أرشيف التصنيفات فراديس

عبدالقادر الجنابي

هنا نص مساهمتي في استفتاء جريدة “القدس العربي” حول الشاعر الراحل محمد الماغوط. وصيغة الاستفتاء التي وضعها محرر القدس العربي الثقافي، هي: قبل نحو عشرة أيام توفي الماغوط، أحد أهم رواد القصيدة العربية الجديدة التي تسمي قصيدة النثر ، وقد كُتب الكثير في وداع الشاعر والمسرحي السوري الذي رافق أبرز منعطفات الحياة السياسية والثقافية العربية كتابة وتعليقا، غلب عليهما، بالطبع، الاحتجاج والنقد علي الحال العربية. نتوقف في ما نأمل، أمام منجز الماغوط الابداعي علي نحو أكثر شمولاً وعمقاً، بحيث لا تطغي ذكري المناسبة الحزينة علي قراءة منجزه، والرثاء علي التأمل المتبصر. شعراء ونقاد عرب من بلدان وأجيال لاحقة علي الماغوط تلقي، هنا، نظرة متفحصة علي نتاجه.” وقد تم نشر الأجوبة كلها اليوم السبت 15 نيسان 2006:

الماغوط فقيد فوضى المصطلح

كلما أعود إلى شعر الماغوط، تتأكد لي هذه الملاحظة التي أريدها أن تكون خلاصة مساهمتي في هذا الملف عن شاعر أصيل محترم لنقائه وطفولته الشعريتين: لم يكتب محمد الماغوط أشعاره وفق مصطلح “قصيدة النثر” الذي لم يتم طرحه إلا بعد عام على ظهور “حزن في ضوء القمر”، وسنوات على معظم قصائده التي وفقا لسنية صالح أنها كانت مكتوبة كلها في شتاء 1956 وبقيت “مخبأة في الأدراج”… مصطلح أطلق عشوائيا على محاولات كانت تريد إحداث ثورة إيقاعية داخل شعر التفعيلة (صايغ، الماغوط، جبرا).. ناهيك بأن أدونيس الذي اطلق المصطلح انتظر عرضا نقديا لأطروحة دكتوراه لطالبة فرنسية اسمها سوزان برنار في أسبوعية لويس أراغون “الأخبار الأدبية”، حتى يدرك أن هناك شعرا أسمه قصيدة نثر، جاهلا أن ثمة قرنا من النتاج الغزير لهذا الجنس الأدبي غير المشطّر… والأنكى أن مجلة “شعر” لم تبادر أبدا بنشر ملف يشرح قصيدة النثر الفرنسية نموذجا وتنظيرا، لكي يطلع الشاعر العربي الجديد على آفاق شعرية لم يعهدها من قبل.
في نظري أن الماغوط القارئ النهم، الذي عاين عن كثب لغة الواقع البوهيمية بكل تشردها ومتاهتها في شوارع العيش الخلفية، مأخوذا بتدفق الصور وتدفق المعاني بأوزانها الخاصة، دون أن يستذكر العروض والتفعيلات أو يلبي التزاماتها.. كان يكتب شعرا حرا وليس قصيدة نثر. كما أن أي مقطع من شعر الماغوط، حتى الذي نشر بعد ظهور مصطلح قصيدة النثر، يدلل على أنه مكتوب من داخل إطار التفعيلة لكن على نحو طلق وحر:

“لأجلكَ أيّها الطائش
أيّها الرخيمُ كالعصفور
أمسك الملعقة من ذيلها
أمرِّرُها بين نهديّ كالزنبقة
منذ شهور وهو راقد بجوارنا
متلألئا كالسّيف تحت المياه
يكتب ويدخن ويبكي
ولا ينظر إلينا”

 ”غرفة بملايين الجدران” ص 121 (1)

أبيات مصدرها أوزان عربية وفق جوازات شعر التفعيلة، وهذا ما لانراه لا في شعر شوقي أبو شقرا، ولا في شعر أنسي الحاج الذي كان واعيا للمصطلح، ربما ليس على مستوى النموذج الفرنسي، إلا في عدد صغير من القصائد… لكن بالتأكيد على صعيد البيت – الجملة حيث الوقفة / التقطيع أشبه ببداية فقرة جديدة في عمل نثري طويل مقطع إلى فقرات. ومما يؤسف له أن معظم شعراء الشعر الحر اللاحر (قصيدة النثر العربية) وجد أسلوب التشطير كمحاولة توفيقية مع التراث.
الشعر الحر مشتق من المصطلح الفرنسي Vers Libre “الشعر (والمقصود النظم) الحر”، الذي وضعه شاعر الرمزية غوستاف كان عام 1886 أي بعد مرور مايقارب ثلاثين عاما على ظهور قصيدة النثر الفرنسية… ويرتكز على وحدات مقطعية syllabes دون الالتزام بعدد ثابت لها. أي الانتقال من التفعيلة الثابتة إلى الإيقاع النبري المنفتح. وشعر التفعيلة العربي لايختلف كثيرا عن المبدأ فمرتكزه الوزني هو أيضا وحدة التفعيلة دون الالتزام بعدد ثابت من التفعيلات (2). على أن ما حصل من تطور أساسي للشعر الحر الفرنسي خلصته نهائيا مع ظهور السوريالية، من وحدة التفعيلة. الشيء نفسه حصلَ عندنا لكنه لم يؤخذ كتكملة لشعر التفعيلة، ولا كتطور منطقي للإيقاع الموسيقي يمليه روح العصر… وما ديوان “ثلاثون قصيدة” (انظر أنه لم يلحقها بـ”نثر”) لتوفيق صايغ، المطلع على تطورات الشعر الحر الأمريكي، سوى علامة من علامات هذا التطور (أُجهِضَ في مهده) الذي كان يجب أن يُفهم على هذا النحو وليس على النحو الخاطئ الذي حد من ديناميكة مشروع الشعر الحر وحجب كل الآفاق التي كانت ممكن احتضانها كما حصل في العالم، وبالتالي شوّه حقيقة قصيدة النثر على أنها تصد لشعر التفعيلة، وليس كجنس أدبي مستقل. وتجدر الملاحظة هنا إلى أن توفيق صايغ كان واعيا إلى أن شعره ليس قصيدة نثر وإنما شعر حر، وذلك بمحاولته التمييز بين ما سمي خطأ قصيدة النثر العربية كتمرد على شعراء التفعيلة، وبين قصيدة النثر الحقيقية كنمط أدبي جديد، فنشر في مجلته “حوار” عددا من النصوص الشعرية (لتيريز عواد، أسعد عاصي، يوسف غصوب الخ وهي أقرب النماذج الشعرية المكتوبة بالعربية آنذاك إلى نموذج قصيدة النثر الأوروبية)، تحت عنوان “شعر بالنثر” وهي ترجمة للمصطلح الأمريكي: Poetry in Prose الذي بدأ بالانتشار في أمريكا اعتبارا من منتصف خمسينات القرن العشرين ويطلق على نتاج قصيدة النثر الأمريكية.
كما أن الأعمدة الثلاثة لقصيدة النثر الحقيقية (إيجاز/ توتر/ جُزاف)، فقلما تتجلى في شعر الماغوط… ذلك أن الماغوط في قصائد كثيرة، يبقى يلهث دون توقف… بل ما إن يتجلى التوتر في شعره حتى يضيع في اللوذعية والضحك والسخرية الواقعية من العالم. وهذا بسبب ميله إلى مسرح شعري عابث ينطوي على خطة ملفقة في ذهن المؤلف… وهذا تهديم للعمود الثالث “جزاف” أي أن تكون مادة القصيدة حادث لا معنى له ولا غرضية شخصية.
باختصار: محمد الماغوط شاعر بكل ما تحمله هذه الصفة من تأويلات، إمكانيات وأضغاث أحلام… فمكانه ساطع في شمس الشعر الحر التي حجبها شعراء التفعيلة ورهط من جهلة النقاد.

