أرشيف التصنيفات فنون

عبدالقادر الجنابي

هنا نص مساهمتي في استفتاء جريدة “القدس العربي” حول الشاعر الراحل محمد الماغوط. وصيغة الاستفتاء التي وضعها محرر القدس العربي الثقافي، هي: قبل نحو عشرة أيام توفي الماغوط، أحد أهم رواد القصيدة العربية الجديدة التي تسمي قصيدة النثر ، وقد كُتب الكثير في وداع الشاعر والمسرحي السوري الذي رافق أبرز منعطفات الحياة السياسية والثقافية العربية كتابة وتعليقا، غلب عليهما، بالطبع، الاحتجاج والنقد علي الحال العربية. نتوقف في ما نأمل، أمام منجز الماغوط الابداعي علي نحو أكثر شمولاً وعمقاً، بحيث لا تطغي ذكري المناسبة الحزينة علي قراءة منجزه، والرثاء علي التأمل المتبصر. شعراء ونقاد عرب من بلدان وأجيال لاحقة علي الماغوط تلقي، هنا، نظرة متفحصة علي نتاجه.” وقد تم نشر الأجوبة كلها اليوم السبت 15 نيسان 2006:

الماغوط فقيد فوضى المصطلح

كلما أعود إلى شعر الماغوط، تتأكد لي هذه الملاحظة التي أريدها أن تكون خلاصة مساهمتي في هذا الملف عن شاعر أصيل محترم لنقائه وطفولته الشعريتين: لم يكتب محمد الماغوط أشعاره وفق مصطلح “قصيدة النثر” الذي لم يتم طرحه إلا بعد عام على ظهور “حزن في ضوء القمر”، وسنوات على معظم قصائده التي وفقا لسنية صالح أنها كانت مكتوبة كلها في شتاء 1956 وبقيت “مخبأة في الأدراج”… مصطلح أطلق عشوائيا على محاولات كانت تريد إحداث ثورة إيقاعية داخل شعر التفعيلة (صايغ، الماغوط، جبرا).. ناهيك بأن أدونيس الذي اطلق المصطلح انتظر عرضا نقديا لأطروحة دكتوراه لطالبة فرنسية اسمها سوزان برنار في أسبوعية لويس أراغون “الأخبار الأدبية”، حتى يدرك أن هناك شعرا أسمه قصيدة نثر، جاهلا أن ثمة قرنا من النتاج الغزير لهذا الجنس الأدبي غير المشطّر… والأنكى أن مجلة “شعر” لم تبادر أبدا بنشر ملف يشرح قصيدة النثر الفرنسية نموذجا وتنظيرا، لكي يطلع الشاعر العربي الجديد على آفاق شعرية لم يعهدها من قبل.
في نظري أن الماغوط القارئ النهم، الذي عاين عن كثب لغة الواقع البوهيمية بكل تشردها ومتاهتها في شوارع العيش الخلفية، مأخوذا بتدفق الصور وتدفق المعاني بأوزانها الخاصة، دون أن يستذكر العروض والتفعيلات أو يلبي التزاماتها.. كان يكتب شعرا حرا وليس قصيدة نثر. كما أن أي مقطع من شعر الماغوط، حتى الذي نشر بعد ظهور مصطلح قصيدة النثر، يدلل على أنه مكتوب من داخل إطار التفعيلة لكن على نحو طلق وحر:

“لأجلكَ أيّها الطائش
أيّها الرخيمُ كالعصفور
أمسك الملعقة من ذيلها
أمرِّرُها بين نهديّ كالزنبقة
منذ شهور وهو راقد بجوارنا
متلألئا كالسّيف تحت المياه
يكتب ويدخن ويبكي
ولا ينظر إلينا”

 ”غرفة بملايين الجدران” ص 121 (1)

أبيات مصدرها أوزان عربية وفق جوازات شعر التفعيلة، وهذا ما لانراه لا في شعر شوقي أبو شقرا، ولا في شعر أنسي الحاج الذي كان واعيا للمصطلح، ربما ليس على مستوى النموذج الفرنسي، إلا في عدد صغير من القصائد… لكن بالتأكيد على صعيد البيت – الجملة حيث الوقفة / التقطيع أشبه ببداية فقرة جديدة في عمل نثري طويل مقطع إلى فقرات. ومما يؤسف له أن معظم شعراء الشعر الحر اللاحر (قصيدة النثر العربية) وجد أسلوب التشطير كمحاولة توفيقية مع التراث.
الشعر الحر مشتق من المصطلح الفرنسي Vers Libre “الشعر (والمقصود النظم) الحر”، الذي وضعه شاعر الرمزية غوستاف كان عام 1886 أي بعد مرور مايقارب ثلاثين عاما على ظهور قصيدة النثر الفرنسية… ويرتكز على وحدات مقطعية syllabes دون الالتزام بعدد ثابت لها. أي الانتقال من التفعيلة الثابتة إلى الإيقاع النبري المنفتح. وشعر التفعيلة العربي لايختلف كثيرا عن المبدأ فمرتكزه الوزني هو أيضا وحدة التفعيلة دون الالتزام بعدد ثابت من التفعيلات (2). على أن ما حصل من تطور أساسي للشعر الحر الفرنسي خلصته نهائيا مع ظهور السوريالية، من وحدة التفعيلة. الشيء نفسه حصلَ عندنا لكنه لم يؤخذ كتكملة لشعر التفعيلة، ولا كتطور منطقي للإيقاع الموسيقي يمليه روح العصر… وما ديوان “ثلاثون قصيدة” (انظر أنه لم يلحقها بـ”نثر”) لتوفيق صايغ، المطلع على تطورات الشعر الحر الأمريكي، سوى علامة من علامات هذا التطور (أُجهِضَ في مهده) الذي كان يجب أن يُفهم على هذا النحو وليس على النحو الخاطئ الذي حد من ديناميكة مشروع الشعر الحر وحجب كل الآفاق التي كانت ممكن احتضانها كما حصل في العالم، وبالتالي شوّه حقيقة قصيدة النثر على أنها تصد لشعر التفعيلة، وليس كجنس أدبي مستقل. وتجدر الملاحظة هنا إلى أن توفيق صايغ كان واعيا إلى أن شعره ليس قصيدة نثر وإنما شعر حر، وذلك بمحاولته التمييز بين ما سمي خطأ قصيدة النثر العربية كتمرد على شعراء التفعيلة، وبين قصيدة النثر الحقيقية كنمط أدبي جديد، فنشر في مجلته “حوار” عددا من النصوص الشعرية (لتيريز عواد، أسعد عاصي، يوسف غصوب الخ وهي أقرب النماذج الشعرية المكتوبة بالعربية آنذاك إلى نموذج قصيدة النثر الأوروبية)، تحت عنوان “شعر بالنثر” وهي ترجمة للمصطلح الأمريكي: Poetry in Prose الذي بدأ بالانتشار في أمريكا اعتبارا من منتصف خمسينات القرن العشرين ويطلق على نتاج قصيدة النثر الأمريكية.
كما أن الأعمدة الثلاثة لقصيدة النثر الحقيقية (إيجاز/ توتر/ جُزاف)، فقلما تتجلى في شعر الماغوط… ذلك أن الماغوط في قصائد كثيرة، يبقى يلهث دون توقف… بل ما إن يتجلى التوتر في شعره حتى يضيع في اللوذعية والضحك والسخرية الواقعية من العالم. وهذا بسبب ميله إلى مسرح شعري عابث ينطوي على خطة ملفقة في ذهن المؤلف… وهذا تهديم للعمود الثالث “جزاف” أي أن تكون مادة القصيدة حادث لا معنى له ولا غرضية شخصية.
باختصار: محمد الماغوط شاعر بكل ما تحمله هذه الصفة من تأويلات، إمكانيات وأضغاث أحلام… فمكانه ساطع في شمس الشعر الحر التي حجبها شعراء التفعيلة ورهط من جهلة النقاد.

