الأرشيف الشهري: يونيو 2007

نازك الملائكة ولقيطها: قصيدة النثر

GMT 12:30:00 2007 الخميس 21 يونيو

عبدالقادر الجنابي
–>عبدالقادر الجنابي


إذاً رحلت نازك الملائكة إلى العالم الآخر… تاركة الأحياء محدقين في ما مضى، في شيء من سيرتنا الشعرية. رغم كل ما تم من تشكيك في أنها ليست أول من كتب قصيدة وفق معايير الشعر الحر، وأن هناك الكثير من التجارب الفردية قبلها، تبقى نازك الملائكة هي المؤسس الأول للشعر الحر، لأنها أول من نقل تجارب إيجاد شكل شعري متحرر من بعض القيود التي لم يعد لها معنى، من حيز التجريب غير الواعي إلى فضاء التجريب الواعي والمقصود، وتسميته وبالتالي فتح مواجهة طويلة مع المعطيات. والحبر لايزال يسيل

مقتبس من حياة الشاعرة الراحلة نازك الملائكة

في هذا الأمر. وهذا عين ما حصل عند ظهور الشعر الحر في فرنسا. فرغم أن رامبو كان أول من كتب قصيدتين حرتين بسنوات قبل ظهور الاسم، وأن لافورغ نشر قصائد حرة بنفس الفترة التي نشر غوستاف كان، فإن غوستاف كان هو الذي يعتبر في نظر الجميع مؤسس الشعر الحر ومنظره: فالقصدية هي الأساس في كل شيء. ولواضع التسمية دوره المؤسس وبالتالي المنظر. فالمسألة إذن ليست هنا. فمكانها الريادي هذا سيبقى في صلب الشمس، وسوف لن تُناقش أعمالها إلا من خلال هذه الأشعة التي سلطتها نازك الملائكة في عز شبابها… فما كتبت من شعر فيما بعد بقي في إطار الكلاسيكية لا يصمد أمام تجاربها الأولى.
لكنها كشاعرة تربت في بيت محافظ، وكامرأة في وسط أدبي ذكوري، لم يسمح لها الانفتاح التجريبي المهدد للتراث الذي فرضته أوضاع خمسينات القرن الماضي، إلا أن ترتد، أن تتقوقع في ما أجترحته من تجديد وأن تتوقف عند الأسس الأولى (عدم الالتزام بعدد ثابت من التفعيلات، تحويل البيت من شطرين إلى سطر، مزج تفعيلات بحر بتفعيلات بحر آخر، الوقفة حيث يريد الشاعر حتى نهاية المعنى، نسف نظام الروي وجعل الصوت متنقلا، عدم خضوع الموسيقى للوزن وإنما لحالة الشاعر النفسية، التدفق)، جاعلة من هذه الأسس الأولى قيودا خليلية جديدة، وليس نقاط انطلاق نحو حرية أكبر، بل أصبحت خائفة حتى مما قامت به من كسر لبعض القيود، إذ كتبت في "قضايا معاصرة" قائلة: … يهمنا أن نشير إلى أن حركة الشعر الحر، بصورتها الحقة الصافية، ليست دعوة لنبذ الأبحر الشطرية نبذا تاما، ولا هي تهدف إلى أن تقضي على أوزان الخليل وتحل محلها". إن رواد الشعر الحر باللغة الانجليزية كانوا لا يختلفون عن مقاربة نازك الملائكة، فهم أيضا كوليم كارلوس وليامز وباوند واليوت، وقفوا ضد ما أخذ ينتشر باسم "الشعر الحر" في اللغة الانجليزية، بينما هو في نظرهم شعر نثري.
لكن هذا ما حصل. ذلك أن "كل ميل"، كما وضحت هي في نفس الفصل، "إلى تحكيم الشكل في المعنى يغيظ الشاعر المعاصر ويتحداه". وبالفعل شَعر الشعراء الجدد وعلى رأسهم توفيق صايغ، ثم محمد الماغوط وأنسي الحاج، بضرورة التوسع في إمكانيات الشعر الحر وكسر كل قيد سواء كان عروضيا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة أو بقياسات شعر التفعيلة حتى طفقوا "ينبذون الأوزان القديمة نبذا تاما"… وهكذا وضعت الملائكة من خلال تحرير الأوزان وتليينها، بذرة لقيط سيكون له اسم مستعار: "قصيدة نثر".

لم تنتبه نازك الملائكة إلى أن الشعر الحر الذي أرادت تعميمه يميل أكثر إلى ما سمي بالفرنسية "الشعر المُحرَّر" Vers libérés (أو المتحلل من بعض القيود الوزنية دون أن يمس العروض الفرنسي)، منه إلى "الشعر الحر" Vers libre الداعي إلى عدم الالتزام بعدد ثابت من المقاطع (وبالتالي التفاعيل) في البيت… وربما فقط في هذه النقطة، يقترب منظور تحرير الوزن لدى الملائكة من مفهوم "الشعر الحر" بمعناه الفرنسي…
لم تستطع نازك الملائكة تجاوز ذهنيتها المحافظة والارتدادية، وكأنها ستخسر شيئا لو حاولت ان تقف إلى جانب هذا اللقيط، وأن تعتبره أبنها الشرعي. وها هو وليد تمردها هذا ابن ضال، لا يريد حتى الاعتراف بأمه التي أنجبته. ورُحب به دون أن يتابع أحد شجرة أصله، نسبه وفصله.. وهكذا سادت الفوضى التي كانت تخشاها نازك الملائكة، ووضعت كتابا كاملا تحذر فيه منها، ولم يُجد نفعا! ف
للتاريخ دوما مقلبٌ: إن ما كانت تخشى وقوعه، أنتج تاريخا عريضا، بل شبحا ظل يطاردها حتى الأمس.

بودلير وويتمن وما بينهما من بون

GMT 17:30:00 2007 الجمعة 15 يونيو

عبدالقادر الجنابي


هذا هو الشعر الحر: الحلقة الثانية

الحلقة هذه مهداة إلى الشاعر الصديق أمجد ناصر

عبدالقادر الجنابي من باريس: هناك تشويش كبير موجود في الوسط الأدبي العربي حول علاقة ويتمَن ببودلير، وأن بودلير تأثر بويتمَن… واحد أسباب رواج هذا التشويش، بل سوء الفهم هذا، هو المقالات النقدية الموضوعة حول قضية "الشعر الحر".. ومما يؤسف له هو أن عددا من المترجمين والنقاد غالبا ما يعتمدون على مقالات وكتب كتبها أجانب غير مختصين يلقون أحيانا الكلام على عواهنه، دون تمحيص وبحث جدي في المصادر الأولى. أما الكتب التي يمكن فعلا أن تخفف من ثقل الجهل العربي، فإن مصيرها هو التعتيم والنسيان، لأنها في حاجة إلى مترجمين لهم إحساس بالمسؤولية بقدر ما لديهم حب استطلاع.
هنا ملاحظات لتبديد سوء الفهم الرائج هذا بصدد مَن أثر على مَن: بودلير على ويتمَن أم ويتمَن على بودلير… أو بالأحرى لا هذا على ذاك ولا ذاك على هذا؛ ملاحظات استطعت