1- انظر اطروحة جان كرمة عن قصيدة النثر العربية، باريس 1981
2- إن اعتبار جبرا إبراهيم جبرا وعبد الواحد لؤلؤة أن “شعر الماغوط وصايغ وجبرا هو الشعر الحر، وليس شعر الملائكة او شعر التفعيلة”، اعتبار خاطئ، ذلك أن تسمية الشعر الحر في فرنسا لم يطلق، في مرحلته الأولى على تجارب شعرية خالية مشطرة من الوزن، وإنما على قصائد تحررت من العدد الثابت للمقاطع، التي يفرضها الوزن الكلاسيكي، لكن شرطك أن يبقى ضمن قوانين تفعيلة الوزن الاكلاسيكي. فقصائد فيرلين هي تحترم البناء الوزني الالكسندراني لكن على نحو متحرر في عدد المقاطع في البيت الواحد… وبقيت التسمية تطلق على كل ما هو مشطر بهذا المعنى أولا، ثم على كل ما هو مشطر وتقطيع لا علاقة له بالوزن الالكسندراني قطعا. وهذا ما نجده في اغلب الشعر المشطر السوريالي، والعالمي منذ الحرب العالمية الثانية، وفي اية لغة أوروبية. إذن وجهة نظري هي ان الملائكة لم تخطأ في اطلاق تسمية الشعر الحر على جل التثوير في تحرير البيت الشعري من الخليل إلى التفعيلة الحرة… لكنها خطأت هي وشعراء التفعيلة وكل نقادنا الجهلاء، بعدم اعتبار التطورات اللاحقة التي ستصيب الشعر المشطر اعتبارا من توفيق صايغ وحتى آخر قصيدة عربية حديثة مشطرة يكتبها اليوم ما يسمى شعراء قصيدة النثر…. تطورات لم تبق من قوانين التفعيلة أي شيء.

الماغوط فقيد فوضى المصطلح.