1- انظر اطروحة جان كرمة عن قصيدة النثر العربية، باريس 1981
2- إن اعتبار جبرا إبراهيم جبرا وعبد الواحد لؤلؤة أن “شعر الماغوط وصايغ وجبرا هو الشعر الحر، وليس شعر الملائكة او شعر التفعيلة”، اعتبار خاطئ، ذلك أن تسمية الشعر الحر في فرنسا لم يطلق، في مرحلته الأولى على تجارب شعرية خالية مشطرة من الوزن، وإنما على قصائد تحررت من العدد الثابت للمقاطع، التي يفرضها الوزن الكلاسيكي، لكن شرطك أن يبقى ضمن قوانين تفعيلة الوزن الاكلاسيكي. فقصائد فيرلين هي تحترم البناء الوزني الالكسندراني لكن على نحو متحرر في عدد المقاطع في البيت الواحد… وبقيت التسمية تطلق على كل ما هو مشطر بهذا المعنى أولا، ثم على كل ما هو مشطر وتقطيع لا علاقة له بالوزن الالكسندراني قطعا. وهذا ما نجده في اغلب الشعر المشطر السوريالي، والعالمي منذ الحرب العالمية الثانية، وفي اية لغة أوروبية. إذن وجهة نظري هي ان الملائكة لم تخطأ في اطلاق تسمية الشعر الحر على جل التثوير في تحرير البيت الشعري من الخليل إلى التفعيلة الحرة… لكنها خطأت هي وشعراء التفعيلة وكل نقادنا الجهلاء، بعدم اعتبار التطورات اللاحقة التي ستصيب الشعر المشطر اعتبارا من توفيق صايغ وحتى آخر قصيدة عربية حديثة مشطرة يكتبها اليوم ما يسمى شعراء قصيدة النثر…. تطورات لم تبق من قوانين التفعيلة أي شيء.

الماغوط فقيد فوضى المصطلح.

Ghassan Zaqtane

1954 (Beit Jala, Bethléem, Cisjordanie)-

 

En 1967, Ghassan Zaqtane part avec sa famille pour Amman puis Moscou où il finit ses études secondaires. Il rejoint les organisations palestiniennes à Beyrouth en 1979 et part pour Damasse en 1982 après l’invasion israélienne. Il s’installe en 1986 à Tunis, où il dirige quelques années plus tard la revue littéraire al-Bayadir (Aires). Journaliste, rédacteur en chef de la revue publiée par La Maison de la Poésie de Palestine al-Chou‘raa (Les poètes), il vit aujourd’hui à Ram Allah. Auteur de différents recueils poétiques on retiendra en particulier Bannières (1984), L’héroïsme des choses (1988) et Ciel léger (1992). Sa poésie qui se nourrit de fines observations, capte l’éphémère avec des images dissonantes et morcelées qu’il transforme en ex-voto à la mémoire blessée.

 

 

Paysage

 

Ils s’élèvent sans un regard

Leur silence couvre leurs présences

Leurs propos diminueront tout en haut.

Dans les plaines, le sommeil de la création

Et la solitude des tués

Résonnent clairement.

En bas…

Les carillons du regret profond s’élèvent

En bas… les arcs des collines répartissent la lumière blafarde

En bas… les lieux se rejoignent…

Et l’on peut voir l’immensité de la terre

Où sans aucune intention ils s’assiéront.

 

 

Présence

 

Il est là qui mêle tout dans la nuit

Qui empoigne le cœur

Et illumine la chambre des morts.

 

Le chien soudain se tait

Les meubles se font plus sombres.

 

Soudain…

Le jasmin cogne ses branches contre la vitre.

 

Des pas gravissent les trois marches

Des pas dans le couloir

Des pas dans l’ombre

Des pas… comme l’absence.

 

Les fleurs depuis deux jours fanées

Relèvent leurs pétales…

 

Au tableau, le joueur de luth

Relâche les doigts…

 

Soudain…

La poignée de la porte !

 

La complainte du mari

 

La nuit

Lorsque mon miroir sèche et que crie mon mari

Qu’une fenêtre, en rafale se lève

Devant ma maison, sur le muret

Qui semble plus haut dans la nuit,

… Tu es là-bas, nette  et tranchée devant le feu

Ta voix effleure les objets…

Souvenir de nos pas sur le seuil,

Souvenir de deux palmiers à la hauteur obscure

Souvenir de l’attente du fleuve,

Souvenir…

… Nulle fleur sur le marbre

Nulle litanie dans l’air

La méditation des roues luit sur la boue des champs.

Une obscurité bat de toute sa vivacité… et se pose

Souvenir

Puis souvenir

Puis mon odeur…

Rien que mon odeur.

(Layla al-Massri)


 Salim Barakat

1951 (Qamechli, Syrie)-

 

Kurde du nord de la Syrie, Salim Barakat quitte en 1971 son pays pour ne jamais y revenir. Exilé à Beyrouth puis à Chypre, il se voue à la littérature, devient secrétaire de rédaction de la revue dirigée par Mahmoud Darwich Al Karmel, avant que ses pérégrinations ne l’éloignent de la Méditerranée pour le conduire à Stockholm. Il est surtout connu en France pour ses romans traduits par François Zabbal chez Actes Sud. Pour l’essentiel, son inspiration est tirée de sa vie et de l’histoire du peuple kurde. Auteur d’une douzaine de recueils, sa poésie défie tout traducteur tant elle utilise, dans des relations incongrues, des mots obsolètes. D’apparence quasi automatique sa veine poétique, dans un souffle identitaire et pastoral, sonde à la fois l’inconscient collectif et la conscience malheureuse de son peuple.

 

 

Deuxième courbe de la rue Aphrodite

 

Suspends la nuit,

Suspends la nuit comme ton chapeau

Et appelle le jour, cocher brisé près de ta calèche vide.

 

Quatre-vingt-dix degrés au-dessous de la menthe

et trente au-dessus des girofles

Quatre-vingt-dix degrés à la merci des muscles qui tout doucement s’amollissent du scandale de la cellule et de l’irruption, hier, d’enfants semblables à l’appel avancé d’un lendemain d’âge mûr.

Alors approche, toi qui suspends la nuit comme ton chapeau et fixes longuement près de ta calèche vide, le jour, ce cocher que tu n’appelles point.

 

Ô toi l’annonciateur de la résurrection de la vigne et du jugement du vent, approche-toi des chefs de file qui décrivent le soir caché dans la parole du jardin échangeant des cigarettes allumées sous la poussière familière que tu couvris de ta brise intime. Oublie tes distances confuses et ce soir qui glissa, que tu essayas de soutenir avant que vous ne sombriez ensemble dans une rhétorique se pavanant avec sa soirée.

 

Ô toi le guide de tes villages, tu es à quatre-vingt-dix degrés dans la rosée.

 

 

La millième courbe qui s’accrocha à moi après la foudre

 

J’entrerai dans cette maison quand je jetterai mes os dans l’âtre.

J’entrerai dans cette maison, m’accrochant à l’endroit insaisissable, à la sépulture qui me soutient de ses cachettes de hyacinthes et aux tigres verts escaladant l’arcade des ténèbres bénies vers mes désirs.

J’entrerai dans cette maison par sa dixième porte et par sa vacuité aussi lisse que les trois marches du seuil. Je couperai les gâteaux d’hier en tranches digitales soulevant les mains avec les éventails de la mort vers l’éternité libre dans ses chaînes, vers moi et mes compagnons quand ils jettent du haut de leurs terrasses les couches du jour et rient sous les masques cléments et l’opalescence des profondeurs dans lesquelles soufflent les césars obtus.

J’entrerai dans cette maison

J’entrerai dans cette maison, avec…

J’entrerai dans cette maison avec mes mille otages

J’entrerai dans cette maison avec les tornades

que nulle écriture ne parvient à calmer.

J’entrerai dans cette maison, avec la distraction de la terre et la grisaille des gouttes d’eau.

J’entrerai dans cette maison, les yeux baissés comme un aïeul dont les petits enfants cachent le dernier soulier.

J’entrerai dans cette maison sans saluer

et me dirigerai vers l’âtre pour ramasser mes os.

(A. K. El Janabi et Mona Huerta)


Fadhil al-Azzawi

1940 (Kirkuk, Irak)-

 

Poète, journaliste et romancier Fadhil al-Azzawi a joué un grand rôle dans l’innovation poétique irakienne des années 1960. Très actif dans le journalisme culturel, il fonde en 1969 la revue d’avant-garde irakienne Poésie 69 et participe à de nombreuses activités littéraires. Il prend en 1977 le chemin de l’exil et part pour l’Allemagne où il entame de nouvelles études qu’un doctorat sur l’évolution de la culture arabe analysée à partir du cas de l’Irak, viendra couronner. Son œuvre compte des romans, des essais et une douzaine de recueils de poésie dont L’arbre oriental (1975), Voyages (1976), Un homme jette des pierres dans un puits (1990) et Au bout de tous les voyages (1993). Sa poésie puise à l’expérience du surréalisme et des autres tendances de la modernité arabe et européenne. Expérimentale elle s’inscrit dans un registre fantastique et ne cesse de questionner la réalité arabe avec un lyrisme imagé et plein d’humour.