شاعر الشسوع الأمريكي وشاعر الكأبة الباريسية

استخلاصها من قراءاتي لدراسات عديدة وبالأخص كتابين اكاديميين يتناولان بالتفصيل تشعبات موضوعنا هذا، الأول هو كتاب الباحثة الأمريكية بيتسي ايركيلا Walt Whitman Among The French "ويتمَن في وسط الفرنسيين" (1980) التي تناولت فيه المؤثرات الفرنسية في أدب والت ويتمَن وتأثير ويتمَن نفسه فيما بعد على الأدب الفرنسي. ويعتبر كتابُها من أكثر البحوث صرامة ودقة في موضوع العلاقة بين ويتمن وفرنسا، وقد أجرت في الكتاب جردا شاملا لكل ما كُتب عن ويتمن وما تُرجم له الى الفرنسية منذ عام 1861 وحتى 1972، مع تبيان تأثير شعر ويتمن على شعراء فرنسيين خلال قرن.
الكتاب الثاني هو The Evolution Of Walt Whitman "تطور والت ويتمن" بقلم روجيه أسيلينو، الذي صدر في منتصف خمسينات القرن الماضي بجزأين. وهذا الكتاب يعتبر عمدة المصادر حول سيرة ويتمن وديوانه "أوراق العشب"، فأسيلينو لم يترك ورقة صغيرة أو رسالة ضائعة أو مسودة من مئات المسودات، أو دفتر يوميات من عشرات الدفاتر… دون أن يراجعها ويبني اعتبارا من هذه المراجعة نتائج بحثه القيم. كتاب زاخر بالتفاصيل المتعلقة بتكوين ديوان "أوراق العشب". وقد توخى روجيه أسيلينو الأسلوب الموضوعي حيث القدرة على تعيين مسافة بينه كدارس وبين ويتمن كموضوع دراسة: مسافة لا تختلط فيها مشاعر الإعجاب الممكنة في كثير من الأحيان، بنابل الوقائع المعطاة. فهو يستقصي معلومة اثر معلومة دون أن يعطي أحكاما قاطعة، بل يفتح طريقا شاسعا من الاستنتاجات الممكنة لكن ضمن ما متوفر من وثائق إثبات.

1- كان والت ويتمَن ( 1816 – 1892) أكثر شعراء أمريكا تأثرا بفلسفة التنوير الفرنسية، وتراثها النهضوي المترجم إلى الانجليزية، إذ لم تكن لويتمَن سوى معرفة جد بسيطة باللغة الفرنسية. وقد برهنت بيتسي ايركيلا على أن والت ويتمَن كان متأثرا جدا بكتاب الفيلسوف الفرنسي كونستانتان فولني (1757-1820)، "الأطلال أو تأملات في تعاقب الامبراطوريات" الذي يدعو فيه فولني إلى نظام عالمي عادل ينطلق من إيمان فلسفة التنوير بالعقل، والعلم، والحضارة والتقدم. ومن المعروف أن ويتمَن كان يدون في دفتر يومياته بعض المقاطع التي تعجبه لكتاب كبار، ثم يحورها أبياتا في قصائده، ومنها هذا المقطع من "الأطلال":
"نِف (ويعني الوجود)، شكل بشري بلباسٍ أزرقَ غامق يحمل في يد واحدة صولجانا وصاجا معدنيا (الزودياك) وعلى رأسه قبعة من الريش…".
في قصيدته المشهورة "تحية إلى العالم"، كتب ويتمَن الصورة التالية:
"أرى نِف، يزدهر، لابسا الأزرق
وعلى رأسه تاج من الريش".
وهناك أمثلة قوية جدا في دراسة بيتسي ايركيلا تكشف عن تأثر ويتمَن بـ"أطلال" الفيلسوف فولني. والتأثيرات الفرنسية الرومانتيكية والتنويرية هذه جوهرية في صقل الطابع
الديمقراطي لـ"أوراق العشب" والميل النثري الذي جعل البيت الشعري أطول من المعتاد فتجاوز ويتمن قاعدة العدد الثابت للمقاطع والنبر والتفعيلات. والبرهان أن ويتمن ظل طوال حياته ينقح ديوانه، حد حذف جمل كاملة من بعض أشعاره، كان يراها نثرية وشرحية كهذا البيت:
"وسأريكم أنه ليس ثمة نقص في الذكر والأنثى أو في الأرض، أو في الحاضر ولن يكون في المستقبل."

اصبحت في طبعة عام 1867 هكذا:
"وسأريكم أنه ليس ثمة نقص في الحاضر ولن يكون في المستقبل". (1)

سنفصل دور النثر على شعر ويتمن في حلقات أخرى عندما سنتناول ظهور "الشعر الحر".

وهناك دراستان قيمتان حول تأثر ويتمن بالمؤرخ الفرنسي جول ميشيليه: "ويتمن وميشيليه: مقاطع متشتبهة" للأكاديمية أدلين كناب، و"ميشليه وويتمن" لمؤلف "دليل القارئ الى والت ويتمن"غاي ويلسن الين. وفي هاتين الدراستين نقرأ مقارنة خارقة بين قصائد لويتمن وكتابات المؤرخ الفرنسي الكبير جول ميشيليه، وكيف ان مقاطع كاملة من كتابات ميشليه حاكاها شعريا ويتمن في قصائده. فمثلا "الطير" الرامز الى الحرية والاتساع في شعر ويتمن، هي عين الرمز الموجود في كتاب "الطير" لجول ميشيليه. كما أسيلينو يبين كيف ويتمن تأثر بكتار توماس كارليل: "الأبطال" وخصوصا بسيرة محمد الذي استقى ويتمن منها مفهوم "الشاعر النبي" وأن العالم في حاجة إلى كتاب مقدس. غير أن هناك نقادا أجروا مقارنات أخرى بين شعر والت ويتمن وكتابات المؤرخين والروائيين الفرنسيين، فخرجوا بنتائج تكاد تتهم ويتمن بـ"الانتحال". وقد ذهبت الناقدة ايستر شيفر إلى مدى أبعد بقولها "إن المصدر الأساسي لـ"أوراق العشب" نجده في الفصل الختامي من رواية فرنسية هي رواية جورج صاند " La Countess de Ruodolstadt"… وقد حاولت ببراهين وجمل ومفاهيم متواجدة في العملين لبرهنة نتائجها.