هذا هو الشعر الحر وليس 
عبدالقادر الجنابي

الحلقة الأولى: نقاط تمهيدية
نحن لم نرافق ولادة المصطلح الثقافي الذي يأتي عبر جهد ورؤى لثقافة حيوية، ولم نتابع سيرورته / تداعياته، مما جعلنا هذا نجهل شروط نموه إلى مصطلح آخر أكثر استقلالية وتحررا في بيئته البعيدة عنا، يحتاج إلى قراءة جديدة خارج معايير معطى ماضيه… لقد عشنا، في خمسينات القرن الماضي وستيناته، مثلا، فورة ثقافية ناقصة تقوم على التعليق وليس على النص؛ على الفرع وليس على الأصل. انبثقت حركة “الشعر الحر” في لغتنا الشعرية، وقدمت أعمالا وأثارت سجالات من كل نوع، ومع هذا قلما تجد واحدا يستطيع أن يوضح ما هو “الشعر الحر” تاريخيا أي ضمن معطياته لدى الآخر الذي أخذنا منه المصطلح.
كان لدينا مترجمون كبار نعتمد عليهم اعتمادا كليا خصوصا في مجال الآداب الأجنبية: جبرا ابراهيم جبرا، احسان عباس، محمد يوسف نجم، سلمى خضراء الجيوسي، جميل الحسني، منح خوري، يوسف نور عوض، نظمي لوقا… وقد قاموا بمساعدة مؤسسات كفرانكلين وغيرها، بترجمة كتب نقدية حول الشعر، من بينها: “الشعر والتجربة” لماكليش، “شعراء المدرسة الحديثة” لروزنتال، “فائدة الشعر وفائدة النقد” لاليوت، “مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق” لديفيد ديتشس.. الى اخر الكتب التي كان الشاعر الطالع آنذاك يقرأها بنهم.. ومع هذا ظل جاهلا في قضية “الشعر الحر”، بالرغم من أن الشعراء المدروسين في هذه الكتب اغلبهم من رواد الشعر الحر. وأحد الأسباب هو أن هذه الكتب مكتوبة لقراء لهم أصلا معرفة أولية وأساسية بالمصطلح النقدي المعني مما لم يجد مؤلفو هذه الكتب حاجة إلى إعطاء تعريف مدرسي وتاريخي لمصطلح الشعر الحر، مثلا، بل فضلوا أن يتبحروا في النظريات النقدية التي أفرزتها تجارب الشعر الحر، دون تزويدنا بخلفية مجمل المفاهيم المتناولة في كتبهم..
عندما يسعف الحظ أحدنا بأن يعيش في دولة أوروبية، فسرعان ما يندهش من جهله المطبق بشتى الأمور الصغيرة التي كان يدعي معرفتها. أتذكر كم كان كتاب والاس فولي “عصر السوريالية” مطلوبا وكأنه الكتاب المقدس في ستينات بغداد، بينما ما إن توفرت لي بعض مصادر السوريالية الحقيقية في لندن وباريس، حتى تبيّن لي كم بعيد “عصر السوريالية” من أبسط مفاهيم السوريالية.. والصادم إني لم أجده مذكورا في كل قوائم المراجع التي وضعها مؤرخو السوريالية في نهاية كتبهم، وإذا أشير اليه في كتاب ما، صدفة من باب ذكر كل ماصدر عن السوريالية، فدائما مع جملة موضوعة بين قوسين (المؤلف في قمة التشويش والتخبط). بينما كان هناك في الانجليزية في منتصف الستينات كتاب قيم لماتيوس: “مدخل إلى السوريالية”، وهو الكتاب الأول من مجموعة كتب مذهلة حول السوريالية، ثاقبة في عرضها وتحليلها وكأنها تكاد تكون مكتوبة من داخل الحركة السوريالية، كان صديقا لي سبق له أن اشترك بمقال في مجلتي الانجليزية Grid. توفي ديسمبر 1986.
أما الذين كنا نتصورهم متفهمين ومطلعين بعمق على تاريخ المصطلح كالشعر الحر مثلا، وتطوراته، لم يكن هؤلاء، في الحقيقة أقل جهلا من قراء لا يعرفون لغة ثانية. خذ مثلا جبرا إبراهيم جبرا الذي قال أن شعر الملائكة والسياب لا تصح تسميته بـ”الشعر الحر” وإنما يجب أن تطلق التسمية هذه على شعره هو وشعر توفيق صايغ ومحمد الماغوط. لماذا؟ كيف؟ لم يعطنا تفسيرا مقنعا. لكن لا أدري إذا كان واعيا أن أفضل قصائد حركة الشعر الحر، في نظر النقاد، هي تلك التي كتبها شعراء متضلعون بالعروض الانجليزي إلى حد أنهم عرفوا يتلاعبون بالتفاعيل وبالمقاطع النبرية وغير النبرية لخلق وحدة وزن جديدة لقصائدهم تسمح للعروضيين بتقطيعها واستخراج تفعيلات جديدة اعتبرت فيما بعد تطويرا للعروض المعطى. وخير مثال قصيدة اليوت “أغنية حب جي الفريد بروفروك” المسكونة بخماسي التفاعيل الايامبي الذي برع به اليوت. في الحقيقة ان الكتب التي ظهرت مؤخرا حول مسالة Free Verse تكاد تؤكد أنه ليس هناك “شعر حر” واحد وإنما مئات من “الشعر الحر”، يسكنها شبح وزن ما.. بينما في الفرنسية هناك شعر واحد تتغير فيه فقط مقاربات الطرح من شاعر إلى آخر.
إن شعراء التفعيلة (كالملائكة والسياب والبياتي) هم نقطة الانطلاق الأولى للشعر الحر على الأقل بمفهوم أوائل الشعر الحر الانجليزي… لكنهم توقفوا عند الأسس (عدم الالتزام بعدد ثابت من التفعيلات، تحويل البيت من شطرين إلى سطر، مزج تفعيلات بحر بتفعيلات بحر آخر، الوقفة حيث يريد الشاعر حتى نهاية المعنى، نسف نظام الروي وجعل الصوت متنقلا، عدم خضوع الموسيقى للوزن وإنما لحالة الشاعر النفسية، التدفق)، مثبتينها قيودا خليلية جديدة دون أن يذهبوا أبعد من ذلك. لذلك اوجدت ظروف الرغبة بالتحرر في مطلع خمسينات القرن الماضي مغامرين آخرين كتوفيق صايغ، محمد الماغوط وجبرا ابراهيم جبرا إلى التوسع في امكانيات الشعر الحر وكسر كل قيد سواء كان عروضيا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة أو او بقياسات شعر التفعيلة. كما أن هناك بندا اساسيا في الشعر الحر الأوروبي هو استغلال الطاقة التعبيرية للفقرة النثرية إيقاعيا، وجعل الجملة النثرية جزءا حيا من ايقاع الشعر فيولد شعور لدى القارئ وكأنه يقرأ كلاما نثريا، وصلاح عبدالصبور أجود مثال لهذا في الشعر الحر العربي. كما أذكر القارئ أن صايغ لم يعنون ديوانه الأول “30 قصيدة” نثر… ولم يشر إلى أنه يقدم نماذج قصيدة نثر. كما أن الماغوط لم يشر في أي ديوان من دواوينه قصائد نثر، وإنما شعر وهذا مذكور حتى في لائحة مجلة شعر لكتبها الصادرة، لكنها ميزت ديوان أنسي الحاج “لن” بـ”قصائد نثر”. وفي مقال في مجلة “الآداب” (كانون الأول عام 1962)، شتم فيه جماعة “شعر” واستهزأ بقصيدة النثر حد الاتيان بمقطعين من شوقي ابو شقرا وأنسي الحاج ليبين رداءة قصيدة النثر الذي تفتخر “شعر” بنشرها. وفي نفس المقال كتب الماغوط: “الشعر العربي الأصيل الموزون… يجب ان ينمو أيضا، ويتطور ويتجاوب مع حياتنا الجديدة المعقدة لغة وشكلا ومضمونا”.. وهنا مقطع من قصيدة الماغوط “أغنية لباب توما”، مقطع ينطلق وقعا وتدفقا من القناة اللاوعية لشعر التفعيلة الحر لكن بحرية أكثر، لأن شعر الماغوط بالأخص، هو، بكل بساطة، تطور وامتداد طبيعي لحركة الشعر الحر العربي:
ليتني وردةٌ جوريّة في حديقةٍ ما
يقطُفني شاعر كئيب في أواخر النهار
أو حانةٌ من الخشبِ الأحمر
يرتادُها المطرُ والغُرباء
ومن شبابيكي الملطّخة بالخمر والذّباب
تخرجٌ الضوضاءُ الكسولة
إلى زقاقنا الذي يُنتج الكأبةَ والعيونَ الخُضر
حيث الأقدامُ الهزيلة
ترتع دونَما غايةٍ في الظلام…
عندما كتب الماغوط هذه القصيدة في منتصف خمسينات القرن الماضي، لم تكن هناك امامه نماذج مطروحة كقصائد نثر على الاطلاق، بل حتى لم تكن ثمة تسمية من هذا النوع، وإنما كل ما كان أمام الماغوط من شعر رائج هو شعر منثور أو شعر التفعيلة، وطبعا ديوان توفيق صايغ، وترجمات ليست لها البعد التأثيري لترجمات مجلة شعر فيما بعد. ناهيك أن كل من يقرأ مقطعا كهذا سينتابه شعور عفوي وكأنه يقرأ قصيدة موزونة، بل قصيدة عمودية، سواء كان يعرف العروض أم لا… شعور يستحيل أن يحسه قارئ قصيدة النثر بالمعنى الأوروبي للكلمة. آه لو يظهر ناقد من بين عشرات نقاد الإنشاء الكسالى الذين باتوا مسيطرين على الصفحات الثقافية يتبركون بعبارات مدح على هذا وذاك، أن يعمل فكره ليكتشف لنا ما سمي في الدراسات الانجليزية: “وَحْدات وزنية مفقودة” Missing Measures
إن مواقف الملائكة ضد تطورات تيارها الشعري وتداعياته المتمثلة بشعر الماغوط مثلا، كانت لا تختلف على الاطلاق من تصريحات روّاد الشعر الحر كوليم كارلوس وليامز وباوند واليوت، المضادة لشعر أخذ ينتشر باسم “الشعر الحر” في اللغة الانجليزية، بينما هو في نظرهم شعر نثري، مما حدا بكارلوس وليامز إلى أن يتنصل من صفة شاعر حر، وباليوت إلى نفي وجود شعر حر! وحبذا أن نجد ناقدا واحدا يقوم بمقارنة لدراسة نازك الملائكة في كتابها “قضايا الشعر المعاصر” عن “بداية الشعر الحر وظروفه” مع مقالة تي اس اليوت “الموسيقى في الشعر” و”تأملات في الشعر الحر”، علّ الحقيقة تتضح بأن كل ما في مقالة الملائكة من أفكار هي عين الأفكار التي طرحها إليوت… لكن عن وعي دفاعي يخشى عواقب “التمرد” المنطقية الذي أدعت أنها رائدته.
كما لم يقل لنا جبرا إبراهيم جبرا أيضا لماذا، وهو محقٌ في هذه النقطة، أن تسمية “الشعر الحر” تصح فعلا أن تُطلق على شعره وشعر الماغوط وصايغ. كيف يمكنه إعطاء تفسير نقدي واضح، وهو، بكل بساطة، بالغائه صفة الشعر الحر من شعر الملائكة، عتّم على اللبنة الأولى لما سيتطور طبيعيا (وهذا عين ما كانت تخشاه الملائكة) من نموذج شعري مشطّر يحاذي بل يتمثل شعر التفعيلة في كل شيء ( الصورة، الجناس، الوقفة التي لاتثبت على حال، التدفق…) إلا في احترام شروط التفعيلة المعطاة.. إذ أن هذا النموذج المسمى “قصيدة نثر” اختار بوجه الإيقاع العروضي الوقعَ الانسيابي المعتمد على المعنى أكثر مما على الوزن، وعلى الإحساس أكثر من التفعيلات، معتبرا “إيقاعات النثر التي هي أكثر مرونة وشمولية، مصادرَ عروضية جديدة”، على حد عبارة كلايف سكوت..
إن ما يؤسف إليه هو أن ما يسمى خطأ “قصيدة النثر العربية” (التي لما كانت ظهرتْ لو لم تحدث ثورة الشعر الحر العربي على قيود الأوزان الخليلية) بقيت محتقرة عَروضيا حتى يومنا هذا، رغم أن لها تجارب منذ اكثر من نصف قرن، لم تجد متبحرا واحدا في العروض العربي، يخصص وقته للعثور على تفاعيل / ابحر غير معروفة للأذن العربية في عدد كبير من أفضل ما كتب تحت هذه اليافطة الخاطئة: قصيدة نثر، ويقوم بقراءة تقطيعية جديدة لها.
لقد التفت ابن خلدون، دون توضيح مسهب، إلى أن هناك أوزان لم يعرفها العرب في ظروفهم آنذاك: “… ليس كل وزن يتفق في الطبع، استعملته العرب في هذا الفن، وإنما هي أوزان مخصوصة تسميها أهل تلك الصناعة: البحور. وقد حصروها في خمسة عشر بحرا، بمعنى أنهم لم يجدوا للعرب في غيرها من الموازين الطبيعية، نظما”!
نحن اليوم في مطلع الألفية الثالثة، وما لم يجده العرب في سالف خيامهم نظما، هو اليوم يتدفق معا شكلا ومضمونا على اسفلت العولمة، يتفق في الطبع والذهن، في الروح والجسد: إنه وزن آخر من جل الموازين الطبيعية التي لم يعرفها عرب الألف الأولى.
***
كانت هناك عدة كتب بقلم كتاب كبار تناولت مسألة “الشعر الحر”، وباللغة الانجليزية التي ادعى هؤلاء السيطرة عليها: للمثال كتاب مانسيل جونز عن “الشعر الحر” طبع عام 1951 في اكبر دار نشر يعرفها بالأخص مترجموننا هؤلاء: كيمبريدج، واعيدت طباعته عام 1968. وهو يعتبر من أهم المراجع الأولى حول حركة الشعر الفرنسي في فرنسا.. وبلغة واضحة مع شهادات مؤسسي الشعر الحر الفرنسي… ويتناول الخلفية التاريخية التي مهدت للشعر الحر الفرنسي، ومن بين هذه التمهيدات قصيدة النثر.. شيء جيد أن يعرف القارئ أن قصيدة النثر الفرنسية كان لها دور في انبثاق الشعر الحر وليس كما عندنا وعلى نحو خاطئ، كما سأبين فيما بعد.
لماذا لم يُترجم هذا الكتاب الذي ظهر في السنوات الأولى من ميلاد حركة الشعر الحر في العالم العربي، وبالأخص أنه يضيء جوانب عديدة كان النقد العربي آنذاك مثلما اليوم في أشد الاحتياج إليها لتقوية أدواته النقدية في مسألة الشعر الحر التي تكاد تكون ترجمة حرفية للشعر الحر الغربي. بل لكان قد قرأ القارئ العربي أول تقديم تعريفي لمصطلح قصيدة النثر فتترسخ في ذهنه بعض مميزات هذا الجنس الجديد، ولربما لدفع التعريف عذا عددا من الشعراء الشباب آنذاك لارتكاب قصائد نثر عربية رائدة بالمعنى الصحيح للمصطلح (انظر مقالتنا التعريفية).
ومن غريب الصدف أن هذا الكتاب يبين لنا أن الشعر الحر الفرنسي أيضا رافقته سجالات من كتبَ أولا قصيدة حرة؟ “غوستاف كان” أم “جول لافورغ”، والنقاش جد حاد بين قصائد الاثنين إذ تتقارب تورايخ نشرها (كما عندنا: أيٌّ كانت أولَ قصيدة حرة: “كوليرا” الملائكة أم “هل كان حبا” للسياب)، وأن الشعر الحر مؤامرة أجنبية لتهديم نقاء اللغة الفرنسية بتهديم عموده الأساسي البحر الاسكندراني (كما أشيع عندنا في خمسينات القرن الماضي بأن الشعر الحر مؤامرة لزعزعة التراث العربي)، وأن الترجمة الفرنسية لبعض قصائد ويتمان هي التي مهدت الطريق لظهور الشعر الحر، وأُستعملَ في هذه الترجمة أسلوبٌ وزني سيعرف فيما بعد باسم الشعر الحر وكان له دور مؤثر على “كان” و”لافورغ” الذي قام بترجمة ويتمان، وهذا الاعتبار لا يختلف عن طروحات عدد من النقاد العرب بأن ترجمات باكثير لشكسبير سبقت نماذج الشعر الحر العربي الأولى وكان لها دور مؤثر على الملائكة.
***