 

 

Poème auto-dévorant

 

Ils ne viennent ni dans les poèmes ni dans les mots du voyage

Ils ne viennent ni dans les poèmes ni dans les mots

Ils ne viennent ni dans les poèmes ni

Ils ne viennent ni dans les poèmes

Ils ne viennent ni dans

Ils ne viennent ni

Ils ne viennent

Ils ne

Ils

 

 

Le piège

 

Parfois traversant un fleuve

Nous nous voyons dans une autre époque

Parfois, fixant un miroir

Nous nous voyons dans la prison

Parfois harponnant une femme

Nous nous voyons dans l’exil

Parfois lisant des poèmes

Nous nous voyons dans la prose.

 

Savez-vous ce que nous devons faire ?

 

 

La cheminée

 

Une cheminée exhale de la fumée dans le vent

Parfois elle exhale des rêves,

De la tristesse

Elle exhale des traces d’hommes

Rapportant dans la chambre la parole des anciens

Elle exhale le silence d’une femme

Entre les bras d’un homme

Se rappelant la capitale de terreur

érigée dans le désert

Elle exhale nos souvenirs

 

Cette cheminée nous exhale jour après jour

Dans la nuit d’un autre ciel

Dans le vent.

 

 

Doigts

 

La répression se tient debout

Devant un arbre

Et tel un roi devant son peuple

Fait des signes de la main

à ses enfants

 

La répression va à l’histoire

Et lui rend ses faux billets

La répression pose sa main humide

Sur mon front

Et essuie mes larmes

Avec ses doigts.

 

 

Dieu et Satan

 

On parle dans le premier chapitre

De Satan désobéissant à Dieu

Dans le second

De Dieu chassant Satan du paradis

Dans le troisième

De la perplexité d’Adam

Dans le quatrième

Du déluge.

 

Enfin arrive le héros qui capture Satan

Et le bon Dieu règne sur le monde.

 

Alors de quoi parler ?

Dans le cinquième

Le sixième

Le septième

le huitième

Etc.

 

 

La porte

 

Une porte condamnée dans un champ abandonné

Des oiseaux blancs

Brillent sur une violette noire où le sang a coulé

- Quelles sortes de secrets peut garder une porte condamnée ?

- L’ouvrirai-je

L’enfant s’approche faisant fuir les oiseaux

- N’ouvre pas une porte condamnée

Peut-être venant du désert arabe

Vont surgir tes aïeux,

Une nuit éternelle,

Un soldat poignardé en plein cœur,

Ou encore un bourreau

Qui te tranchera la tête

Laisse cette porte de la nuit, mon enfant,

Laisse-la briller

Comme argent dans un champ abandonné,

Condamnée.

 

Rêves

 

Des fantômes s’assoient dans la prairie

Troquant rêves et quolibets

Des oiseaux de métal

Se perchent sur les branches

Et gazouillent pour l’histoire.

Ô rebelle ébloui, ne donne pas ton nom,

à ce qui n’a pas de nom

Ô conquérant, ne verse pas ton nom sur le sable !

 

Un mammouth noir pâture

Un cheval hume le cadavre d’un aviateur

Attaché à son parachute blanc

Un téléphone sonne dans une retraite

Je décroche bouleversé

Et converse avec moi même

à l’autre bout du fil

 

 (A. K. El Janabi et Mona Huerta)


Youssef Abou Lauz

1956 (Qaryat al-Kafeer, Jordanie)-

 

D’origine palestinienne, Youssef Abou Lauz poursuit ses études à Amman (Jordanie) avant d’embrasser la profession d’enseignant qu’il exerce successivement en Algérie, en Arabie Saoudite et dans les émirats Arabes Unis où il s’établit pour entreprendre une carrière de journaliste. Après des débuts au trimestriel Chu’un adabiyya (Questions littéraires), il s’engage dans la rédaction culturelle de l’hebdomadaire Chourouq. Il est membre de l’Union des écrivains jordaniens et de l’Union des écrivains des émirats. Avec des images qui s’appuient sur un discernement acéré du réel, sa poésie interroge les substrats du langage pour célébrer le quotidien et les aspirations des gens. Son deuxième recueil Fatma se rend de bonne heure au pré (1983) a été honoré par le prix de l’Union des écrivains arabes de Damas.

 

 

Le bluff de la poésie

 

Tu m’avais dit : « Cinq poèmes suffisent

Pour bâtir une maison.»

Alors je me suis jeté sur la poésie,

Mangeant le poisson de mon langage

Et couchant avec des sorcières

Blanchies au champ de bataille de la magie.

M’as-tu jamais vu obtenir la moindre maison ?

 

 

Les meubles du poète

 

Sur les marches, des livres assassinés,

Là, de la musique,

Des images épousant les rugosités du mur,

Un miroir dont le vestibule abrite la nuit

Blanche comme la mort,

Deux souliers jetés derrière la porte,

à la merci de l’obscurité et du froid,

Un lit, des femmes évanescentes,

Et un monde de métaphores.

Dans la chambre du poète on trouve tout cela

Mais une larme restée suspendue

à son cil gauche n’est pas tombée sur le siège,

La chambre pourra-t-elle lui trouver une place ?

La mer dormira-t-elle dans un coin auprès de la bougie ?

 

Ô visiteurs, espacez vos rondes nocturnes !

Pesant sur mon cœur comme un rocher de silex 

Quatre épouses y demeurent : ma poésie, mon vin,

Les reliefs d’une image d’amour et une aiguière de perdition.

 

Dors, poète, un mois encore

Car aucun soleil ne va se lever.

 

Le sommeil

 

Le sommeil est un jouvenceau peigné sur le côté

Son costume est en soie,

Et ses chemises en bribes de nuages.

 

Qu’il est ondoyant ce garçon !

Blanc comme le lait

Avec des souliers de vocable et de fumée

Il vient nous voir

Et de ses parfums enduit nos épaules.

 

Le sommeil coule ça et là,

De douceur, il couvre les femmes,

Les embrasse sur les lèvres,

Salue les hommes et s’en va.

 

Le sommeil,

Ce jeune amant qui connaît déjà tout de l’amour

A fini par s’établir dans les yeux,

Il y a bâti sa demeure et a renoncé à Dieu,

Il peut chanter ou s’emporter.

 

Si seulement j’avais été son fils,

Son cousin ou encore son frère de même père,

J’aurais mis à l’essai tous les yeux,

Et me serais lassé des femmes,

Jusqu’à épuisement.

 

 

(Antoine Jockey, A. K. El Janabi et Mona Huerta)


Abdallah Zrika

1953 (Casablanca, Maroc)-

 

Selon son traducteur, Abdellatif Laâbi, « Les poèmes d’Abdallah Zrika sont comme des roses sauvages qui auraient poussé parmi les immondices. De ce champ indigne elles tiennent les couleurs de l’anémie et des accès de fièvre. Rabougries, brûlées avant d’éclore, elles ne sont pas là pour l’agrément et le plaisir des sens. Fleurs du mal de vivre, elles sont à l’image des condamnés de l’existence qui habitent encore ce bidonville de Casablanca où Zrika est né ». Dès sa douzième année Abdallah Zrika écrit de la poésie et ne cessera de le faire. Ses lectures attirent les foules et c’est pour atteinte à l’ordre public qu’il est emprisonné à la fin des années 1970. Après une année de vie carcérale, il publie en 1980 deux recueils où transparaît son inquiétude de l’utilité et de la finalité de l’écriture : « Les mots me font peur. J’ai le sentiment parfois que ce sont des ombres qui me poursuivent, me pourchassent. L’homme écrit, écrit, mais la feuille blanche reste obstinément blanche… Que veut-il écrire, que veut-il dire cet homme qui essaie depuis l’aube des temps de remplir les pages blanches de signes noirs ? Tout ce qu’il écrit se noie dans la blancheur de la feuille. C’est pour cela que je vois les mots comme des cadavres et la feuille blanche comme un linceul ».