المعلومات التاريخية لا تفيد بأي رابط بين ويتمن وبودلير:
2- أول ذكر لاسم والت ويتمَن، في اللغة الفرنسية، كان في مقالة مخصصة عنه كتبها الناقد لويس اتيين تحت عنوان: "والت ويتمَن، الشاعر، الفيلسوف والمشاكس" ونشرته "المجلة الأوروبية" نوفمبر 1861. ومن سوء طالع ويتمَن أن الناقد لويس اتيين هذا كان يضمر له شرا، فكتب مقالته من موقف معاد مقتبسا من أشعار ويتمَن اقتباسات خارج سياقها ليسند وجهة نظره المعادية فقدم ويتمَن للقارئ الفرنسي آنذاك كمجرد مشاكس ديمقراطي وإباحي، وليس كصاحب إضافة شعرية جديدة. والأنكى أن هذه المقالة كتبت في ظل الامبراطورية الفرنسية، أي في ظل ظروف رجعية معادية لكل فكر مستوحى من أفكار الثورة الفرنسية ومثلها التنويرية. وهذا يعني أن هذا التعريف الأول بويتمَن مسئول عن التعتيم الذي لاقاه ويتمَن الشاعر آنذاك، فشاع اسم ويتمَن فقط في الأوساط الراديكالية وليس في الوسط الشعري. وكان على ويتمن أن ينتظر 11 عاما حتى يظهر هجوم ثان غير أن له هذه المرة تأثيرا ايجابيا على سمعة والت ويتمن الشاعر وكنبرة شعرية لم يُعهد لها من قبل، ستلعب الترجمات الفرنسية لقصائده دورا كبير في ظهور "الشعر الحر". ففي اول حزيران من عام 1872،

الطبعة الأولى من أزهار الشر (1857)

نشرت "مجلة العالمين" المشهورة مقالة سلبية بقلم تيريز بيتزون تحت عنوان: "شاعر امريكي – والت ويتمَن"، تصدى لها ناقد جريء وعادل اسمه ايميل بليمون، كان أصلا يحضر ملفا عن ويتمَن. وسرعان ما نشر، بعد اسبوع من ظهور مقالة تيريز بيتزون، سلسلة مقالات في مجلة "النهضة الأدبية والفنية" (7 حزيران، و11 حزيران و12 تموز من عام 1872)، دفاعا عن ويتمن كشاعر. والمقالات هذه كان لها هدف سام واحد هو تقديم ويتمَن كاكتشاف شعري عظيم. وبالفعل إن مقالات بيلمون الثلاثة هذه يعود لها فضل دخول شعر ويتمَن مرحلة التأثير المباشر على الشعر الفرنسي.

3- ليست هناك وثيقة واحدة تدل على أن شارل بودلير (1821 – 1867) قد قرأ ويتمَن، أو اطلع على شعره. ربما قرأ مقال لويس اتيين، فلم يهتم بويتمَن "الديمقراطي المشاكس"، فإن نعوتا سياسية كهذه لا قيمة لها في نظر بودلير. ناهيك أن اجتراحات بودلير الشعرية على صعيد قصيدة النثر كانت معروفة منذ عام 1854، وعلى صعيد الإيقاع الديناميكي والجديد دون أي خلل وزني، فإن 18 قصيدة من "أزهار الشر" كانت قد ظهرت أول مرة تحت هذا العنوان في عدد حزيران 1855 من "مجلة العالمين" ، أي بشهر واحد قبل صدور "أوراق العشب" (مطلع تموز 1855). أضف إلى هذا أن ويتمن لم يكن معروفا كشاعر قبل صدور ديوانه، بقدر ما كان معروفا مجرد كاتب عمود في صحيفة "ديلي بروكلين ايغل" الذي اصبح محررا فيها. والفرق بين ديوانه ومقالاته العادية، أثار تساؤلا فيما إذا كان نفس الشخص الذي كتب هذه المقالات وديوان "أوراق العشب".
ولعلّ معترضا يقول إن ويتمن قرأ بودلير. والبرهان على هذا هو وجود فقرة لبودلير عن "المرض بالجمال" اقتبسها ويتمَن في مقالته "شعر المستقبل" (1872). الجواب هو أن ويتمّن لم يقتبسها مباشرة من كتابات بودلير، وإنما وجدها مذكورة مترجمة في مقالة تعريفية للناقد الفرنسي الكبير سان بوف نشرتها "المجلة الأمريكية الشمالية" (كانون الثاني 1869)، ناهيك أن الاطلاع المبتسر هذا على فكر بودلير، جاء سنتين بعد موت بودلير و14 سنة بعد صدور "أوراق العشب".
بقيت معلومة واحدة يستطيع رجال الإنشاء تشييد خللها قصور من رمال التأثيرات والانتحال. والمعلومة هذه ذكرها أسيلينو لكن في سياق تحليلي لا علاقة لها بالتأثير أو الأخذ، وهي أن ويتمَن فكر بعناوين أخرى ("دموع الشر"، "قطرات الشر"، "آيات الشر".. الخ) لعنوان Calamus "قصب الـذّريرة" (نبات كالبردي ينبت في الحياض والمياه) الذي وضعه لمجموعة قصائد أضافها 1860. وهذا ما تكشفه مخطوطة ويتمَن نفسه، حيث شطب على كل هذه العناوين مستقرا رأيه على " قصب الذريرة ". هنا يجب أن أتوسع في جانب جوهري من حياة ويتمن وشعره، لكي نفهم، أولا، فرقا جوهريا بين ويتمن وبودلير، وثانيا قصة العناوين المقترحة.
إن أول من التفت إلى أن ويتمن "مَثلي" (شاذ جنسيا) هو العلامة جي إي سيموندس، وذلك بعد أن قرأ مجموعة القصائد، المنشورة في "أوراق العشب"، تحت عنوان " قصب الذريرة ". وقد بعث برسالة إلى ويتمّن يسأله إذا كان فعلا مِثليا. اضطرب ويتمن إزاء سؤال كهذا، فغضب ونفى هذا بلغة حادة بل أكد في جوابه أنه ضد "المِثلية"، مضيفا، كبرهان، أن لديه ستة أطفال غير شرعيين اثنان منهم توفيا.
وفق عدد من الدراسين إن جواب ويتمن غاضب ومضطرب يؤكد عكس ما يدعيه، فإن نفيه لهذا ليس سوى خوف من أن يتعرض إلى هجوم أخلاقي يفسد مشروعه الشعري. وقد حاول كل الدارسين أن يعثروا على دليل واحد يؤكد أن لديه طفلا واحدا غير شرعي، فباءت كل محاولاتهم بالفشل، وإن كل ما حصلوا عليه من أدلة، خصوصا من اخيه وأصدقائه

اقرأ أيضا:

قصيدتان لبودلير في الفن الشعري

والت ويتمَن: كلمة من البحر

وأقاربه، حول هذا الموضوع تثبت إن ويتمن كان يبتعد كثيرا عن النساء، وتفيد أن لويتمن ميولا مِثلية. وقد برهن أسيلينوا في الجزء الثاني من كتابه حول قضية الجنس في حياة ويتمن وشعره، على أن ويتمن كان يضيف في قصائده ".. والمرأة" دون أي معنى فقط للتمويه. وما قصة الأطفال غير الشرعيين سوى كذبة بيضاء ليبعد شبهات المِثلية حوله.. ناهيك أن العنوان "قصب الذريرة" يوحي بالعضو الذكوري (من مميزات هذا النبات أن له عرقا ناتئا يشبه القضيب)، إذ مفردة Calamus مرتبطة بكلمة معروفة بمعنى العضو الذكري في الأساطير اليونانية Kalamus ، ولم يستخدم الكلمة المعروفة لـ"قصب الذريرة" sweet flag.
ومن جهة أخرى، هناك أسطر واضحة وإشارات بينة في هذه القصائد إلى المِثلية الجنسية، وأن ويتمن استخدم كثيرا كلمة adhesivnees ليس بالمعنى الشائع "القدرة على عقد صداقات"، وإنما بالمعنى الذي هو شرحه في حوار معه: "ارتباط شخصي بين الرجال أقوى من الصداقة العادية". كما ان هناك الرسائل التي كان يوجهها إلى أصدقاء شباب عاديين أميين تعرف عليهم كتوم سوير الذي هرب ولم يجب على رسائل ويتمن المليئة بجمل يستشف منها رغبات مثلية. والشاب ستافورد الذي تلقى ذات يوم رسالة من ويتمن جاء فيها: "… أريد أن أراك يا بني العزيز، ولا أستطيع الانتظار أكثر… كم أتمنى أن أكون معك في هذه اللحظة أسفل النهير، وفي مكان بعيد في الغابات". التشديد موجود في الرسالة نفسها. على أن معظم الدارسين اجمعوا على أن مثلية ويتمن بقيت في نطاق المكبوت ولم تتحقق وليس هناك دليل واحد أنه ارتكب فعلا شاذا جنسيا. وهنا يأتي تحليل أسيلينوا القوي وهو أن ويتمن كان يتألم من هذا الكبت وقد ساعدته الكتابة الشعرية على التخفيف من آلامه، وبالتالي فما "أزهار العشب"، في نظر أسيلينو، سوى "أزهار شر" مجازيا ومن هنا فكر ويتمن أن يستبدل "قصب الذريرة" بعناوين أخرى تعبر عن حالته المؤلمة: "قطرات الشر"، "دموع الشر"، "آيات الشر".. الخ ولا علاقة لها بانتحال أو بتأثير قط.. أما بودلير (2) فكان معروفا للجميع أنه منغمس td الفجور ومعhشرة العاهرات وشارب خمور ومدخنا للحشيش، فحياته الداندية واضحة في مقالاته وشعره وضوح الشمس التي كان يتغنى بها ويتمن على الجانب الآخر من الكون. (3)

البون

إلى هنا تنتهي كل معلومات التقارب – التفارق التي يمكن أن تذكر في أي دراسة عن والت ويتمَن وليس عن بودلير. والآن، لنحاول من زاوية أخرى تبيان استحالة وجود أي تأثير لهذا على ذاك. فالفروق بينهما على صعيد المضمون وبالتالي على صعيد الشكل، جد واسعة وعديدة جدا:
1- إذا كان بودلير يرى الشاعر ساحرا والشعر نوعا من السحر، فإن ويتمن كان يرى الشاعر نبيا والشعر نوعا من الدين. وبينما أقصى بودلير "مذهب العلم" من عالم الفن

قصب الذريرة: Calamus

مشددا على الاختلاف الجوهري بين المادي والروحي، اعتبر ويتمَن "العلم" كثيمة أساسية لقصائده. وهناك دراسات عديدة ظهرت في مطلع القرن العشرين تحاول ان تعطي مسحة نبوية لتحول ويتمان فجأة من صحافي إلى شاعر عبقري، وكأن هناك نموا مفاجئا حصل في حياة ويتمن عامل النجارة، بل وكأن وحيا نزل عليه من السماء، فكتب "أوراق العشب" (انظر الفصل الثاني من كتاب أسيلينو). سيرة بودلير وشعره نقيض لكل هذه الحكايات.

2- مع إنهما يعتقدان بأن الشعر فنا مُلهَما، إلا أن بودلير أعطى دورا أكبر للمهارة الفنية والحرفية جاعلا من الإلهام تحفة شعرية وهكذا، حسب بودلير، يجب أن يمر كل دفق عفوي في نظام مغلق من المهارة الفنية العليا، بينما ويتمَن كان يريد أن يأتي هذا الدفق "شكلا غير مفروض من الخارج، وإنما نام من الداخل" من دون تشذيب. فإن "ما يمس القلب هو أكثر أهمية مما يُمّم شطر الأذن"، كما وضح ويتمن نفسه. لكنه تأسف في نهاية حياته لأنه لم يعر أهمية للأسلوب والتنقيح. وفي الحقيقة أن ويتمن تناول (منذ صدور الطبعة الأولى وحتى أخر لحظة من حياته)، ديوانه صقلا وتنقيحا وحذفا خصوصا لمئات النعوت، وحروف جر كـ"و"، "أو"، وبالأخص كلمة "أقسمُ" المكررة ببغائيا عشرات المرات. بل هناك أبيات كاملة حذفها، وقد انتبه أيضا إلى ركاكة وغباوة بعض العناوين مثل: "قصيدة والت ويتمن، الديمقراطي"، الذي تغير في طبعة 1881 إلى عنوان دقيق ومعبر شعريا عن مضمون القصيدة (التي هي أيضا شهدت تنقيحات جمّة)، "أغنية نفسي". (4)

3- كان بودلير يدعو إلى الفردية في الفن مبينا المسار المتجاور للشر والخير، وكسخرية القدر الإنساني وملابساته التي لامفر منها، وعنوان الفصل الأول من "أزهار الشر": "المثالي والسوداوي" يوحي إلى أن واحدهما يكمل الآخر. إذ ليس هناك عالم مثالي من دون سوداوية مرضية وليس من سوداوية لا تحمل في بذرتها المثالي. أما ويتمَن فكان

الطبعة الأول من أوراق العشب، لم يبرّز أسمه بل صورته

يمجد الأنا مبينا مجيء الخير من الشر كتأكيد مركزي لحركة العالم نحو المثال الأعلى. ومفهوم "المثالي" لدى ويتمن يتلخص في مفهوم "النظام الديمقراطي"، النور العادل الذي كانت تستنير به تفاؤليته بالوجود الأمريكي.: "لعل الأمريكان، من بين جميع شعوب العالم وفي أي زمن على الأرض، أوفر طبيعة شاعرة. الولايات المتحدة ذاتها، في جوهرها، أعظم قصيدة ففي تاريخ الأرض حتى الآن، بدت أضخمُ الأشياء وأكثرها خَنوعةً طائعةً أمام ضخامتها الأكبر واثارتها الأكثر".

4- إن مفردة "الجديد"، عند بودلير، تنبع من مفهومه الذي اجترحه: الحداثة وهي التعبير الأسمى عن ظهور الفرد المستطرق الذي يتجول في المدينة حيث جمال غريب بل أحيانا مضحكا مثل كاريكاتير ورسوم دوميه وغيس، يتصاعد من الوجوه البشرية، الزحام، الضجيج، الضباب ودخان المداخن المتعاشقين فوق سماء باريس، البولفارات، الغالريات، واجهات المحلات… وباكتشافه للمدينة التي تكاد تشبه مخزن أزياء، يجمد المستطرق، المبدع، لحظة الجمال العابرة هذه في أبدية فنية.