 

من خلال بحثي عن مصادر تتناول قضية “الشعر الحر”، وجدت ما يقارب 9 كتب حديثة بالانجليزية ساذكرها في مراجع الحلقة الثانية من هذا المقال، أما في الفرنسية فلم أجد (طبعا باستثناء التعريفات المقتضبة التي نجدها في المعاجم الفرنسية) سوى كتاب صغير واحد (70 صفحة من القطع الصغير) يتناول الشعر الحر: “أوائل شعراء الشعر الحر” وهو محاضرة ألقاها احد روّاد الشعر الحر: ادوار دوجاردان في السوربون عام 1922. بينما في الانجليزية هناك عشرات الكتب ومئات المقالات التي تتناول قضية الشعر الحر… وخصوصا خلال السنوات العشر الأخيرة، ظهرت كتب عميقة تعيد النظر في كل مسالة الشعر الحر بأسلوب ممتع وصارم مصطلحيا. وقد يستغرب القارئ متسائلا: كيف والشعر الحر الانجليزي هو ابن الشعر الحر الفرنسي؟ لكل شيء جواب، وهنا جزء بسيط منه: أن الشعر الفرنسي مقطعي أي وحدته الوزنية تقوم على عدَ المقاطع اللفظية وتساويها من بيت إلى آخر. وتجدر الإشارة هنا إلى أن رسالة البيان التحرري من العروض الكلاسيكية، لحركة الشعر الحر تتجلى في حذف s الجمع من كلمة Libre وكلمة Vers في المفهوم اللساني الكلاسيكي هي دائما جمع لأن البيت الاسكندري يتكون من شطرين لذلك أي نعت يضاف الى Vers ، كما في تيار Vers Libérés ، فأن s الجمع يضاف.
بينما اللغة الانجليزية لغة نبرية ومن هنا تقوم وحدة الوزن الشعري على تفعيلة مكونة من مقطعين كما في البحر الأكثر شيوعا الايامبي، وعلى ثلاث مقاطع كما في البحر الانابيست. على أن القياس الوزني للتفعيلة في الشعر الحديث يقوم على المقاطع المنبورة وغير المنبورة على عكس ما كان معروفا في الشعر الانجليزي الكلاسيكي المقطع الطويل والقصير. لكن في الشعر الحر، كما اوضح باوند: “يمكن تشخيص التفعيلة، المتفق عليها في الشعر الكلاسيكي، لكن الوزن، كما هو معرف تقليديا، لا يظهر”. أو بعبارة اليوت الشهيرة: “على شبح وزن بسيط ما، أن يترصّدَ من وراء الستارة حتى في الشعر “الأكثر حرية”؛ فيتقدّم على نحو مهدّد ما إن نغفو، ويتراجع ما إن نصحوا. الحرّية حريةٌ حقا عندما تظهر إزاء قيد مصطنع”. ومعظم الدراسات المعاصرة للشعر الحر المكتوب باللغة الانجليزية، تحاول تقطيع هذا الشعر وايجاد وحدات وزنية شبه مفقودة تتوافق، بشكل ما، مع وحدة الوزن المعروفة.
هذا شيء لا وجود له في الشعر الفرنسي، إذ كل ما يحتاجه التحرر من قيود الوزن عند الشاعر الفرنسي هو إلغاء حساب المقاطع لاغير (طبعا ينحو كل شاعر حقيقي إلى الاعتناء بتقطيع يتقاطب ووقع أحاسيسه وأسلوب يتماشى وتدفق أفكاره). وعندما يلغى عَـدُّ المقاطع ويعود الشاعر لا يفكر به، لا تعود هناك التباسات كثيرة مثلما موجود في الشعر الحر الانجليزي، تحتاج إلى شروح ومساجلات، وكما وضح دوجاردان: “الشعر الحر يجهل عدّ المقاطع syllabes “. ناهيك أن ظهور السوريالية نسف فكرة وجود “فن شعري”، نموذج يُتبع، إذ أعادت السوريالية للمخيلة البشرية حقها الأساسي باتخاذ الشكل الذي يتدفق في آن مع تعبيرها.
***
أما حركة “التصويريين” التي اطلقت الشعر في اللغة الانجليزية، فليس هناك مرجع عنها بالعربية.. والأنكى أنه كانت هناك فرصة كان يمكن للقارئ العربي أن يطلع من خلالها على هذه الحركة تعريفا ونقدا في الكتاب الذي اشترك فيه عدد كبير من الاخصائيين، حرره لدار بنغوين مالكولم برادلي وجيمس ماكفارلن: “الحداثة”.. والذي قام بترجمته الى العربية مؤيد حسن فوزي وصدر بجزئين في بغداد (1990)… إلا أن المقال المتعلق بحركة “التصويريين” لم تتم ترجمته وحذف من الطبعة العربية لسبب جد بسيط هو ان كاتبه نتان زاخ شاعر إسرائيلي، وثقافة اللاتطبيع تتطلب هذا التجهيل! لحسن حظ القارئ ان كاتب مقال “قصيدة النثر والشعر الحر” كلايف سكوت لم يكن إسرائيليا. فمقاله رغم الترجمة الركيكة يسلط بعض الضوء على هذين الجنسين المنفصلين. وتجدر الاشارة هنا إلى أن لكلايف سكوت كتابا جد مهم بالانجليزية حول “الشعر الحر”: يتبع فيه طريقة جديدة نبرية يستطيع اثبات أن عددا من قصائد الشعر الحر الفرنسي الرائدة مهما تحررت لم يمكنها الابتعاد عن النموذج المتمردة عليه.
هناك معجم جد كبير حرره الأديب الراحل مجدي وهبة صدر عن مكتبة لبنان: “معجم مصطلحات الأدب”. ومن المعروف أن مجدي وهبة شخصية ثقافية متبحرة في علوم الأدب، ومعجمه هذا يدل على المام كامل بكل مصطلحات الأدب، مستعملا طريقة جديدة يقدم مقتبسات بالانجليزية والفرنسية لأدباء أجانب كبار تعرف مفهوم الشاعر، ثم يقدم تعريفا مفصلا تارة وتارة مقتضبا بالعربية.
لكن… مما يؤسف له أنه أولا، لم يكتب إشارة واحدة إلى جنس “قصيدة النثر”، وكأنها غير موجودة مع العلم أن تعريفا بها مذكور في كل المعاجم الفرنسية والانجليزية التي استعان بها. وثانيا خلط في تعريفه بالعربية لـ”الشعر الحر”، بين مميزات اتجاهين مختلفين: هما Vers libérés أي “الشعر المُحرّر” أو المتحلل من بعض قيود وزنية لكن دون المس بأسس العروض الفرنسي وأفضل من يمثل هذا الاتجاه هو بول فيرلين، وتيار Vers libre “الشعر الحر” المتحرر كليا من قواعد العروض الفرنسي.
***
هناك أخطاء فادحة شائعة وسط الشعراء والنقاد وأتباعهم القراء:
بأن فيرلين هو رائد الشعر الحر بينما كان من أكثر المتحفظين على تيار الشعر الحر Vers libre وعلى عكس مالارميه الذي رحب بالشكل الجديد مع التزامه كتابيا بالبحر الاسكندري (وسمي نسبة إلى ملحمة كتبت في تمجيد ألكسندر ذي القرنين يتكون فيها البيت الشعري من شطرين تفصلهما فاصلة وزنية وفي كل شطر ستة مقاطع). لم يكتب بول فيرلين قصيدة واحدة تعتبر شعرا حرا، على العكس أنه كتب قصيدة ابيغرام الشهيرة يستهزئ فيها من هرولة الجيل الجديد الى كتابة الشعر الحر.
وبأن بودلير اخذ من وولت ويتمان، بينما لم تترجم بعض قصائد ويتمان الا بعد موت بودلير وليست هناك وثيقة واحدة تؤكد أن بودلير قرأ ويتمان او سمع به، بل على العكس، إن ويتمان هو الذي سمع ببودلير عن طريق مقالة لسان بوف ترجمت إلى الانجليزية يتطرق فيها إلى أفكار بودلير في مفهوم الحداثة، وقرأها ويتمان واقتبس منها مقطعا لبودلير، في مقدمته لـ”اوراق العشب”.
وبأن الشعر الحر الأوروبي غير موزون… وبأن الشعر الحر الأوروبي موزون… وبأن التحرر من الوزن نفسه في فرنسا كما في ألمانيا، أو انجلترة، بينما كل لغة لها إيقاعها العضوي الذي يفرض في نهاية الأمر مسار التحرر من قيوده… وبأن بأنّ، بأنّ، بأن الخ.