[Rires de l’arbre à palabre (L’Harmattan, 1982), Bougies noires (La Différence, 1998), Petites proses (L’Escampette, 1998)].

 

 

Rouge des pantalons du soleil

 

I

Ah comment voir

alors que mon œil est circoncis

 

Est-ce cela la terre

ou un caillou pour les ablutions

 

C’est quoi cette route qui s’étend du harem au paradis

 

Et cette femme qui n’a trouvé que le dos de son serviteur pour se hisser et regarder un cercueil passer sous sa fenêtre

 

Ces fontaines se déversant de la rouille d’une gorge

 

Ces astrologues empêchés par les mouches d’observer le ciel

 

Ces labyrinthes qui conduisent à la morsure d’un chien

 

Mais je ne savais pas qu’entre l’Orient et l’Occident

il y a un voile

et un chapelet de péchés

 

II

 

Comment ta main ne deviendrait-elle pas une pute

si tu peins chaque jour

 

Comment serait-elle si la toile devenait un champ

et ton œil un corbeau

 

Qu’auraient fait Monet Renoir et Pissarro

s’ils n’étaient pas sortis à l’air libre

 

Et puis comment serait la couleur de la folie sinon jaune

 

Que vaut un trait s’il n’est pas comme le fil du rasoir

 

As-tu vu ce visage comme un pain rond

ces femmes comme des patates

et ce soleil qui ne sert à aucun matin

 

Qu’aurait fait Matisse s’il n’avait pas soufflé

dans un pantalon rouge

 

à quoi aurait servi cette chaise cassée si elle n’avait pas attendu

que Van Gogh sorte du désert d’un hôpital

 

III

 

Ingres

Pourquoi le corps commence-t-il par le dos

 

Degas

Qui danse

La taille ou le vide

 

Michal-Ange

Quelle Renaissance y a-t-il si ce n’est la renaissance du corps

 

Aurait-on pu découvrir l’Amérique avant de découvrir les replis

du corps

 

J’ai oublié comment je suis entré dans ce très vieux bar

où Manet revêtait un pantalon olive froissé

Bonnard aidait une femme à enlever sa chemise

Matisse peignait un mollet avec le bleu de ses yeux

Et où je n’ai vu personne d’autre

 

à la porte j’ai vu Modigliani essayant de monter la bicyclette

d’une femme qui s’était penchée par mégarde

(Abdellatif Laâbi)

الإيقاع لروبرت كريلي 
ترجمة عبدالقادرالجنابي

الترجمة الإيقاعية هذه عن الأصل الانجليزي للقصيدة التي لخص فيها الشاعر الأمريكي روبرت كريلي نظريته في “الإيقاع”… مهداة إلى الشاعر الصديق سلطان القحطاني

كلـّهُ إيقاعُ مِنْ
مُنغلقِ البابِ،
الى مفتتح النافذةِ.
الفصولُ، القمرُ
وضياءُ الشّمس واليمُّ،
ونماءُ الأشياءْ

عقلُ البَشرْ
فَرديٌ،
يأتيهمُ
من جديدٍ
فاكرًا
النهايةَ
ليست بخاتمةٍ.

الزمنْ عائدٌ
بينما هم مَواتٌ
على أنَّ شخْصًا
سِواهم يجيءْ
إنْ أنا ميّتٌ في الردى
آيضًا في الحياةِ أنا أحتضرْ،
أحتضرْ..
ها بكاءُ النساءِ، يمتْنَ،
يعيش الفتى للكهولة قطْ.
يَيْبَسُ العشبُ والقوّةُ زائلهْ
غير أنّ لها عَوْدةً ثانيهْ
لا علاقةَ بيْ أبدًا…
هيَ أيْضًا تموتْ.

يُسقطُ الإيقاعُ منهُ
ألتواترْ
مُخضعًا لهْ
كلَّ شيءٍ
فمن السقفِ الى الأرضِ،
منَ الكوّة حتّى البابِ،
نورٌ مع كلّ انفتاحٍ
ظلمةٌ كلَّ انغلاقٍ

الإيقاع لروبرت كريلي.

ألعاب سوريالية

عبدالقادر الجنابي

 

حظ الكلمات من التعريف الحر
أن يجتمع ثلاثة أشخاص في غرفة. يتم اختيار حوالي 66 كلمة مراد تعريفها. تُكتب مرقّمةً من 1 إلى 66، على كاغد طوله متر ونصف، ثم يُعلّق على حائط. يُعطى لكل شخص 22 وريقة وقلم مميّز اللون. يسجل كل لاعب، خفية، على إحدى الوريقات التي أعطيت إليه كلّ ما يطرأ على ذهنه، وهو يتحدث، يضحك أو يأكل، من جملة يظنها مفيدة. بعد الانتهاء من كتابة الوريقات الـ66 الملفوفة على شكل سيجارة، تخلط الأوراق كلها في سلة (دون أن يعرف واحدهم ما كتبه الآخر)، ويبدأ السحبُ حسبَ التتابع المقترح بينهم – من هو أول، ثان وثالث – حتى تفرغ السلّة. إن الورقة الأولى التي سُحبت هي تعريف للكلمة التي تحمل رقم واحد، الملصوقة على الكاغد المعلّق، والورقة التي يسحبها الشخص الثاني هي تعريف للكلمة التي تحمل رقم 2 والثالث للكلمة المرقمة 3، وهكذا دواليك.

(اقرأ التفاصيل)

نموذج للحوارات السوريالية التي اجروها السورياليون انفسهم

ما إن وجد السورياليون، في أول هجومهم على العقلانية المميتة، الشعرَ سجينَ وسائل تعبير ضيقة، حتى فكروا باختراع طرق جديدة لإطلاق عنانه، فإلى جانب الكتابة الآلية التي فتحت اللغة نحو آفاق غير معهودة من قبل، أخترعوا طريقة حوارات جديدة تلعب فيها الصدفة الموضوعية دورا لا يمكن أن يتصورها العقل العادي. والحوار السوريالي هذا يتطلب الإجابة على سؤال لا تعرف كنه. فمثلا إذا أردت أن تجري حوارا مع شاعر، وأردت أن تبدأ بسؤال كـ”ما هي المرآة؟”، اكتمْ عنه كلمة “المرآة”، طارحا سؤالك على النحو التالي: “ما هي…؟” (اقرأ التفاصيل)

حوارات سوريالية مع أدونيس، سعدي يوسف ومحموددرويش

في عز ربيع عام 1991، التقيت بأدونيس في مقهى في حي سان جيرمان…  في ذلك اللقاء اقترحت عليه هذه اللعبة ففرح بلعبها ولم يكن له علم بها. شرحت له بأني سأسأله أسئلة غيب أي لا يعرف لبها وإنما فقط أدوات لمعرفة صياغة الجواب: “متى..”، “لماذا…”، “ما هو… “، “ما هي…”، “هذا الذي…”، “هل لــ…” الخ. فمثلا السؤال (13) كان على الشكل التالي: “هذا الذي يقلل من…” (اقرأ نص الحوارات)

تسيلان: لا أحد يشهد للشاهد

عبدالقادر الجنابي

تقديم وترجمة عبدالقادر الجنابي: شعر باول تسيلان الذي تنفسته اللغة الألمانية المعاصرة هواء طلقاً، جاء من بيت آخر لا يعترف به “أنا” هذه اللغة. وكلامه الذي “أوقفته سكين دفق الماء الطويلة”، على حد تعبير هنري ميشو، سيبقى بمثابة إشارة العصر الحديث التي تومئ بكل تواتر، إلى أن الشعر شهقة مرصودة للإنسان، نتلمسه في الكلمة، في المني في الخواطر حتى تخرس العبارات فينطق صمت رهيب يزيل النفس والكلام،. “الشعر: قد يدل هذا على انقلاب مفاجئ للنفس، استدرك الشاعر. ومادام “أن القلب قد ظل مختبئاً في العتمة صلبَ العود وكأنه حجر الفلاسفة”، عادت كل جملة شعرية مرآةً تعكس لنا محنة العقل العميقة.
باول تسيلان شاعر قلق الألفاظ بارانوئي الصورة، ذو حسية عيناء. لغتها، المتدفقة عبر الألم، تضيء فينا إلحاح القصيدة قلقاً وحرية في آن. شعره قد تمخّض عن التيهان البشري