5- "الجديد" عند ويتمن، يتضمن أساسا فكرة العالم الجديد بالمعنى السياسي للكلمة، عالم ديمقراطي عادل وإنساني: "على الشعراء الأمريكان أن يضموا القديم والجديد، لأن أمريكا هي خلاصة الأجناس البشرية". و"أنا" ويتمن غائية إبان جولاتها في مدينة بروكلين ونيويورك. ونظراتها على المدينة تنبع من زاوية رغبات مكبوتة، فويتمن ينظر إلى المدينة من زاوية الرغبة المقموعة، يستطرقها عل "رفيقا" يحقق ما لا يستطيع تحقيقه أخلاقيا علنا، أو "رفاقا" بالمعنى السياسي للكلمة، يحققون دعاويه في المثل الإنسانية. ويمكن القول بعبارة مجازية هو أن القصيدة لدى ويتمَن تحقيق مُـقـَنـّـع لرغبة مكبوتة، بينما هي لدى بودلير رغبة عابرة أختِزنـَت في صندوق الأبد جمالا فنيا.
المدينة لدى بودلير ليست موضوع أفضلية وإنما هي مسرح الحياة الحديثة، بينما ويتمن يريد من المدينة ان توفر له الفرصة للاحتفال بصميمية مع آخر وهمي، ومع هذا أن تبقى هذه الصميمية سرية في أعماقه.

خاتمة:
هذه الاختلافات الجوهرية في السيرة الشخصية وبالتالي في الغرض الشعري لا يمكن أن تنتج إلا أساليبها التعبيرية المناسبة لها، وأشكالها هي. "فالأسلوب يدل على صاحبه" كما يقول سان بوف (5). فلا يمكن المقارنة بين بودلير وويتمن أو محاولة إيجاد تأثير واحد على الآخر. لكن من الطبيعي أن تتوالف رؤيتهما الشعريتان تأثيرا على تيار آخر، أو شاعر آخر فيخلق منهما رؤية واحدة متماسكة وكأنهما من مصدر واحد. وهذا ماحدث في فرنسا: ظهور الرمزية الفرنسية التي جاءت نتيجة تجديدات بودلير وويتمن، إلى حد أنها زرعت فكرة تأثير هذا على ذاك.
فإذا وجد الباحثون والقراء أن هناك تشابها بين رؤى ويتمَن الشعرية ورؤية الرمزيين الفرنسيين في الشعر، فهو تشابه ناتج، قبل كل شيء عن تأثرهما معا وكل على طريقته بما كانت تنطوي افكار هيغو وساند وسان بوف والرومانتيكية الفرنسية من تساؤلات روحانية وغوص في المجهول. كما أن بودلير وويتمَن، وكل وفق منهجه، كانا وراء مبدأ الرمزيين الجمالي المفيد بضرورة استخدام الإيحاء والرمز للتعبير عن نسيج التجربة الحديثة وسرية العالم الروحي.

لو لم يعش بودلير في مدينة باريس القرن التاسع عشر، لما أستطاع، حتى لو عاش في نيويورك أو بروكلين أو أية مدينة أخرى، أن يجترح مفردة "الحداثة" التي غيرت ملامح النص الكوني. هل كان من الممكن أن تولد نظريات فرويد لو لم يعش في فيينا. للمدن الخلاقة التي يفور في أحشائها شتى الأعمال الإبداعية والتجارب الساعية للاتيان بجديد متميز بقطيعة معرفية، تنتظر ساعتها فتضع على جديد أرضها الكائن الذي سيقترن اسمها باسمه مكانا خالدا في الذاكرة الكونية. وأواخر النصف الأول من القرن التاسع عشر، كان لباريس تأريخها الحداثوي: بودلير، مثلما كان للحلم تأويله الأخير: فيينا.

ليست هناك إمكانية تصور
بودلير من دون باريس
باريس من دون بودلير
فرويد من دون فيينا
فيينا من دون فرويد..
إنه مصير المكتوب في رسم حد فاصل بين التفكير الكلاسيكي والكتابة الحديثة.
لكن من السهولة تصور
نيويورك أو بروكلين من دون ويتمن
ويتمن من دون أية مدينة أمريكية.

ليس هذا تقليلا من قيمة ويتمن، كلا والف كلا. فديوانه "أوراق العشب" يقف إلى جانب "أزهار الشر" في التأثير على مجمل الذائقة الشعرية للقرن العشرين. إن نقطة الالتقاء الوحيدة بين ويتمَن وبودلير، في نظري، هي أن كلاهما أصيل. فمثلما نشم في "أزهار الشر"، عطر المرأة، رائحتها الجنسية، الخمور، الأفيون، جادات باريس وأزقتها، المقامرين والأنذال، العشق الفاجر والحب الافلاطوني، بل حتى "أزهار الخير" كما كتب سان بوف لبودلير، فإننا نشم أيضا في "أوراق العشب" هذا الشسوع الأمريكي المتدفق بكل أنهاره ومراعيه، برجاله الأحرار، ومزارعه، جباله وغاباته الكثيفة والمساقط المتغيرة لمياه الانهار، وأيضا نشم العدالة الديمقراطية التي كان ويتمن من أشرس المدافعين عنها. فوالت ويتمن هو ابن الحلم الأمريكي في بناء ديمقراطية عالمية عادلة.

على أن بودلير، حتى في نقطة الالتقاء هذه، يبقى فريدا في دوره الريادي شكلا ومضمونا عن مشروع والت ويتمن الهادف إلى "تحقيق لغة أمريكية حية منبثقة من الحياة الأمريكية".أضف إلى هذا أن بودلير شخصية فريدة لم يتمكن كاتب أن يؤثر فيه بمعنى التأثير الواضح، كان يقرأ مقالات ديدرو حول الفن، لكننا لا نجد لديدرو أي تأثير في بودلير الناقد. أعجب حد الاندهاش بادغار الن بو فترجم معظم أعماله إلى الفرنسية وبفضلها تعرفت أمريكا على ابن عبقري لها، ومع هذا ليست هناك ملامح حاسمة لـ"شاعر الزيغان الذهني والطاقات الروحية الغريبة" هذا واضحة في أعمال بودلير(6).

وإذا كان ويتمَن يحتفل بالـ"أنا" التفاؤلية:

"بنفسي أحتفل، ونفسي أغنـّيها
وما أتلبـّسه ستتلبـّسه أنت"
(ترجمة السياب)

فإن بودلير كان يحرث في أرض الموت والعدم من أجل الإتيان بجديد:

"أيها المنون! أيها القائد العجوز، لقد آن الإبحار
سئمنا من هذا البلد، فلننشر القلاع أيها المنون
إن كانت السماء والبحار سوداء كالمداد
فقلوبنا التي تعرفها أيها المنون مفعمة بالأشعة والنور.