الحلقة الثانية: انبثاق حركة الشعر الحر في فرنسا، دور الترجمة الفرنسية لبعض قصائد ويتمان، الإحياء الانجليزي للشعر الحر

هذا هو الشعر الحر وليس.

Powered by Qumana

Issa Makhlouf

1955 (Zghorta, Liban)-

 

Poète et essayiste, Issa Makhlouf est docteur en anthropologie sociale et culturelle. Il réside à Paris depuis 1979. En 1983, il fonde la section culturelle de la revue al-Yom Assabeh (Le septième jour). Journaliste, il travaille à la radio arabe de l’Orient qui émet de Paris. Traducteur et auteur de divers recueils poétiques en arabe et en français, on retiendra notamment Face à la mort, une étoile a ralenti (1981), Statues pour la clarté du jour (1984), La solitude de l’or (1992) et Rêves d’Orient (Borges aux confins des mille et une nuits (1997).

 

 

Nous voyageons

 

Nous voyageons

Pour nous éloigner de l’endroit qui nous a enfanté et voir l’autre côté du levant.

Nous voyageons à la recherche de nos enfances, des naissances qui n’ont pas encore eu lieu.

Nous voyageons pour achever les alphabets incomplets.

Pour que l’adieu soit merveilleux, plein de promesses.

Pour nous éloigner comme le crépuscule qui nous accompagne et nous fait ses adieux.

Nous déchirons les destins et éparpillons leurs pages dans le vent avant de trouver – ou ne pas trouver – notre histoire dans d’autres livres.

Nous voyageons vers des destins non écrits.

Pour dire à ceux que nous avons rencontrés que nous reviendrons les voir de nouveau.

Nous voyageons pour apprendre le langage des arbres qui ne voyagent pas.

Pour faire briller le tintement des cloches dans les vallées saintes.

Pour chercher des dieux plus miséricordieux.

Pour ôter aux étrangers les masques de l’exil.

Pour confier aux passants que nous sommes comme eux des passants, que notre séjour est éphémère dans la mémoire et l’oubli.

Loin des mères qui allument le cierge de l’absence et aplanissent la couche du temps chaque fois que leurs mains s’élèvent vers le ciel.

Nous voyageons pour ne pas voir nos parents vieillir et ne pas lire les jours sur leurs visages.

Nous voyageons à l’insu des vies gaspillées d’avance.

Nous voyageons

Pour avouer à ceux que nous aimons que nous les aimons toujours, que l’éloignement ne saurait nous étonner, que les exils sont aussi doux et frais que les patries.

Nous voyageons pour sentir qu’au retour au pays nous sommes partout des étrangers.

Patrie, première émigration. Ainsi subitement, nous éloignons nos ailes des balcons ouverts au soleil et à la mer.

Nous voyageons pour abolir toute différence entre les airs, les eaux, le ciel et l’enfer.

 

2

 

Nous nous moquons du temps. Nous nous asseyons et regardons l’horizon. Nous voyons les vagues sautiller comme des enfants. La mer fuit devant nous entre deux bateaux : l’un en partance, l’autre, en papier, dans la main d’un enfant.

Nous voyageons comme le clown qui se déplace de village en village, et avec lui ses animaux qui donnent aux enfants leur première leçon d’ennui.

Nous voyageons pour tromper la mort et la pousser à nous poursuivre d’un endroit à un autre.

Et nous voyagerons jusqu’à ce que nous ne retrouvions plus notre trace.

Pour nous perdre et que personne ne nous retrouve que lorsqu’il sera trop tard.

 

(Traduit par l’auteur, revu par Mohamed al-Yamani)


 Issam Mahfouz

1939 (Marjayoun, Liban)-

 

Issu de l’équipe de la revue de Youssef al-Khal, Ch’ir, Issam Mahfouz est un poète, un essayiste et un auteur dramatique reconnus. Critique et directeur littéraires durant de longues années au journal an-Nahar, son goût du jeu le pousse, en 1999, à quitter ce quotidien, où il a fait toute sa carrière, pour tenter l’aventure du nouvel organe de presse Al Moustaqbal. Ses premiers recueils de poésie : Choses mortes (1959) et Les herbes de l’été (1961) révèlent aux cercles littéraires d’avant-garde libanais un poète sensible et nostalgique. Une anthologie de ses poèmes Première mort (1973) inspire ce commentaire à Vénus Khoury-Ghata : « Issam Mahfouz est un architecte du poème. La femme aimée devient un personnage. Les gestes, les mouvements sont réglés selon une nécessité intérieure ; la lumière elle aussi a son rôle à jouer dans ses poèmes mis en scène, mis en pages ; même le rideau, qui est chez-lui un mot-clé, contribue à signifier la transposition sur une scène [puisque] sa poésie est le prolongement de son théâtre ».

 

 

Fatigue d’un soir de trente-deux décembre

 

J’ai laissé à ta porte toutes choses

Les fées de la maison et les psaumes

Les avions et les bateaux en papier.

J’ai laissé à ta porte toutes choses

Hier quand je t’ai quittée.

 

Plus je vais loin

Plus mes cheveux s’allongent

Plus mes mains s’allongent

Plus je vais loin

Plus il me semble voir ton ombre derrière moi.

 

La terre tourne.

 

Les fruits de l’hiver et de l’été entre mes yeux

Le soleil et l’automne entre mes yeux

Et tout l’or du monde

Et moi

Et toi.

 

Entre nous deux un signe

Un théâtre ambulant

Une épée d’argent

Un corbeau perdu.

Entre nous deux un arc-en-ciel.

Tes amants sont nombreux et m’ignorent

Tes objets sont partout

Tes prix

Tes médailles

Tes livres

Tes domestiques

Les cireurs de tes souliers

Et moi je regarde et j’oublie.

 

Quand tonnent les grèves

Quand se font écraser les armées

Et les mots justes et les cris

Je sens ton odeur.

Quand surviennent les pleurs et le pain piétiné

Les routes désertes et la Marseillaise

J’entends ta voix.