اقرأ أيضا:

ورقة بلا شجرة بين بريشت وتسيلان

الخريف بين ريلكه وتسيلان

مقارنة بين ترجمتين لقصيدتين لباول تسيلان

في ردهات الجحيم النازي، ردهات الأنظمة التوتاليتارية من كل نوع. إن وجهة هذا الشعر هي وجهة كل شعر حق، لا تعرف. مادامت شروط الوجود البشري قد حكم عليه بأن يكون كلاماً موجهاً إلى لا أحد، إلى قارئ مستقبلاً، “قنينة مرمية في البحر، في عهدة أمل – لا شك، دوماً هش – أمل أن تـُلتقط ذات يوم، في مكان ما، ربما على شاطئ القلب”.
كل قصيدة من قصائد باول تسيلان بقدر ما هي ارتصاص تاريخي لمعنى الشعر – كاستقصاء للواقع وليس تزويقاً له – هي كذلك مرآة ارهاصات هذا المعنى، إذ يترنح من شدة صوابه. لقد قدر لها أن تُجبل من رمادٍ – طميّ غامض. إنها تضيء، متنافرة اللحمة، بِرَك السعادة السوداء، هامسة في آذان الموتى، عل ذاكرتهم تستيقظ، وها أن الرعب يُسرد بصمت صادق، فالشعر لم يعد فارض نفسه، إنه يعرّضها
LA POESEIE NE S IMPOSE PLUS ELLE S EXPOSE .
الشعر، بقول آخر، لم يعد كما كان قبل قيام الساعة النازية، ساعة الموت الجماعي، مجرد نشاط تجريبي يقوم به الشعراء لخلخلة اللغة وإعادة تضبيطها ضبطاً يتلاءم ومخطط الثورة، ظانين أنه بتطعيم النص بالعقلانية، يتم اصلاح العقل المنزوع من لدن الكلمة، المقذوفة صورته إلى أرض المعرفة، وكأنه – هذا العقل – هو إله الأولين وفكر الجميع. إن محنة طفقت تختلج بها شفةُ التاريخ، محنة بعد أن أدّت بالشاعر وجهةً سوداويةً صميمُها هدم التفاؤلية التي طال زمنها، استردت للشعر “لغتَه المُرْمدة حيث انهمامُها هو الدقة، لغة لا تبدل هيئة ما، ولا تـّشَعـْرِن، وإنما تسمي وتثبـّت، محاوِلةً قياس مجال المعطى والممكن” بحيث أضحت القصيدة المعاصرة كائناً بذاته، ومع أنه ملتاث التعبير ومختلج الوجدان، فإن هذا الكائن (القصيدة المعاصرة) فوران جوًاني يتراءى في جمل متقاطعة السلك، كإدانة للعقل وكتنفيد لكل ادعاءاته التنويرية، عبر العصور، بـ”إحلال الدفء على الأرض، فيتبرعم الموتى ويزهرون”.
إن حداثة القرن العشرين معظم آثارها الوجدانية تعكس هذا التحول النقدي وتـَمزّق هوية الشعر التقليدية. برزت الحداثة هذه في النصف الأول من هذا القرن، على شكل حركاتٍ تـَمازَجها في البدء شيءٌ من التفاؤلية الطليعية (كما في الحركة السوريالية) ثم مالت، انسجاماً وغائيتها الباطنية، إلى الإرتياب الكلـّي في تاريخها عينه، أي في مشروع معطياتها الأولى المترائية أولاً كفلسفة تنوير واعدة “بشر هذه الأرض” بجنـّات عدن، وها هو جليدُ وعدها تذيبُ حقيقتـَه كارثتان: الأولى إبادة جماعية (حربان عالميتان، معسكرات اعتقال وإلخ) والثانية إبادة الحسـّيـّة: مصنع ثقافة جماهيرية حيث ظاهره تسهيل المعرفة وتنوير الناس، وباطنه تجريد هؤلاء الناس من نزعتهم النقدية، شكـّهم الغريزي بنوايا أحزاب التحرر. والتكذيب هذا قد ترك بصماته في ذاكرة اللغة. فها إن القصيدة المعاصرة بوصفها “شكلاً من أشكال ترائي اللغة”، ينشب الاختناق أظافره في لحمها… ، حقا أن باول تسيلان يمكن اعتباره وسط أنوار العماء السياسي، شاعر “أبجدية الظلام”  على حد عنوان كتاب ايمي كولن عنه. 
يمثـّل الشعر، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة شعر باول تسيلان، حداً فاصلاً. بينما كان الشعر، ما قبل الحرب، رغم تعبيريته عن ذاتية نقدية، ثنائياً في علاقاته باللغة. وهكذا باتت رموزه الصورية تقليدية التطلع والمنحى، أسيرةً للغائية الاجتماعية المُجـَمـّدة في المشاريع الثورية. واعتباراً لهذا، تحولت القصيدة في الغرب، من لعب لفظي كأنها عبارة حلم متسعة بصورة اللاوعي الجماعي فضاق معناها، إلى كلمات منتقاه رصت وكأنها بنى اجتماعية تتواجه ومصيرها الغامض. فالأزمة هي في صميم اللغة. وأن أية معاينة اقتصادية، استقصائية بالضرورة لحقيقة هذه البنى، هي، قبل كل شيء، معاينة لغوية مقتصدة في مفرداتها اقتصاداً يثمر المعنى؛ فعـّالية الكلام الباطنة.

  

صورة 1: غلاف أول كتاب بالعربية عن باول تسيلان وشعره صدر في باريس عام 1988. ضم 21 قصيدة مع نصها الألماني وقصيدتين لهنري ميشو كتبهما بعد وفاة تسيلان.

فالقصيدة هي “المعادل الشعري للواقع السياسي”، كما صرح أحد النقاد. ومن هنا هي كـلـّية تكشف عن واقع مجتمع يعمل باطراد على طمس حقيقته المُعرّاة في لغة التواصل اليومية حيث يسمح لنا بالكلام، لكن علينا “أن نتكلم دون أن نفصل لا عن نعم”. فالحياة، وفقاً لبوصلة هذا المجتمع،”تعيش حيث تموت”. لا يمكن فصل الحاضر عن أحداث الماضي. الشاعر ليس بريئاً في علاقاته باللغة. فهو ينثر مفرداتها عراء الصفحة، ثم يفكك التركيبة الاجتماعية التي تركز عليها اللغة. وهو من خلال فعله الكتابي العامل على تشريب الصورة بالفكرة ومن ثم غربلة هذه الفكرة بغربال الوجدانية القلقة، يستنطق ذاكرة اللغة، فينجلي تاريخ الواقع كله وخاصة ماضي الشاعر الذي يحاول “اعطاء كلمات القبيلة معنى أنقى”، على حد تعبير مالارميه.
لقد استفاد تسيلان من منهج السوريالية الحلمي لكي يسترد بواسطته “المفقود” و”المنسي” اللذين تريد كوابيس التاريخ المعطى تمويهما وإعاقة أي بحث عن جوهرهما. فالحلمية السوريالية وسيلة تحرر من الغشاوة التي يؤصلها مبدأ الواقع القمعي. وحتى لا تعود هذه الطاقة الحلمية مجرد جمالية شعرية للإغواء، على الشاعر أن يطعـّمها بمجازات تجربته الشخصية ودلالاتها الكبرى، أي الغور في أبعد نقطة من تراثه الباطني تساؤلاً. وهذا عين ما قام به باول تسيلان عندما أطلق هذه الحلمية (النابعة من ذائقته الشعرية قبل كل شيء) في فضاء اشكاليات تراثه اليهودي خصوصاً الصوفي المنحى.
لعل السؤال اللجوج في ذاكرة اللغة: من أنا، ومن أنت، يفصح عن جواب يتخطى هذه الثنائية القاتلة. وبما أن تسيلان سوريالي النزعة وعلماني التفكير، فإنه توغل بين ثنايا الرمزية الدينية للصوفية اليهودية، بنحو جعله يحافظ على أن تكون كل قصيدة من قصائده استنارة دنيوية ملتصقة بمصير هذا العالم، لا اشراقة غيبية كما يظن بعض الدارسين. إذ أن ما يحمله شعر تسيلان من رجاء فهو بارقة أمل من أجل هذه الأرض التي نعيش عليها لا غير. ذلك أن شعر باول تسيلان قضيته واضحة، وصوره مستمدة من تاريخ البشر البربرية دينياً أولاً. وقد أوضح تسيلان مشروعه الشعري في إهداء نسخة من كتابه “وردة اللا أحد”، إلى مايكل هامبرغر، بأن شعره “لا يدخل قطعاً باب الشعر المستغلق”. وإذا وجدنا بعض اللاهوت في شعره، فإنه لاهوت سلبي، على حد عبارة هامبرغر. إذ أن الرب (السيّد كما في التراث المسيحي) في شعر تسيلان مدان على الدوام:

كان دماً، كان،
ما أهرقته، يا رب
كان يلمع.
ألقى صورتك في عيوننا، يا رب.
العينان والفم كم هي مفتوحة وفارغة، أبّها الرب.
شربنا، يا رب.
الدم والصورة التي كانت في الدم.
(“ظلمات”)

ولد باول تسيلان، من عائلة يهودية، في الثالث والعشرين من تشرين الثاني 1920 في مدينة جيزنزفيتش في مقاطعة بوكافين الرومانية، بعد أن حصل على شهادة البكالوريا، راح يدرس الطب في مدينة تور (فرنسا)، فتعرف فيها على السوريالية التي ستكون أحد مصادر شعريته المتعددة. عاد إلى جيزنوفيتش، في تموز 1939، ليتابع دروسه الرومانية، وكان في هذه الفترة يوقع كل ما ينشره من تراجم باسم PAUL ANTACHEL .
في حزيران 1940، ضم الاتحاد السوفيتي جزءاً كبيراً من مقاطعة بوكافين ومن بينها مدينة جيزنوفيتش. وقد سبب هذا الضم بالقوة، تحالفاً بين الرومانيين والألمان، فدخلت قواتها بعد عام وطردتا السوفييت. وبعد فترة وجيزة بدأت حملة اعتقالات واسعة في صفوف اليهود، فتم اعتقال والديه منتصف 1942، بينما استطاع تسيلان الفرار، لكنه سرعان ما ألقي القبض عليه، والتحقيق مع سجناء آخرين في وحدة الأشغال الشاقة اليهودية التي أنشأها النازيون لتعبيد الطرق في مولدافيا. وكان هذا عملاً جد قاس لا يحتمل، لكنه يبقى أفضل من معسكرات الاعتقال التي تم في احداها (قرب اوكرانيا) إعدام والده، وبعد أشهر، أمه، رمياً بالرصاص. (لم تكن علاقة تسيلان مع أبيه على ما يرام. كان يرفض أن يتبنى قناعات أبيه الصهيونية، بل كان يستهزئ منها. وقلما نجد إشارة إلى أبيه في قصائده كما إلى أمه التي نكاد نتحسسها في كل قصيدة من قصائده)عندما سمع تسيلان الشديد الارتباط بأمه النبأ، صدم صدمة وجدانية لن يشفى منها أبداً، بل سيُجبـَل شعرُه كلّه من موت أمه هذا، فها هو يهمس ألماً وبلغته المعهودة المترفعة عن كل ابتذال عاطفي*:

إنك لم تموتي
ميتة أرجوانية اللون

ولاحظ بعض النقاد أنه قد هجر القافية وكأنها الجريمة عينها. والقصائد المقفاه تعود إلى الفترة الأولى:

“أو تقدرين، يا أماه على أن تتحملي، كما في المنزل، سابقاً
القافية الخفيضة، الألمانية، الموجعة؟”.

بعد انتصار الجيش السوفيتي على الألمان، أطلق سراحه، فعاد إلى جيزنوفيتش التي احتلها السوفيت في نيسان 1944، وهي مدينته التي كان يسميها في إحدى قصائده “بلد ينابيع”. غير إن الينابيع هذه دُمِرت، والكلمة التي كانت في البدء، تمرغت في وحل جريمةٍ لم تبق للشاعر والقارئ من مهمة سوى “أن يغسلا جثة هذه الكلمة، إن يمشطا شعرها، أن يديرا عينها صوب السماء”.
حمل دفتر أشعاره وشد الرحال إلى بوخارست ليعمل مترجماً في دار نشر ويشارك في نشاطات السورياليين الرومانيين. كان يتقن الروسية والرومانية والألمانية والفرنسية معاً. أخذ ينشر بعض قصائده تحت اسم تسيلان CELAN الذي سيتبناه من الآن فصاعداً، وهو ترتيب جديد لحروف أسمه الحقيقي الذي كان يكتب بالرومانية على الشكل التالي: ANCEL . معظم كتابات الفترة الرومانية هذه، كانت واقعة تحت تأثير ريلكه وتراكل والسوريالية، شاعرية كانت لا تزال تبحث عن أسها المرتبط بتاريخ الكينونة وكينونة تاريخ لا يزال يشرب الدم حتى الثمالة. فها هو، بعد مضي سنتين ونصف تقريباً على بقائه في بوخارست، يبتعد عن كل ما يذكره برومانيا، صوب قلب الكلمة: اللغة الألمانية. يرحل إلى فيينا سنة 1947 فيلتقي بالرسام ادغار يينه ويشتركان مع ماكس هولزر في نشر السوريالية داخل الثقافة الألمانية، فقد ترجم نصوص وقصائد بروتون، بنجاما بيريه، جورج حنين، ايميه سيزار، إلخ، وكانت لب العدد الأول من “النشرة السوريالية” الذي صدر في بدء عام 1950.
أصدر مجموعة شعرية لكنه سرعان ما سحبها من السوق ودمرها، لأنها كانت تعج بالأخطاء المطبعية. يترك فيينا في تموز 1948 ليستقر نهائياً في باريس حيث تزوج، عام 1952، من الفنانة الفرنسية جيزيل ليترانج، التي أنجبت له طفلاً توفي في سنته الأولى، وآخر سمياه ايريك وهو اليوم لاعب سيرك يعيش في باريس ألتقي به من حين إلى آخر. وقد كتب تسيلان قصائد عديدة تترسم وحي أعمالها الفنية.  وما أكمل دروسه الأدبية، حتى اشتغل محاضراً للألمانية في “الأيكول نورمال سوبيرير” الواقعة في شارع أولم، وفيها اليوم المكتب المخصص لكل أعماله ويشرف عليه الصديق برتراند باديو الذي ترك كل اهتمامته الأدبية مكرسا حياته نهائيا لمشاغل الاشراف على أعمال باول تسيلان والدراسات المتعلقة به. وقد قال لي ذات مرة: “منذ أن أسندَت إلي هذه المهمة، شعرت أن امكانياتي الأدبية كلها انتهت إلى أن تكون جزءا من هذه المهمة”!

وطد باول تسيلان في باريس صداقات متينة مع شار، بونفرا، ميشو، جاك دوبان واندريه دو بوشيه وترجم الكثير من أعمالهم إلى الألمانية. ولئن كان تسيلان يحقق شهرة في ألمانيا كأكبر ظاهرة شعرية بعد الحرب، فإنه في فرنسا بقي شبه مجهول ابان حياته، ولم تهتم به سوى مجموعة مجلة L’ EPHEMERE (الزائل) التي كان يديرها جان ديف واندريه دو بوشيه في الستينات، حد أن العدد الأول من هذه المجلة افتتح: بنص “الهاجرة”، الكلمة التي ألقاها عند تسلمه جائزة بوخنر في الثاني والعشرين من تشرين الأول(أوكتوبر)1960. ويجب التنويه إلى أن تسيلان كان قد فاز سنة 1958، بجائزة بريمن، وألقي كلمة بهذه المناسبة. وهاتان الكلمتان تضيئان بعض الشيء من مشروعه الشعري. أقول بعض الشيء لأن باول تسيلان كان يكره التنظير، تحديد الشعر في تعريف أو موقف، فضلاً عن أن التنظير غالباً ما يعبر عن عقم شعري لا شفاء منه.