اسكب لنا سُـمّـك لننعش به الفؤاد
وبأكثر مما تحرق هذه النار أفئدتنا
نريد أن نهوى بأنفسنا في قعر اليم نعيما كان أو جحيما
في قعر المجهول كي نستكشف الجديد"
(ترجمة مصطفى القصري)

الحلقة المقبلة (3/6): الدور الممهد لترجمة شعر ويتمن في ظهور الشعر الحر، وأطلقت فيما بعد تسمية الشعر الحر على "أوراق العشب"

هوامش:

1- البيت هذا من قصيدة كان لها عنوان مركب ثقيل في الطبعة الأولى: Proto-Leaf (الورقة الأم)!! فصار لها عنوان أفضل في طبعة عام 1867: Starting from Paumanok (بدءا من بومانوك).
2- تجدر الإشارة هنا إلى أنه في كتاب أسيلينوا (880 صفحة) نجد إشارات إلى كل الأسماء التي قرأها وتأثر بها ويتمن، إلا بودلير فلاتوجد سوى إشارتين بشأنه تتعلق فقط بما ذكرنا أعلاه
3- أنظر كتاب أسيلينو فصل "حياة جنسية"
4- انظر أسيلينو الفصول المتعلقة بالأسلوب، اللغة والوزن
5- غالبا ما يترجم الأعاريب كلمة سان بوف: Le style c’est l’homme بـ"الأسلوب هو الرجل"!!! بينما المعنى الحقيقي للعبارة هذه هو: "الأسلوب يدلّ على صاحبه".
6- أبان حياة بودلير حاول البعض اتهام بودلير بانه يأخذ من ادغار الن بو لكن دون أي حجة قوية، وسرعان ما انهارت اتهاماتهم. وقد رد بودلير قبل موته بعام على هذا الاتهام شارحا لماذا اهتم على هذا النحو الكلي بترجمة ادغار الو بو، قال "لأنه كان يشبهني. ففي المرة الأولى التي فتحت فيها كتابا له رأيت ليس فقط مواضيع حلمت بها بل جملا فكرت بها وهو كتبها قبل عشرين عاما"… وغالبا ما يخلط بعض الباحثين الاعجاب بالتأثير.

بكائية من أجل إغناثيو سانشيز ميخِيّاس
GMT 15:00:00 2007 الأحد 10 يونيو ترجمة عبدالقادرالجنابي

بقلم فيديريكو غارثيا لوركا (1898 – 1936)

ترجمة وتعليق عبدالقادر الجنابي: أطلعت على خمس ترجمات فرنسية وثلاث باللغة الانجليزية لقصيدة لوركا، فلم أجد واحدة تخلو من عديد الأخطاء والتأويلات البعيدة. لذا رجعت إلى الأصل الإسباني وقد لعبت زوجتي الإسبانية الأصل، دورا جد كبير في توضيح مبنى القصيدة ومغزاها كلمة كلمة، بيتا بيتا. أما الترجمات العربية فهي تصول وتجول في تجزير القصيدة حذفا وغلطا، إيقاعاً وتركيبا… سواء تلك التي قام بها عبد الرحمن البدوي بحيث أن مفردة bordon التي ترد في القصيدة، علاوة على انها تعني عصا (حاج)، فإنّ المعنى المراد لها في القصيدة هو “نغم الأوتار الجهيرة المطّرد”، لكنه صار عند الدكتور عبد الرحمن بدوي “زنبورا”! وهذا يعني انه ربما كان قد ترجم القصيدة عن نسخة فرنسية تحتوي على هذا الخطأ، وليس عن الأصل الأسباني، وهناك عناوين أخرى وجمل عديدة تزيد شكنا هذا مثل عنوان المتوالية الأولى “الجرح” بدل “النطحة”، لأن احد المترجمين الفرنسيين وضع la blessure كمقابل لـ bordon…
أو تلك التي انجز (ها) عليها خليفة التليسي وعدنان بغجاتي، و سعدي يوسف الذي غالبا ما تتحول لديه المعاني المرادة (في كل ترجماته) إلى معان غريبة، خذ مثلا عبارة :perros apagados والتي هي “الكلاب المنطفئة، باهتة أو خامدة” فقد ترجمها سعدي يوسف إلى “كلاب غامضة”! وخذ مثلاً آخر هذا البيت البسيط: “فما من كأس يحتويه” Que no hay c?liz que la contenga، لقد صار عند سعدي “إنه ليس كأسا لأتناوله”!!
إن أبسط مراجعة نقدية لما تُرجم من أدب غربي، وخصوصاً الشعر منه، إلى العربية، ستكشف عن حقيقة مؤلمة وهي ان العرب يقرأون بالغلط، وليس لديهم اية معرفة حقيقية بماهية هذا الشعر، وشفافيته الإنسانية وبالتالي تغيب عنهم إمكانية معرفة لماذا شعر الآخر هذا كوني ومُلهِم يتجاوب وأنا أي قارئ بغض النظر عن جنسية كاتبه المختلفة.
أمّا الآن، فإلى القصيدة التي بدأ لوركا كتابتها مباشرة بعد موت إغناثيو، ولم ينته منها إلا بعد عام. بالنسبة إلى لوركا، كانت مصارعة الثيران “فنا يكشف سيادة الذكاء على الغريزة، وكان إغناثيو بطلاً من أبطال الفن والإبداع”. بل رأى لوركا (حسب بعض الروايات) في موت إغناثيو “موته الآتي”… “بمناخس الظلمات”، أمرٌ جعل هذه البكائية شديدةَ العمق ودفع النقاد إلى أن يعدوها واحدة من أعظم المراثي التي كُتبت في تاريخ الشعر العالمي.
بكائية من أجل إغناثيو سانشيز ميخِيّاس (1935)
إلى صديقتي العزيزة انكارناثيون لوبث خوليث

النطحة والموت (1)
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
كانت تمام الخامسة بَعْد الظُهر.
جاء طفلٌ بملاءة بيضاء
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
قُفّةٌ من الجير جُهّزَت
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
ما تبقّى موتٌ ولا شيء سواه
في الخامسة بَعْْد الظُهر.

سَفَت الرياحُ القطنَ
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
والأوكسيد بَذَر نِيكلاً وبلّوراً (2)
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
ها هما الفهد والحمامة يتصارعان
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
وفَخِذٌ فيه قرنٌ أسِيف
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
بدأ ونين الأوتار الرتيب
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
الأجراس الزرنيخيّة والدخان
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
في الأركان جمهرات صمتٍ
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
والثورُ وحده لن تُثبَط عزيمتُه
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
حين أخذ العَرَق الثلجي يقترب
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
حين غُطّيَت الحلبة باليود
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
وضع الموتُ بيوضاً في الجرح
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
في تمام الخامسة الزواليّة
السرير نَعْشٌ ذو عجلات
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
عظامٌ ومزاميرُ ترنّ في أُدْنيه
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
ذا هو الثورُ يخور لُدن جبهته
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
كانت الغرفة مُقزّحَةً بسَكْرة الموت
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
ذي هي الغنغرينا قادمة من بعيد
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
بوق زنبقٍ في منبت الفخذين الأخضر (3)
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
كشموسٍ كانت الجراح تَلهبُ
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
وكانت الحشود تهشّم النوافذَ
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
في الخامسة بَعْْد الظُهر.
أه، يا لهول الخامسة بَعْْد الظُهر.
كانت الخامسة في كلّ الساعات
كانت الخامسة في ظل الأصيل.