Quand j’entends ta voix

Quand j’entends le cor des chasseurs

J’entends ton silence.

Quand je me dénude devant le miroir

Je m’esclaffe et caresse mon sexe,

Quand je mets ma main

Sur ma main

Et que je me noie dans le miroir

Je te vois.

Quand me prend un chant

Et des crépuscules blancs

Quand je parcours des routes et des routes

L’heure qui précède le sommeil

Je sens ton souffle.

 

Je t’enterre dans les promenades

Dans les conversations

Dans les mots

Tu lèves la tête.

Je me suis épuisé à marcher

La route est longue et tu es derrière moi

Je te perds dans les jours de travail

Et tu me trouves.

Je te disperse dans des rires

Et des gestes étudiés

Et tu te ramasses devant moi.

Je te cache parmi les papiers et les lettres

Je te presse entre mes bras

Entre mes lèvres

Entre deux frissons

Et tu me dévoiles.

Je te crucifie avec les rois des cartes à jouer

Avec les chiffres qui gagnent et qui perdent

Et tu descends vers moi.

Je t’emprisonne dans mes coffres

Dans les boîtes de mes tristesses

Et tu t’échappes.

Je te dispute aux gens de l’intérieur

Je te dispute aux gens de l’extérieur

Et tu files.

Je te trahis dans les esplanades

Dans les cafés

Dans la salle de cinéma

Dans les fêtes

Dans les conférences

Dans les boutiques et dans les marchés

Achalandés ou non

Pour quelque chose pour rien

Et tu me pardonnes.

Il n’y a plus de planète pour m’échapper

Il n’y a plus de lieu

Il n’y a plus de temps.

Je reste debout

Sur le sommet

Entre moi et la terre

Une distance pour tuer

Entre moi et la terre toi.

 

Peux-tu me pousser avec la pointe de ton doigt sacré

Peux-tu me pousser

Peux-tu me pousser.

(Vénus Khoury-Ghata, A. K. El Janabi et Mona Huerta)


Dhabya Khamis

1958 (Dubaï, émirats Arabes Unis)-

 

Dhabya Khamis a fait ses études aux états-Unis et en Angleterre. Journaliste de télévision elle a publié deux recueils de nouvelles, un essai sur la poésie et le féminisme et a traduit la poésie d’avant-garde européenne. Divers recueils poétiques sont à noter à son actif. Parmi eux, on retiendra Un pas sur la terre (1981), Poèmes d’amour (1985) et Un suicide très tranquille (1992). Vive et ardente, sa poésie s’inscrit dans un courant de lutte pour la liberté de la femme.

 

 

Langue secrète

 

La peau de la femme rêve à celui qui la lèche

Sa chevelure rêve à la main qui la démêle

Sa main rêve à la sueur nichée au creux de l’autre main

Ses deux lèvres rêvent à l’ardeur du baiser

Ses deux genoux rêvent à deux baisers différents

Le téton rêve d’un ardent téteur de sein

Le cou rêve à celui qui l’embrasse avec une tendresse douloureuse

Le corps rêve à celui qui l’étreint sans répit

Le cœur rêve que ses battements conversent avec un autre cœur

L’esprit rêve à celui qui l’héberge

Les deux pieds rêvent de marcher avec cet hôte

Et les deux bras rêvent de le bercer pour l’endormir

Les deux yeux rêvent à une langue secrète qui n’a pas besoin de mots

L’oreille rêve d’entendre son nom dans l’imagination de l’autre

Quand tout est sec, les rivières rêvent d’exubérance.

 

 

Esprit ancien

 

Les mots sont des têtes surgissant du nombril de la vie

Comme toi qui, d’une galaxie mystérieuse, viens me rejoindre

Tendres sont tes yeux qui lavent mon visage de rosée

Les pieds de l’ange fugace ont trébuché

Sur la rose inattendue de l’amour

Il existe des choses et des situations que l’on n’ose invoquer

Mais que l’on désire avec une piété ardente

On voudrait que l’univers nous les offre

Sans que le moindre son jaillisse de nos lèvres

Ce sont les traces des royaumes de l’esprit ancien

Qui, en nous, subsistent

Et que la main de la connaissance n’a pas atteint.

 

Naphtaline

 

Piège de l’existence conduisant

à un suicide exemplaire

Telle est la vie ordinaire d’un corps

Qui mange, dort et observe le monde

Jusqu’à être envahi de naphtaline

Apogée des désirs accomplis.

 

Visage sans surprise

Et choses abandonnées par la chaîne des temps.

 

(Antoine Jockey, A. K. El Janabi et Mona Huerta)


عبدالقادر الجنابي


نشر محمد بنيس، في جريدة “القدس العربي” (يوم 2، و3 آيار)، مقالا حول مؤتمر قصيدة النثر في بيروت. هنا تعقيب نشرته “القدس العربي” يوم الثلثاء 6 آيار 2006

قرأت مقالة محمد بنيس، ووجدت فيها ملاحظات مهمة خصوصا في الجزء الأول منها… بعضها يكاد أن يكون معروفا في كتب النقد والآخر تكرارا حرفيا لما كتبته، مثلا، في كتابي “رسالة مفتوحة إلى أدونيس”: “إن المرعب في الأمر هو أن أدونيس انتظر ظهور أطروحة دكتوراه لطالبة اسمها سوزان برنار، حتى يدرك أن هناك شعرا أسمه قصيدة نثر، جاهلا أن ثمة قرنا من النتاج الغزير والتطورات حد أن قصيدة النثر نفسها لم تعد تسمى قصيدة نثر وإنما قصيدة فحسب” (دار الجديد، بيروت 1994/ صفحة 52). أو حول أهمية كتاب برنار سوزان، في كتابي الذي صدر عن دار النهار (2001) “الأفعى بلا رأس ولا ذيل: انطولوجيا قصيدة النثر الفرنسية”: “… في نظر النقاد، لطروحات سوزان برنار أهمية واحدة في فرنسا هي تذكير الجامعة بقصيدة النثر كجنس أدبي يجب أن يُدرس (صفحة 137). وبالمناسبة الأنطولوجيا هذه عُتم عليها، رغم أنها أول تعريف دقيق بقصيدة النثر عبر النموذج والتنظير (ويجد معظم مواد الكتاب في ثقافات إيلاف)… وكما كتبت في النسخة المهداة إلى الصديق أمجد ناصر: “تصور ماذا كان سيحدث للشعر العربي لو كانت هذه الأنطولوجيا قد صدرت عام 1960؟ “. أنا أعتقد أن الخطأ الرئيسي الذي ارتكبته مجلة “شعر” هو انها لم تخصص أي عدد، أو ملف، لنموذج قصيدة النثر الفرنسية، وإنما اكتفت بمقالة أدونيس الذي لا توحي أنه قرأ الكتاب وإنما قرأ عرضا صحافيا طويلا للكتاب نشرته أسبوعية لويس أراغون “الأداب الفرنسية”. (سأدلل بالنص على ما أقول في مناسبة أخرى). أما ملاحظته حول عدم ذكر قصيدة النثر في مؤتمر روما، فالجواب هو أن مجلة “شعر”، خصوصا في حقبتها الأولى، كانت تعتبر كل محاولات الماغوط، شوقي أبي شقرا وآخرين شعرا حرا وليس قصيدة نثر والبرهان ان الخال في إحدى إعلانات مجلة شعر للكتب التي صدرت عن دار “شعر”، لم يعرف أي كتاب شعري بقصائد نثر، وإنما بـ”شعر”، باستثناء “لن” أنسي الحاج الذي عرّفه كقصائد نثر.

