد ينالها..

*هناك جائزة في باريس لأفضل كناس قيمتها 20 الف يورو.

عراقيون من هذا الزمان

عبدالقادر الجنابي

بعيدا عن كثب (4)

 

مساء آخرُ جميل أقضيه على شرفتي بارتياح لم أعهده كثيرا… ربما بسبب البيرة التي اشتريتها قبل يومين: بيرة بلجيكية غامقة اسمها: الموت الفجائي (La mort subite) ما ألذها!.. شربت منها في هذا المساء كثيرا.. فكرت أن أكتب قصيدة:

غيمة سقطت من السماء
على قرية تعيش خارج الليل!

صورة عادية… رميت القلم جانبا، وعوضا، أخذت أتأمل هذا الهدوء المتسلل إلي. استغربته: كيف يمكن وثمة طنين ذباب سمعه الجميع. آه! كم تغيرتُ… كم من مساء جميل ونهار رائق ضيعت في شبابي بسبب هذه الذبابة وتلك. هنا عرفت سبب هذا الارتياح والهدوء ومتعة الشرب والتنحي بعيدا. تذكرت بودلير ولا جدوى الشرح: إن الذي يريد أن يفهمك سيفهمك من دون أي شرح، وهذا الذي لا يريد أن يفهمك لن يفهمك حتى لو كتبت له مجلدات من الشروح! لكن مع هذا أود أن أكتب تقاسيم منفردة في هذه الشخصية العراقية المنشطرة حالات ازدواج متناوب في كل من الشخصية والوعي.. وهذا هو عين مرض الهذاء العصابي…

عندما سقط نظام صدام، تفاءلت، هذا صحيح، كمثل عدد من أصدقائي. شعرت أن هذه الحرب التي اسقطت كابوسا كبيرا، اعطت الفرصة للمثقف العراقي ليشتغل على نفسه، وإلا، كما قال رامبو، ” فإنه لم يكن قد أستيقظ بعد، ولم يكن قد أوغل تماماً في الحلم الكبير!” على أن هذه الفرصة، ربما تراءت، لكنها قد تلاشت بين ثنايا الإرهاب العربي وطبيعة الشخصية العراقية: كلاهما يعمل على تدمير العراق: الإرهاب لايريد أنْ يستيقِظَ العراق من كابوس الدور الذي أعْطي لَهُ، فيسعى بكل دموية إلى الزام العراق بكل “المبادئ” التي دمرته.. والشخصية العراقية المحافظة على كل خلفيتها الولائية القديمة، تريد الانتفاع من تاريخ العراق الدموي فرصة للظهور والابتزاز… 
ومَن يلقي نظرة على ما طفا من الثقافة العراقية، سيشعر بالقرف والخوف وكأنه في كورة زنابير: الوسِخ يرمي وسخَه على الآخرين حتى يشعر أنه نظيف… المشبوه يلقي الشبهة على آخرَ لكي يبدد  شبهات حولَه…. البعثي السابق يهدد كل من يذكره بماضيه ويحارب اية محاولة أدبية قد تؤنب ضميره… وإذا صدف أن جاءت في مقالة لك عبارة “شعراء فاشلين”، سيتهمك أحدهم بأنك تقصده فيتقيأ كل ما في جعبته من ردح وقدح، رغم أنه يعرف أنك لاتعتبره حتى شاعرا فاشلا… أما ذلك الذي كان صوته يلعلع ضد نظام صدام، فإنه سكت فجأة بعد الحرب ولم ينطق بكلمة واحدة تساعدنا على معرفة موقفه بوضوح… يلعب على الحبلين: مع العربي يبكي وينوء من الاحتلال الأمريكي، ومع عراقي، ممكن الاستفادة منه، يبكي وينوء من الارهاب العربي.. كيف يمكن له أن يقول كلمة واضحة عن الإرهاب اليومي في بلده وهو في خدمة من يعتبر هذا الإرهاب مقاومة؟ والأنكى، لا أعرف كم من واوي سيخرج متهما إياي بأني أقصده!  