الدم المراق
لا أريد أن أرى دمه.

قولوا للقمر أن يأتي
فلا أريد أن أرى دمَ
إغناثيو على الرمل.
لا أريد أن أرى دمه!

القمر مفتوحٌ على مصراعيه
جوادُ السُّحب الساكنة،
وحلبة المنام الرماديّة
ذات الصفصاف مدار الأسيجة.

لا أريد أن أرى دمَه!
فإنَّ ذاكرتي تشتعل.
ابلغوا الياسمين
ذا الزهيرات البيض!

لا أريد أن أرى دمه!

بقرةُ العالم القديم
مرّرت لسانَها الحزين
فوق مخطمِ الدماء
التي يتشرّبُها رملُ الحلبة، (4)
وثيرانُ غيساندو، (5)
كأنما هي موتٌ، حَجَرٌ،
تخور كقرنين من الزمن
سئمةً من وطء الأرض.
لا.
لا أريد أن أرى دمه!

عبر الدرجات يتجّه إغناثيو صُعداً
وجلُّ موتِه فوق ظهره.
كان يبحث عن الفجر
لكن الفجر لم يطلع
يتشوّف إلى طَلالَتِه الواثقة
فيضلّه المنام.
كان يبحث عن جسده الجميل
فوجد دمَه المفتوح.
لا تقولوا لي عليّ أن أرى الدّمَ!
لا أريد أن أتحسسَ الشُّخْبَة
الفاقدة كلَّ مرّةٍ قوّتها؛
تلك الشُخبة التي أخذت تنوّر (6)
المدرّجات وتَنصَبُّ
فوق مخامل
جمهور ظمآن وجلوده.
من ذا الذي يناديني كيما أُطِلُّ!
لا تقولوا لي عليّ أن أرى دمه!

لم يُغمض له جَفنٌ
حين رأى القَرنين قريبين،
لكنّ الأمّهات الرهيبات
أشرأبت رؤوسهنّ
ومن مَربى المواشي
ارتفعت نَدْهةُ أصواتِ سرّية،
أصواتِ رعاة الضباب الشاحب،
صارخةً إلى الثيران السماوية.

أميرٌ وليس كمثله
في اشبيلية أميرٌ،
ولا من سَيفٍ كسيفه،
ولا من شجاعة حقيقية إلى هذا الحد.
كسَيلٍ من الأُسود
قوّتُه المدهشة
وكتمثالٍ نصفي من المرمر
فطنته المرسومة
سيماءُ روما الأندلسية
كانت تكلل رأسَه بالذهب
بحيث غدت ضحكته سُنبُلاً
من المُلْحة والذكاء.
ما أعظمه من مصارع
ما أجوده من جبليّ!
ما أنعمه مع السنابل!
ما أقساه مع المهاميز!
ما أرقّه مع الندى!
ما أبهره في الأعياد!
ما أرهبه مع أخر
مناخس الظلمات! (7)

لكنّه الآنَ نائم نومةً سرمديّة.
ها هي الطحالب والأعشاب
تفتحُ بأصابع وثيقة
زهْرةَ جُمجمتِه.
هو ذا دمُه مغنّيا:
مغنّياً عبر المستنقعات والسُّهول،
ينزلق طوال القرون المتصلّبة من البرد،
يترنّح بلا روح في الضباب،
يتعثر بآلافِ الحوافر
كلسانٍ مستطيل، قاتم، كئيب،
مكوّناً قرب “وادي” النجوم “الكبير”
بِركةً من النزع الأخير.
آه يا جدارَ أسبانيا الأبيضَ!
آه يا ثورَ الحزن الأسودَ!
آه يا دمَ إغناثيو العسيرَ!
آه يا عندليبَ أوردتِه!
لا.
لا أريد أن أرى دمَه!
فما من كأس يحتويه،
ولا من سنونو يشربه،
ولا من صَقعة نورٍ تبرّده،
ما من أغنية ولا فيضان زنابق،
ولا من بلّور يُفضِّصَهُ.
لا.
لا أريد أن أرى دمَه!

جسدٌ حاضر (8)

بَلاطةُ الحجر (9) جبهةٌ حيث تنوح الأحلام
ليس لها ماء متعرّجٌ ولا سَرْو جليدي،
إنّها ظَهْرٌ محمولٌ فوقه الزمنُ
وأشجارُه المجبولة من الدمع، أشرطتُه وأجرامُه النّيّرة.

رأيتُ أمطارا رماديّةً تهرع تجاه الموج
رافعةً رهيفَ أذرعتِها المُثَقَّبةِ كالغربال،
كي لا يقتنصها الحجرُ الممدّد
الذي يطلق أعضاءها دون أن يتشرّب بالدّم.

فالحجر يمسكُ بالغيم والبِذار،
بهياكل القبّرات وذئاب الغَبش،
لكنّه لا يعطي أصواتاً ولا بلّورا ولا ناراً،
بل حلبات وحلبات ومزيدا من حلبات دون أسوار.

ها هو إغناثيو كريم الأصل والمنبت
ممدّدٌ على بَلاطة الحجر.
لقد أنتهى الأمر؛ ماذا يجري؟ انعموا النظر:
الموتُ يغطّيه بكبريت شاحب
ويعطيه رأسَ “مينوتور” داكن.

لقد أنتهى الأمر. من فمه يلجُ المطرُ.
مرتعباً يتركُ الهواءُ صدرَه المنخسِف.
والحبّ، المُشرّب بدموع الثلج،
يتدفّأُ في سدرة المراعي.

ماذا يقولون؟ صمتٌ منتن يستقرُّ.
نحن أمام جسدٍ حاضرٍ يتلاشى،
ذي شكل جليّ كان له بلابل
وها نحن نراه يمتلئ بثقوب ليس لها قرار.

مَن يجعّد الكفن؟ ليس صحيحاً ما يقوله!
فما من أحد هنا ليغنّي أو يبكي في ركنٍ ما،
ولا مَن يَنخسُ أو يرهب الأفعى
هنا لا أريد إلاّ عينين مستديرتين
حتّى أرى هذا الجسدَ دون راحة ممكنة.

أريد أن أرى هنا رجالاً أقوياءَ الصوت،
أولئك الذين يروّضون الخيل ويتحكّمون في الأنهار:
أولئك الذين ترنّ هياكلهم العظمية، ويغنّون
بأفواه مليئة بالشمس والصّوان.

أريد أن أراهم هنا. أمام بَلاطة الحجر
أمام هذا الجسد المحطّم العنان.
أريدهم أن يدلّوني على مخرجٍ
لهذا الربّان المقيّد بالموت.

أريدهم أن يلقنوني بكائية شبيهة بنهرٍ
عذب الضباب وعميق الضفاف
يجرف جسدّ إغناثيو معه حتّى يتلاشى
دون أن يسمعَ نخيرَ الثيران المضاعف.

علّه يتلاشى في الحلبة المستديرة للقمر
المتظاهرِ منذ الطفولة دابةً عليلة مشلولة؛
علّه يتلاشى في ليل خال من غَرَدِ الأسماك
وفي أجَمة الدخان المجمّد البيضاء.