دفعتني مقالته، من ناحية أخرى، إلى أن أتساءل: لماذا لم نر لمحمد بنيس قبل هذه الآونة أي إيضاح، أو مقال نقدي أو عرضي حول فوضى مصطلح قصيدة النثر؟ مع العلم أنه أصدر كتبا عديدة تتناول الشعرية العربية الحديثة، بل حتى لم ينشر في دار توبقال كتابا واحدا يتناول مسألة قصيدة النثر أو أنطولوجيا لقصيدة النثر… لماذا الآن وبهذا النفس اللاهث بمونتاج من الاقتباسات التي غالبا ما ينقصها رابط منهجي، بل منزوعة من سياقاتها النظرية كعبارات مالارميه التي هي تتعلق بـ”أزمة النظم” وعبارات باوند المتعلقة بقضايا الشعر الحر، وليست أبدا في مسالة قصيدة النثر…. هكذا نتفة من هنا ونتفة من هناك حتى يبدو وكأنه قد أطلع على كل التجارب والأفكار وهو العارف الوحيد بباطن الأمور، بينما تكشف مقالته عن خلط واضح وفهم غير دقيق لكثير من الأمور التي تطرق إليها. فمثلا أطلق جزافا “آية توراتية” على قصيدة يوسف الخال لأنها تناولت موضوعا مسيحيا. أين هو التفخيم أو الاسترسال المديد النفس الذي هو من صلب الآية” سواء كانت توراتية أو على طريقة سان جون بيرس. قصيدة يوسف الخال التي اخترتها في كتابي وفي مختارات “القدس العربي”، أولا لأنها مكتوبة عن وعي كقصيدة نثر ويجب أن تُضم مثلما ما يقارب ثلاثين قصيدة في كتاب بودلير لا يعتبره بعض النقاد قصائد نثر وإنما طروحات فلسفية ويوميات ومع هذا تؤخذ كقصائد نثر بل كقصائد مؤسِسة، وثانيا قصيدة الخال هذه على عكس الآية تنطوي على عنصر سرد واختصار وتوتر ربما إيماني لكنه جزء من عناصر قصيدة النثر، بل حتى على عنصر اللاغرضية، إذ لم تنطو على حكمة أخلاقية واضحة ولا نهاية معلومة من تناوله “العشاء الأخير”. وهناك عشرات من قصائد النثر الفرنسية التي تتناول مواضيع مسيحية كقصائد السجالي المسيحي ليون بلوا في نهاية القرن التاسع عشر، بل النبرة المقطعية في قصيدة الخال، تتواجد في عدد كبير من قصائد النثر الأمريكية المعاصرة.

في نظري، لم يأت محمد بنيس، في كل هذه المقالة، بجديد مفيد يدخل في صلب النقاش الدائر حول قصيدة النثر، سوى اعترافه بأنه هو “الآخر وقع ضحية عدم تدقيق الترجمة، عندما استعمل، من قبل، المتداول من غير انتباه”، موضحا “إن الشاعر العربي، الذي لم يعرف قواعد (لا أقول قوانين) هذا الجنس، ظن أن ما يكتبه في شكل أبيات شعرية تتخلي عن الوزن (والقافية)، هو قصيدة نثر، فيما كل استعمال للبيت، بصرف النظر عن شكل البيت، يخرج القصيدة، في عرف معلميها، بودلير وملارمي، ونقادها ومنظريها، من قصيدة النثر ويلحقها مباشرة بالقصيدة، قصيدة الأبيات… وعندما نكتب قصيدة أبيات غير موزونة (وغير مقفاة، لأن هناك من ينبذ الوزن ولكنه يستحلي القافية) فلنا آنذاك أن نبحث لها عن اسم وعن تصنيف”. حبذا لو يعترف كل شعراء قصيدة النثر العربية المشطرة بهذا، ويحاولون إيجاد اسم آخر غير قصيدة نثر، على جل نتاجهم المشطر أبياتا سواء موزونة أو غير موزونة.

لكنني أستغرب من ترجمة محمد بنيس لعبارة Poème en prose بـ”قصيدة في حالة نثر”، وحرف الجر الفرنسي هنا En  لا يعني بتاتا “في” أو “في حالة”، وإنما يدل على “مادة” أي أن القصيدة “مادتها en” نثر. (افتح أي كتاب مدرسي يتعلق بالنحو الفرنسي وكتاب صعوبة اللغة الفرنسية وتجد معنى حرف الجر الفرنسي هذا في هذا الاستخدام « En » désignant la matière، ولذلك اتفق النقاد الأمريكان والانجليز كلهم على ترجمة المصطلح الفرنسي بـ Prose poem وليس بـPoem in prose كما حاول البعض ترجمته في بدء خمسينات القرن الماضي، وترجمه توفيق صايغ في “حوار” بـ”شعر بالنثر”)، لأن المعنى المراد هو “القصيدة مادتها نثر” أي “النثر قصيدةً” وليس القصيدة في حالة من النثر. كما أن من الخطأ جعل بودلير ومالارميه سيدين مطلقين، فقصيدة النثر لم تكتمل ولم تصبح جنسا أدبيا إلا على يد ماكس جاكوب الذي خلص قصيدة النثر من الأغراض الرمزية والبلاغة البارناسية ومن أسلوب اليوميات، ووضعها في كتلة مؤطرة ترتكز على ثلاثة أعمدة: ايجاز، توتر ولا غرضية، أعمدة يتفق عليها جميع النقاد اليوم. (انظر مقدمته لـ”كوب الزار”، في “الأفعى بلا رأس ولا ذيل” صفحة 161). كم كانت فرحتنا تزداد لو أعلمنا أن القارئ العربي لم يقرأ للآن كتاب سوزان برنار بترجمة صحيحة فترجمة راوية صادق يعج بالأغلاط الفاحشة وبعدم فهم الفقرات الفرنسية، بل هذه المترجمة لم تكن قادرة حتى على وضع مقابل عربي لعناوين كتب الشعر المذكورة، كعنوان كتاب فرانسيس بونج:  Le Parti-pris des choses فترجمته بـ”الرأي المسبق للأشياء”!!! بينما الترجمة الأدق هي: “التحيّز للأشياء”.

ما يهمني الآن، وهذه هي الغاية من ردي هذا، أن أقول إن محمد بنيس ارتكب خطأ يعبر عن سوء نية أكثر مما عن جهل، عندما كتب في مقالته: “حتى عبد القادر الجنابي (المدعو الغائب) لم يعثر في ما كتبه شعراء المغرب العربي على قصيدة واحدة تستحق أن تدرج ضمن القصائد النموذجية التي اختارها لشعراء يمثلون برأيه هذه القصيدة”. آمل أن لا يكون السبب وراء مرارة محمد بنيس في مقالته هذه من التغييب الذي تم بحق المغاربة في مؤتمر بيروت، لأنهم لم يدعونه… 

 أقول “سوء نية” لأن لديه نسخة من انطولوجيا “كآبة الصحراء” التي أعددتها لدار نشر باريسية، وصدرت (عام 2001) محاكاة لعنوان بودلير “كآبة باريس”، التي ضمت قصائد نثر عربية تتطابق والنموذج الفرنسي، وهي أول محاولة من هذا النوع.. وكان فيها نموذجان لشاعرين مغربيين هما حسن نجمي ومبارك وساط… وفي الحقيقة لم أستطع ضم عدد كبير من قصائد النثر لعرب آخرين لأن الناشر الفرنسي فرض علي آنذاك بعدد محدود من الصفحات لاتتجاوز الـ 80 صفحة وبلغتين الفرنسية والعربية، مما ضيق علي المساحة واضطرني للاقتصار على حد أدنى من الاختيار. ولدى محمد بنيس نسخة من كتابي هذا!

لم يسم محمد بنيس في مقالته أي شاعر لديه نماذج شعرية تنطبق عليها مواصفات قصيدة النثر الأوروبي. آمل أن لايخرج علينا محمد بنيس بكتل يسميها قصائد نثر وبالتالي يتهمنا بأننا تجاهلناها. نعم! هناك شاعران مغربيان، على حد علمي، لهما ما يكفي من القصائد التي تلبي شروط قصيدة النثر الفرنسية هما محمود عبد الغني وجمال بدومة.. وكان بودي ضم أحدهما في هذه المختارات التي نشرت في “القدس العربي” على الأقل. وبالفعل طلبت من الشاعر الصديق محمود عبد الغني أن يرسل إلي قصيدة سبق أن قرأتها في ديوان له تحت عنوان “ماكس جاكوب” لأني أتذكر جيدا أنها جد قريبة من النموذج الأوروبي، فلم يستطع إرسالها، لأنه كان في سفر، فأرسلَ، بدلا منها، ثلاث قصائد أخرى لم استطع أن أختار واحدة منها، ولا من قصائد جمال بدومة التي لدي، ليس لأن المساحة محددة صفحة واحدة من الجريدة فحسب، بل لسبب رئيسي: هو اني اتفقت مع الشاعر الصديق أمجد ناصر أن تكون المختارات صارمة، أي أن تعبر بالأخص عن اللاغرضية… تاركا أمر القصائد التي تتباطأ في هذا الشرط الأول والأخير في قصيدة النثر العالمية، إلى الأنطولوجيا التي آمل أن تصدر كتابا تحت عنوان “أنطولوجيا قصيدة النثر العربية” والشيء الصادم فيها سيكون غياب تام لقصيدة النثر العربية المشطرة … ثم تليها أنطولوجيا ثانية تحت عنوان “الوزن المفقود: الشعر الحر الجديد” وتضم مختارات من أفضل قصائد النثر العربية المشطرة السائدة.