  صورة 2: باول تسيلان

هناك ترجمة انجليزية لمجموعة أعماله النثرية في جزء واحد جد صغير، إذ أن كل أعمال تسيلان النثرية لا تتعدى الستين صفحة، فهي تتكون من هاتين الكلمتين المذكورتين اعلاه، وثلاث أجوبة قصيرة على استفتاءات، ونصين نثريين، وتوطئتين جد قصيرتين عن ترجمته لماندلشتام وسيرج ايزنين، وكلمته التي ألقاها في اتحاد كتاب إسرائيل، ورسالة صغيرة إلى هانزبندر الذي وجه دعوة إلى تسيلان لكي يشترك في انطولوجيا كان يعدها تحت عنوان: “قصيدتي سكينتي” (صدرت سنة 1961)، وأخيراً “ضوء خلفي”، شذرات سوريالية مثل:”ادفن زهرة وضع على قبرها إنساناً” و “ها هو ذا الربيع: الأشجار تطير إلى طيورها”، و “كل حديث عن العدالة سيبقي لغواً، ما لم تتحطم أقوى البوارج على جبهة إنسان غريق”.. إلخ.
ذاك أن العمل الشعري، في نظر باول تسيلان، أشبه بالعمل اليدوي، إذ ما إن تنجز القصيدة، حتى يستغني عن الشاعر:”العمل اليدوي، كعمل نزيه ونظيف، هو شرط أولي لكل شعر.. والعمل اليدوي هو من شأن الأيدي. والأيدي هذه، من الناحية الأخرى، يمتلكها شخص واحد، أي نفس فريدة وفانية تبحث، بصوتها وبُـكمها، عن طريق. فقط الأيدي الحقيقية تكتب قصائد حقيقية. مبدئياً لا أرى أي فرق بين مصافحة وقصيدة.. القصائد هي أيضاً هدايا – هدايا إلى المنتبهين. هدايا تحمل مصائر
“( BRIEF AN HANS BENDER ).

صدرت لباول تسيلان إبان حياته ست مجموعات شعرية “خشخاش وذاكرة” MOHN UND GED?CHTNIS ( 1952)، “من عتبة إلى عتبة” VON SCHWELLE ZU SCHWELLE ( 1955)، “شبكية اللغة” SPRACHGITTER (1959)، “الـ وردة اللا أحد ” DIE NIEMANDSROSE (1963)، “انقلاب النفس” ATEMWENDE ( 1967)، “شموس خيطيـ “يه” FADENSONNEN (1968)، وثلاث مجموعات بعد موته “جبروت النور” LICHTZWANG (1970، “حصة الثلج” SCHNEEPART (1971)، “وعزبة الوقت” ZEITGEHOFT (1976).

تسيلان بريشة الفنان والشاعر اللبناني غازي يونس

كشف تسيلان منذ الأربعينات عن موهبة فذة في ميدان الترجمة، فكانت له ترجمات محط دراسات اليوم، لبعض سوناتات شكسبير، قصائد جون دن، روبرت فروست، سيرج ايزنين، فيرناندو بيسوا، أونغاريتي، ماريان مور، اميلي ديكنسون، رينيه شار بيكاسو، ومن العبرية دافيد روكاح، بل حتى قام بترجمة دراسات حول السينما، الأدب والرواية، وروايتين لجورج سيمنون. كما يعتبر باول تسيلان أول من قدم ماندلشتام إلى القارئ الألماني، وهذا الالتقاء الشعري بينهما جد طبيعي، إذ أن لغة ماندلشتام الروسية عانت مثلما عانت الألمانية من البربرية النازية، من بربرية أخرى هي الستالينية. وكلاهما أعطيا أهمية كبرى للكلمة بوصفها الأصل والفصل. وقد أهدى باول تسيلان مجموعته الشعرية المهمة “ورد اللا أحد” إلى أوسيب ماندلشتام، تحية إلى ذكراه.
زار إسرائيل في أكتوبر 1969، وألقي كلمة في اتحاد الكتاب الإسرائليين ثم قرأ عددا من قصائده. والزيارة هذه، القصيرة جداً، ” كان في حاجة إليها” كما ذكر في كلمته التي كشف فيها أيضاً عن تردد لديه، إذ قال “آمل أن لا أكون على خطأ”! ويقال أنه عاد إلى باريس متضارب المشاعر بين البهجة والتشاؤم التام. على أنه، بعد مضي ستة أشهر على زيارته هذه انتحر غرقاً في نهر السين (21 نيسان 1970).
لم يكتب باول تسيلان شعره إلا بالألمانية: لغة الذين عملوا على إبادة جنسه. وحتى لا تعتبر ألمانيته مثل ألمانية القتلة، لجأ إلى انجاز لغة جديدة، مبتكرة ونقدية ذات تراكيب ونحوتات حيث الصورة الشعرية في صلب الكلمة الواحدة. ولعل قارئاً يسأل: لماذا باول تسيلان، الذي لم يقم في ألمانيا فترة تستحق الذكر، لم يكتب باللغة الفرنسية، مثلاً، وهو المتمكن منها تمكنه من الألمانية، وترجماته لميشو، شار، بيكاسو لهي دليل على ذلك؟
بعض الجواب هو أن باول تسيلان قد قصد من جهة أولى، تقليب التركيبة الألمانية وتفكيكها مستفسراً هذه اللغة محاكمة، عله يفهم لم انطوى ماضيها على مصير بربري كآوشفيتز، ومن جهة ثانية، جعل هذا الصراع مع الألمانية مرآة ينعكس على صفحاتها السوداء تحنن تسيلان نفسه إلى ماضيه، وهذا لا يتم إلا بمصافحة يد هذه اللغة مصافحة اغتفارية تحث روحها الطارق إلى استحضار موتى أوشفيتز وخاصة أمه التي كانت معجبة بالتراث الألماني حد إلزام جميع أفراد العائلة بأن يتكلموا ألمانية سليمة.
لكن المتبادر من أمر هذه السيرورة الشعرية التي تشبه نصلاً ذا حدين، هو أن تسيلان شعر بعد أوشفيتز، بأنه قد خسر كل شيء ولم يبق لديه من اللسان الألماني، ميراث أمه، إلا اللغة. “نعم، اللغة، فإنها بالرغم من كل الذي حدث، بقيت صامدة أمام كل خسران، لكنه كان عليها أن تشق طريقها عبر افتقارها للأجوبة، عبر صمت رهيب وسط آلاف الظلمات من الجمل الميتة. لم تقل ما حدث، ومع هذا فإنها اجتازت الطريق. عبرت، فتمكنت من البروز ثانية وقد أثريت بكل هذا”.
بواسطة هذه اللغة حيث الشعر ليس إلا “فرصتها المحتمة”، استطاع باول تسيلان أن يجمع نفسه ويوجهها، مسترسماً واقعه، “فالواقع ليس مجرد موجود، وإنما يجب أن يبحث عنه أيضاً وأن يظفر به”.