لا تغطّوا وجهه بالمناديل،
أريده أنْ يعتاد على هذا الموت الذي يحمله.
اذهب يا إغناثيو. لا تسمع هذا الخوار الحار.
نمْ. حلّقْ. استرحْ: فالبحر أيضا يموت.

روح غائبة
لا الثورُ يعرفك ولا شجرةُ التين
لا الخيلُ، ولا نملُ دارِك.
لا الطفلُ يعرفك ولا ساعة الأصيل
لأنّكَ مُتّ إلى الأبد.

لا ظهرُ الحجرِ يعرفك،
لا الحريرُ الأسود حيث تتفتّت.
ولا ذاكرتُك البكماءُ تعرفك
لأنّكَ مُتّ إلى الأبد.

سيأتي الخريف بأبواق المحار، (10)
بأعناب الضباب وأفواج الجبال،
لكنّ أحداً لن ينظر في عينيك
لأنّكَ مُتّ إلى الأبد.

لأنّكَ مُتّ إلى الأبد.
ككلّ موتى الأرض،
ككلّ الموتى المنسيين
في كومة من كلاب منطفئة.

كلا. لا أحد يعرفك. لكنني أتغنّى بك.
أتغنّى بطَلالتكَ ولطفكَ، لفيمابعد.
بنضجِ حصافتك المرموق.
باشتهائك الموتَ وطعم فمه.
بالحزنِ الذي امتلكَتْهُ ذات مرّةٍ بهجتُك الباسلة.

لوقتٍ طويلٍ لن يولد، هذا إذا وُلِدَ،
أندلسيٌّ جليّ مثلك، وغنيّ بالمغامرة مثلك،
ذا أنا أُعظّم أناقتَه بنائح الكلمات،
ومتذكراً نسمة حزينة تخلّلت أشجار الزيتون.

إحالات:
1- La cogida تعني حرفيا المَسْكة أو اللّزمة، أي نطحة القرن الجارحة جرحا جد بليغ، بحيث غالبا ما يُصاب المصارعُ إثرها بالغنغرينا الآكلة. وهذا عين ما حصل لميخيّاس فمات في اليوم الثاني. ويقال أن لوركا لم يكن بعيدا، رفض الذهاب الى المستشفى لرؤيته رغم ما توحيه أبيات المتوالية الثالثة، مثل: “نحن أمام جسد حاضر يتلاشى”.
2- ترجم بعض المترجمين خصوصا الانجليز كلمة Oxido (أوكسيد) بـ rust (صدأ) مشيرين إلى مرض الشّقران في النبات. فضلت الاحتفاظ بالصورة كما هي في الأسبانية، إذ ليس هناك ما يشير إلى ذلك.
3- عصبة زنابق مشدودة على هيئة صُور. المعروف عن لوركا، كما يتضح لنا من خلال التحقيق النقدي للمسوّدات الذي قام به المختص بأعماله في اللغة الفرنسية أندريه بيلاميش، أنّ لوركا كان يشتغل قصيدته صوريا، ربما بسبب تأثره بالسوريالية. فمثلا هذا البيت: “بوق زنبق في منبت الفخذين الأخضر” كان في المسودة الأولى: “بوق زنبق في الأزقة”، وفي مسوّدة ثانية “في منبت الفخذين المكسور” قبل أن يستقر في شكله الحالي. بل كان يعمل، أحيانا، على تغيير الصورة كلها كما في في بداية البيت الأول من المقطع السابع في المتوالية الثالثة: “من يجعّد الكفن”، كان في المسوّدة الأولى: “من يتكلّم أسفل السور”.
4- Arena كلمة لاتينية تعني “الرمل” ومعروف عنه أنه يتشرّب الدم المراق. وقد أصبحت تعني في الانجليزية والفرنسية “حلبة” لكن احتفظت الأسبانية بالمعنى اللاتيني الأصلي. واستعمل لوركا في قصيدته كلمة La plaza كـ”حلبة”.
5- “ثيران غيساندو” تماثيل قديمة تعود إلى العهد الروماني.
6- ilumina يستعمل لوركا فعل “ينوّر” بمعنى “ينمنم أو يزخرف” مخطوطة. وثمّة مخطوطات تسمّى بالعربية “المخطوطات المنوّرة” أي المزوّقة. يذكر التوحيدي: “قال أبو سليم: كنت أكتب المصاحف فمرّ بي علي بن ابي طالب رضي الله عنه فقال: أُجلِلُ قلمك. فقصمتُ منه قَصمةً ثم كتبتُ فقال: نعم هكذا، نوِّرْهُ كما نوَّره الله”.
7- banderilla عصا يثبت في رأسها إبرة طويلة حادة تغرز في عنق الثور للقضاء عليه. يترجمه البعض يمغرز، لكنني فضلت كلمة منخس.
8- فضلت ترجمة عنوان المتوالية الثالثة Cuerpo presente بـ”جسد حاضر” لا بـ”جسد ظاهر للعيان أو جثمان مسجى”، حفاظا على التقابل الذي يضمره لوركا بينها وبين عنوان المتوالية الرابعة: “روح غائبة”.
9- Caracola تعني في منطقة “مورسي” زهرة متسلقة، وفي الأسبانية عموما تعني الحلزون، وصدفة جد صغيرة بيضاء، أما في اشبيلية حيث ولد ميخيّاس فتعني صدفة كبيرة يستعملها الرعاة بوقا.

اضغط على الرابط التالي لقراءة النص الأصلي للقصيدة:
http://home.tiscali.be/ericlaermans/cultural/lorca/llanto_por_ignacio_sanchez_mejias/indice.html

إغناثيو سانشيز ميخِيّاس
ولد في السادس من حزيران عام 1891 وتوفي في 12 آب 1934. كان إغناثيو سانشيز ميخِيّاس معروفا كأحد المصارعين الكبار، رغم أنه لم يمتهن هذا الفن، إذ كان غالبا ما يترك مهنة المصارعة ليركز على اهتماماته الشخصية الأدب والفلامنكو، وقد كتب مسرحية، وكان صديقا لعدد من الأدباء من بينهم لوركا. في مصارعته الأخيرة، (11 آب) عندما حاول ان يقف على قدميه إثر سقطة عادية، استدار الثور فجأة وغرز احد قرنيه في فخذه وقذفه على الأرض وجرحه بشدّة. وعندما سحبوا الثور بعيدا، كان إغناثيو يسبح في بركة من الدم يتشرّبها رمل الحلبة، وشقت الغنغرينا طريقها إليه ليموت في اليوم التالي.

تنبيه: نشرت هذه الترجمة مع التقديم والاحالات أو في “القدس العربي”(1995)، وأعيد نشرها في “ايلاف” عام 2003.

بكائية من أجل إغناثيو سانشيز ميخِيّاس.

I have installed an interesting application – BlogJet. It’s a cool Windows client for my blog tool (as well as for other tools). Get your copy here: http://blogjet.com

“Computers are incredibly fast, accurate and stupid; humans are incredibly slow, inaccurate and brilliant; together they are powerful beyond imagination.” — Albert Einstein