في الوقت الذي كان فيه محمد بنيس معاديا لكل تجارب ما يسمى قصيدة النثر المغربية التي أخذت تتصاعد في مطلع تسعينات القرن الماضي، كنت (وأقولها باعتزاز) المشرقي الوحيد الذي فسح المجال كله لموجة شعراء المغرب الجدد، حد التواطؤ معهم في كل “غاراتهم” الشعرية. أريد هنا التالي: لايحق لمحمد بنيس أن يتكلم باسم قصيدة النثر المغربية، إذ ليس له ضلع لا في تاريخها القاسي ولا في مسار قصيدة النثر عموما. لقصيدة النثر المغربية شعراؤها المؤهلون لمواجهة أي غبن يتم بحقها، خصوصا داخل حدودها. ليعلم القارئ أني لم أكتب ردي هذا من باب تصفية حسابات كما يعملها عدد من شعراء اليوم. كلا. محمد بنيس صديق عزيز علي وأبدى عدة مرات استعداده لتلبية أي شيء اطلبه، دعوة، نشر..الخ وإنما كتبته توافقا مع عبارة نيتشة “لأجعل الآفات المتخفية أو البالغة الدقة بادية للعيان”.

قصيدة النثر العالمية نموذجا وتنظيرا… 
عبدالقادر الجنابي

عبدالقادر الجنابي: ماهي قصيدة النثر؟
الجنابي يرد على بنيس
أمجد ناصر: طرق منحرفة إلى قصيدة النثر
هذه هي قصيدة النثر العربية المطلوبة
ليغرّد النثر عارياً ويسكت ملاك النظم
قصيدة النثر ما قبل بودلير: برتراند ودومييه

بودلير: البيان الأول و13 قصيدة نثر
ستيفان مالارميه: قصيدة النثر كامّحاء الشاعر

قصيدة النثر: سماتها الخارجية والداخلية

إليوت وقصيدة النثر: هستيريا عند تخوم النثر

جاكوب: إعادة صياغة مفهوم قصيد النثر

السوريالية وقصيدة النثر: بروتون وايلوار
لوتريامون وبيرس وقصيدة النثر

قصيدة النثر المفتوحة: ميشو، شار وبونج

رعاة قصيدة النثر الأمريكية
جروترود شتاين: قصائد نثر تكعيبية
رسل ايدسن: لا كمال لقصائدالنثر
نحن الشعراءُ الذعرُ وصيـّـتـنا

قصيدة النثر العالمية نموذجا وتنظيرا….

Samih al-Qassim

1939 (Zarqa, Jordanie)-

 

Chantre du patriotisme palestinien et du nationalisme arabe, collaborateur en Israël des publications communistes al-Ghad (Demain), al-Ittihad (L’Union) et al-Jadid (Le Nouveau), Samih al-Qassim, qui n’a jamais quitté la Palestine, est avec l’écrivain Issam al-Khoury le fondateur des éditions Arabesques de Haifa. Auteur d’une quarantaine d’ouvrages (poésies, nouvelles, pièces de théâtre, essais) et directeur de la rédaction du journal Kol al-Arab (Tous les Arabes), édité à Nazareth, il a été décoré de la médaille de Jérusalem par le président Yasser Arafat. Une anecdote sur laquelle il revient marque sa détermination à témoigner par l’écriture : « Son père était capitaine dans l’armée des frontières. À cette époque, les soldats résidaient là-bas avec leurs familles. Revenant par le train en Palestine, avec les siens, en pleine Seconde Guerre mondiale et régime de camouflage, l’enfant Samih se mit à pleurer. Effrayés, les autres voyageurs craignirent d’être repérés par les avions allemands. Leur peur fut telle qu’ils menacèrent de tuer l’enfant. Son père se vit alors dans l’obligation de sortir son arme pour les en dissuader. Plus tard, lorsqu’il entendit cette histoire, Samih en fut marqué profondément : ‘Bien, ils ont essayé de me faire taire dès l’enfance, je leur montrerai ; je parlerai quand je voudrai, et aussi haut que je pourrai. Personne ne me fera taire’ ».

 

[Je t’aime au gré de la mort (éditions de Minuit, 1988), Une poignée de lumière (Circé, 1997)].

 

 

Testament d’un homme qui meurt en exil

 

Allumez le feu

Pour qu’au miroir des flammes

Je voie la cour de la maison, le pont

Et les champs dorés.

Allumez le feu pour que je voie mes larmes

La nuit du massacre

Que je voie votre sœur, cadavre

Au cœur déchiqueté comme un oiseau

Par les langues et les vents métis

Allumez le feu pour que je voie

Votre sœur comme un cadavre,

Le jasmin comme un linceul

Et la lune comme un encensoir

La nuit du massacre

Allumez le feu pour que je me voie mourir

Mon soupir désespéré sera votre héritage,

Mon soupir désespéré

avant que le jasmin ne devienne témoin

Que la lune ne devienne témoin

Allumez le feu pour que vous puissiez voir

Allumez le feu…

 

 

Histoire d’un homme bizarre

 

Il s’est dressé au bout de la route,

Debout comme un épouvantail planté dans le vignoble

Au bout de la route

Comme l’homme du panneau indicateur

Au bout de la route

Un vieux manteau sur l’épaule

« L’homme bizarre » est son nom

Les maisons blanches lui ferment leurs portes

Seuls les buissons de jasmin

Aimaient son visage luisant d’amour et de haine

… … …

« L’homme bizarre » est son nom

Et le pays souffrait de la tristesse et des sauterelles

Ce qui devait arriver arriva

Il s’avança soudain un jour

Et son cri résonna dans la cour des maisons blanches

Les vieux, les enfants, les hommes et les femmes

S’y pressaient en foule

Ils le virent mettre le feu au vieux manteau

(le vieux manteau sur l’épaule)

Et ce qui devait arriver arriva

 

Le ciel fut étouffé par un nuage vert

Un nuage blanc

Un nuage noir

Un nuage rouge

Un nuage mystérieux sans couleur

Ce qui devait arriver arriva

L’éclair et le tonnerre surgirent

Et il plut à verse

« L’homme bizarre » est son nom

Seuls les buissons de jasmin

Aimaient son visage luisant d’amour et de haine

Et les maisons blanches se mirent à l’aimer.

 

 

Les chauves-souris

 

Les chauves-souris sont sur ma fenêtre

Elles aspirent ma voix

Elles sont à l’entrée de ma maison,

Derrière les journaux et dans les recoins

Elles épient mes pas et le moindre de mes gestes

 

Les chauves-souris sont sur le siège

Dans les bas-fonds,

Dans la vitrine et sur les jambes des filles

Comment ont-elles pu attirer mon attention

… … …

Les chauves-souris sont sur le balcon de mon voisin

Elles sont comme un dispositif caché dans le mur

Les chauves-souris sont prêtes à se suicider.

… … …

Je creuse un chemin vers le jour !

 

 

Le voyageur

 

Ma chanson m’écoute

Le temps est au beau fixe

Je suis fermement sur mes pieds, le vent est doux

Le langage est mon mât et la mer est paisible.

Mais,

Je n’ai point de navire !

 

Mes arbres chargés de fruits

Mes navires sont prêts

Voici les marins de mon âme

Ils implorent le moment de mettre les voiles

Les nouvelles météorologiques sont bonnes

Mais,

Je n’ai point de mer !

 

La mer, les navires, les marins

Tous m’attendent.

Mais,

Comment voyager… sans temps ?

Pour aller où… sans lieu ?

(A. K. El Janabi et Mona Huerta)