في “تربية عبدالقادر الجنابي” (دار الجديد – بيروت 1995) كتبت: “إذا كان لحرب تدمير العراق من حقيقة مرة فهي التالية: بعد انكسار سدّ الداخل، واندفاع المياه الى الخارج أخذنا نرى ذاك العراقي الذي، وهو طاف على سطح مجاري المنفى، (ينطق في اليوم الواحد بمائة لسان، ساعيا إلى زيد بما يقول عمرو وإلى عمرو بما يفعل زيدُ وإلى أحمد بما يقول ويفعل الاثنان)، ولأن طينة هذا العراقي اللاعراقي نجسة أصلا، فهو ما إن يُخدش، حتى يكشِف عن معدِنِه الثقافيّ الرديء فيتنصّل من كل الأفكار التي تطفّل عليها في الماضي عائدا إلى حظيرته. إنه متعطّش للشهرة ارتزاقا يدفعه إلى لحس إلية أيّ كان من أجل أن تُنشَر قصيدته البائسة، بل إلى حد التمارض متباكيا – متشكّيا عند هذا أو ذاك، فقط حتى لا تُكتشَف حقيقتُه بأنّه لا شيء، ويؤلمه أن يرى عراقيا حقيقيا يختلف عنه منهمكا في نشاط حرّ رجلاه طليقتان” (ص 108)…
ما أسوأ اليوم مقارنة بالأمس. فعالم الانترنت قد عرى كل شيء: أماط اللثام عن هذا النمط القاتل، الواشي، العبد من العراقيين… نعم هناك أناس نبلاء، وبما أن هذا الزمن ليس زمنهم، فلا أحد يسمعهم أو ينتبه إلى أعمالهم… إنهم قبوويون ومن الأفضل للعراق، إذا كان له أمل، أن يبقوا هكذا! وهم الوحيدون الذين استمد منهم طاقة الحلم بعراق مشجر بألف قصيدة… وإليهم أتوجه بهذا الكلام.

***

لكن… لكن.. كل هذه الملاحظات لم أشعر منها بجواب شاف. لابد ثمة جواب يشفي على الأقل بعض الغليل. لا أعرف أين. تذكرت أن مقالا قديما، بين أوراقي، لعالم الاجتماع عبدالجليل الطاهر حول “القوقعة والقلق في الشخصية العراقية”.. وجدته بعد ساعات من البحث وأعدت قراءته… كم نحن في حاجة اليوم إلى دراسة الشخصية العراقية سوسيولوجيا وثقافيا. ها هنا مقتطف من هذا المقال اليتيم قد يدفع هؤلاء - بدل تبديد هذه الطاقة في تصفية حسابات غير مدفوعة - إلى تأمل ذواتهم؛ اختبارها وحالما يعرفونها، عليهم تثقيفها:

(أهم الخصائص التي تتميز بها الشخصية العراقية هي:
1- أنها شخصية حية لأنها حصيلة صراع مستمر لكل تلك القواقع (جمع قوقعة) المتعارضة المتناقضة التي لم تستطع توحيدها وصهرها وتأليف كل منسجم منها فتعايشت في وجدانها قيم مختلفو تتهاون حينا وتتنزع أحيانا كثيرة فهي ليست مصابة بانشطار الوجدان كما يتصور البعض وإنما تقوم بأدوار متعددة ومتناقضة. لهذا تصف سلوكيتها بالجدية لأنها تعمل ضمن حدود قواقع متعددة، لغوية (عربية وكردية وفارسية وتركية وغيرها) وقبلية ومحلية ومدنية (نسبة إلى المدينة) وطائفية وايديولوجية.
2-  تنتقل من قوقعة إلى أخرى بقفزة واحدة كما تقفز الضفدعة فتغير مواقعها إزاء القضايا الخاصة والعامة.
3- تمجيد الذات وتعظيمها بالرجوع إلى التاريخ – فالحاضر الذي يعيشه مصدر آلامه وشقائه والماضي ينبوع لأمجاده ومفاخره. وقعت الشخصية العراقية بين هاتين العقدتين فمرة تمجد ذاتها وأخرى تتهمها بالخيبة والفشل. تجد في نبش أمجاد الماضي عزاء وتسلية – بل تنكمش إلى الماضي هربا من حاضر مؤلم.
4- يعتز العراقي بكرامته وبشخصيته ويبالغ أحيانا في تكبير وتوسيع أبعادها – وترجع هذه الصفات إلى أصول تاريخية، كالأسرة والعشيرة والمحلة والقرية وغيرها لأن كل أصل من هذه الأصول يبذر في الوجدان نوعا من التعصب والتحيز والولاء. وكثيرا ما يوجه هذا الاعتزاز بالكرامة في المنازعات القوقعية.
5-  الاندفاعات المفاجئة: تندفع الشخصية العراقية اندفاعا مفاجئا وتنفجر انفجارا غير متوقع حتى أن العراقيين  في سلوكيتهم التي تهب مرة واحدة وتنطفئ مرة واحدة مثل “نار الحلفة”. لقد اضطرت القواقع المتعددة ان يكون العراقي في حالة من الاستنفار والتربص الدائمة.
6-  العقدة ضد السلطة: ترجع جذور هذه العقدة إلى العهود الغابرة حين كان الحكام غرباء أجانب، ظلاما مستبدين، فانقطعت كل صلة بين الشعب وحكامه، واستمرت رواسب هذه العقدة تحرك الشخصية العراقية.
7-  السلبية عن طريق تأكيد الفردية: تتهم رواسب العقد النفسية المذكورة كل محاولة للمرونة والايجابية والانفتاح القوقعي بالمبايعات في المزاد السياسي. تؤكد الفردية والسلبية الفروق والاختلافات وعدم الثقة بالآخرين وقلة التعاون وكراهية الأنظمة.
8-  المبالغة والتطرف: ونتيجة لفترات الحرمان الطويل تنطلق الشخصية متطرفة في التعبير عن أحاسيسها ومشاعرها سواء كانت أحاسيس المحبة أو مشاعر الكراهية حتى قيل في وصف الشخصية العراقية إذا أحبت عبدت وإذا كرهت داست بأقدامها نفس الشخوص والمواضيع.
9-  الاستمرار في محاولة الحفاظ على الحدود النفسية والاجتماعية التي تفصل القواقع بعضها عن بعض باللجوء إلى مصطلحات قشرية وسطحية من المجاملات التي تحول دون نشوب نزاع مباشر بين شخص وآخر ينتميان إلى قوقعتين متنازعتين، والتي ترمز إلى الصداقة في المظهر ولكنها تحافظ على المسافات والأبعاد النفسية، وتتجنب طرح المواضيع الملتهبة ومناقشتها.
10- عقدة البطل الشعبي: يكمن في أعماق الشخصية العراقية حب حقيقي، تقدير منقطع للبطل الشعبي الذي تؤلف سيرته نواة صلبة في فضائل التراث الاجتماعي. ترمز حياته إلى طموح الجماهير المضطهدة، حولها نسجت الأساطير الشعبية صفحات رائعة. وتتضمن الشخصية العراقية إلى النقيض من ذلك عقدة كراهية الظالم والدجال. وبالرغم من مرور القرون العديدة تزال الذاكرة الجماعية تمجد الأبطال الشعبيين – النماذج الاجتماعية في التضحية والفضيلة.
11- العنف: تتميز السلوكية القوقعية القلقة بالعنف في معاملة الخصوم ولعل السبب في ذلك تراكم المظالم، وتجمع الحرمان، والانتظار مدة طويلة، وخوفا من فوات الفرصة، وشل حركة الخصوم. وترجع جذور هذه الظاهرة إلى الماضي السحيق: السومريون، الأكديون، والآشوريون والبابليون والأمويون والعباسيون.
12- سلوكية مزدوجة من العمل المكشوف والعمل السري: إذا كانت القواقع تخشى بعضها البعض الآخر، وترهب من “الأفعال” و”ردود الأفعال” فإنها تعمل على مستويين: الأول خفي وسري والثاني علني مكشوف. فالأول يعطي للشخصية القدرة على الانكماش إلى القواقع في الأزمات والحركة في المستوى المكشوف إذا سنحت الفرصة.
وخلاصة القول تتفاعل كل هذه العقد والمركبات النفسية والاجتماعية في وجدان العراقي فتوجه سلوكه، ويتحدد الدور الاجتماعي الذي يقوم به. ينتقل العراقي في حياته اليومية داخل عوالم نفسية متناقضة، يقوم الولاء في أحدها على مقاومة الولاءات الأخرى. فالفرد العراقي القلق يناضل من أجل تغيير الواقع الموضوعي لينقذ نفسه ويصنع تاريخه ويخطط مصيره، ويعمل لدعم وجهة نظر شاملة تسمو على الولاءات القوقعية، وبذلك تتعمق خبرته في التطبيق الإنساني النبيل، وتتفتح شخصيته، ويكثر إبداعها، وتتبلور، اخوة المواطنة، وتتكامل الشخصية. إن المجتمع الذي تتطلع إليه الطلائع المثقفة خال من الولاءات القوقعية ورواسب التحيزات؛ مجتمع تتوافر فيه المشاركة في شرف الخدمة العامة وتكافؤ الفرص كحد أدنى لقيام العدالة الاجتماعية.)

عبدالجليل الطاهر: “القوقعة والقلق في الشخصية العراقية” (المثقف العربي – بغداد عدد كانون أول 1969)