حول الترجمة

ثمة لغات تتمتع بقدرة نقل الإلتباس المتعمد في قصيدة ما، دون شرح. مثال بسيط: إن كلمة GESCHLECHT المذكورة في قصيدة “كورونا” (البيت الأول المقطع الثالث، لا الإنجليزية ولا الفرنسية قادرتان على نقل تعدد معانيها المطلوب بكلمة واحدة، كما في الكلمة العربية:”جنس”. كما أن كلمة DER SINN المذكورة في قصيدة ” تكلم أنت أيضاً” (البيت الثاني المقطع الثاني) تعني: معني ووجهة في آن، وكلمة: “القصد” تؤدي المعنيين.
مهما يكن من الأمر، فإني حاولت أن تكون ترجمتي لهذه القصائد جد قريبة من الأصل مبني ومعنى. ولتحقيق هذا الأمل، انطلقت أولاً من الترجمات الإنجليزية والفرنسية لنفس القصيدة، مما اضطرني هذا إلى الاستعانة بالسيدة يوهانا، فأخذنا نقارن جملة جملة على النص الألماني، وها أن أخطاء المترجمين تتجلى فضيحة، للمثال لا للحصر: جون جاكسون الذي ترجم “خطاب بريمن” فارتكب خطأ فادحاً، إذ ترجم: LANDSCHAFT بمنظر وهي كذلك، بينما المراد منها في سياق هذا “الخطاب”:”المقاطعة أو الإقليم”: DIE LANDSCHAFT AUS DER ICH ZU IHNEN KOMME “المقاطعة التي جئت منها إليكم”، وليس”المنظر الذي أتيت منه إليكم”. وخطأ مايكل هامبرغر بترجمة IN DER DUNUNG التي تعني في قصيدة “تكلم أنت أيضاً”: تلاطم أمواج أو أهوال (البحار) بـ DUNE كثبان رملية. على إن هامبرغر على حق عندما حذرنا من الترجمة الحرفية أحياناً. فمثلاً أن مفردة FACKEL في قصيدة DIE POSAUNENSTELLE يجب ألا تترجم “شعلة” وهي كذلك، وإنما “مصباح”، لأن ثمة تلميحاً إلى ما جاء في الفصل الثامن من سفر الرؤيا: “فهوى من السماء كوكب عظيم متقد المصباح”. لكن مارتن لوثر استخدم “الشعلة” عوض “مصباح”، في ترجمته للكتاب المقدس، وهي المعتمدة في ألمانيا. كما أن ” NACHT الليل”، غالباً ما يعني لدي تسيلان الظلمة، أو الدجى، كما في قصيدة “رفيق السفر”.
ويجدر التنبيه هنا أن باول تسيلان نفسه لم يشعر بحرج من استعمال القاموس من أجل مفردة نادرة، كما يقول الفيلسوف هانز غودمار، رغم أنه كان يمتلك معرفة تقنية جد عالية في عدة ميادين. لقد شعر باول تسيلان بأننا نعيش في “حقبة غير شعرية” (كما سماها في إحدى رسائله الأخيرة) حيث اللغة الحديثة فقدت دقتها. وها أن معظم شعره يكاد يتجلى محاولة صمود بوجه “هذه الحقبة التي لم تعد قادرة على أن تكون شعرية، وترينا أن نضمّن فيما نكتب هذه المعرفة” اللاشعرية المتجسدة كلاماً سائداً ذا ألفاظ مبتذلة من كثرة الاستعمال وخاصة الاستعمال الرديء. والصمود هذا كان غالباً ما يتجلى باسترداد أوابد لغوية ضاعت أو بقيت مندثرة في هذا المعجم أو ذاك، بينما تؤدي المعنى الدقيق والملموس، فيعيدها في تراكيب تفصح فيها هذه الألفاظ عن دفق شعري مشحون غالباً ما تفتقر إليه لغة الشعر الرائج. فضلاً عن أنه لم يخف من التصريح، أمام أصدقائه، بأنه كان يكفي لهؤلاء الشراح الذين “يسيئون فهم شعري، بفتح القاموس للتأكد من المعنى المراد”. كما أن تسيلان نفسه عرف شعره “نوعاً من ابتكار الكلمة واعادة اكتشافها”. وقد أكد عدد من الأصدقاء الحميمين للشاعر، ككلاوس ديموس، بأن مكتبة تسيلان كانت مليئة بقواميس تهتم بعلوم الأرض والمعادن والطبيعة، وخاصة التي تبحث بجذر الكلمات، شأنه شأن اودن، وفرانسيس بونج، يذكر ديموس بأن باول تسيلان كان جد معجب، مثلاً بـ MEERMUHLE وكان يريد الرسمة لهذه الكلمة في كتاب “تاريخ أصل الأرض”. ولو وقعنا على كلمة مثل هذه في إحدى قصائده، لظننا، بعد بحث دون جدوى في قاموس اللغة الكبير، بأنها من نحته: “طاحونة بحرية”، ولم لا، ونحن نعرف أن تسيلان هو سيد النحت في الألمانية المعاصرة، وهكذا يحجب هذا الظن السريع، المعني الدقيق المراد. بينما كلمة MEERMUHLE هي مصطلح يطلق على ظاهرة جيولوجية تتم في الحفر البالوعية الواقعة قرب البحر، فعندما تتصاعد قوة اندفاع المياه، يولد ارتطام الموج بالشاطئ خروماً في صخور الساحل. وفي قصيدة “ظلمات” أيضا ثمة كلمات التضاريسية:Mulde نطاق مستطيل أرضي من الضغط البارومترى المنخفض. و Maar تعني بحيرة صغيرة بركانية، حفرة يتجمع فيها ماء المطر. ولنقل تشابه الحرفين الأولين “ميم” بالألمانية، فضلت أن أجد مقابلا يضم حرفين أولين متشابهين، فترجمتها على التحو التالي: الغور والغدير. وفي المنجد تعريف الغدير هو: “قطعة من الماء يتركها السيل”.
 وأحيانا يستعمل كلمات لها دلالات استعمالية يومية. فمثلا ” Krug تعني جرة لكن تستعمل مجازا في الحياة اليومية “بار، حانة او مشرب”. وهكذا تكون ترجمة البيت التالي: Es wird einer die bratsche spielen, tagabw?rts, im Krug “شخص ما سيعزف على الكمان، منحدرَ النهار، في الحانة”. أما الذي لا يعرف الألمانية أو على الأقل الذي لم يعش فعلا في المانيا فسيترجم Krug بجرة، والبيت “واحد سيلعب الكمان، خلال النهار في الجرة”!!!
إذاً للتغلب على الصعوبة فى ترجمة شعره، على المترجم أن يدأب أولاً في البحث عن المعنى بين ثنايا معاجم جد متخصصة في علم طبقات الأرض وتضاريسها، علوم الطبيعة، الفلك إلخ. وثانياً، أن يتبع نصيحة تسيلان نفسه بأنه علينا أن نقرأ ونعيد القراءة ثانية وثالثة وبحميمية خالصة، فإذا المعنى المراد واضح دون أي لبس. فضلاً عن أن تسيلان قلما يستعمل أوزاناً أو قافية، مما يخفف من عبء الصعوبة.

بقيت نقطة أخيرة وهي: اني أتابع، منذ سنوات طوال، معظم ما نشر وينشر بالإنجليزية والفرنسية، وما يترجم من الألمانية إلى هاتين اللغتين، من أبحاث قيمية تتناول شعر تسيلان بتحليل نقدي. أبحاث عبّدت أمامي كل الطرق الوعرة، ذلك لأنها تروم في أقصى معاني شعره مبينة سياقاته التراثية المرجع، والمعطيات الأساسية اللازمة لتذوقه – لتبنيه سلاحاً بوجه ذائقة الشعر المعتادة، الميتة والمميتة. ولا أنسى تلك الأحاديث مع الراحلة جيزيل ليترانج، زوجة باول تسيلان، التي كان لها الدور المشجع والمضيء، إذ كثيراً ما كانت تتفق مع تحليلي بأن شعر تسيلان ينطوي على فكاهة سوداء تتشظي قنبلة داخل اللاهوت، رغم أنف كل هؤلاء الشراح الذين يسلطون رؤوسهم، عبثاً، حتى يعود حاخاماً أبلهاً في جبة صوف. فقد وضح سيلان نفسه، في مقابلة أجراها معه في أواخر حياته الناقد هوبرت هيغو، بأن ما يسمي “تجريداته وغموض شعره لهو جزء من الواقع الحقيقي، ومحمل بالمعني، بعيداً عن أي هم ترانسدنتالي”.

مع هذه المقدمة سانشر ست قصائد… ولنبدأ بقصيدة قصيرة من “تقلّبات النفس”، كنموذج للطريقة التي اتبعتها في ترجمة قصائده. ولاحاجة أكرر اني اعتمدت في كل اضاء كتبتها على ما قرأت من مقالات وكتب وتحاليل متعلقة بأشعار تسيلان وسيرته. (المقدمة والتراجم سبق أن ظهرت اولا في طبعة (صورة 1) عام 1988 وفي طبعة ثانية (صورة 4) منقحة عام 1994

باريس شباط 1988 – شباط 1995

ذات مرة
EINMAL

Einmal,

Da h?rte ich ihn,

Da wusch er die Welt,

Ungesehn, nachtlang,

Wirklich.

 

Eins und Unendlich,

Vernichtet,

Ichten.

 

Licht war. Rettung.

ذات مرة، حيث سمعته
حيث كان يغسل العالم
غيرَ مرئي طوال الليل
واقعيّ.

واحدٌ وغير متناهٍ
فـُنِـيـَ
ني.

فكان النور. خلاص.

إضاءة:
[ ICHTEN كلمة من نحت الشاعر، وهي ثرية بالتساؤلات والمعاني مما يستحيل معها نقلها إلى أية لغة كانت: أهي تكرار صوتي للنصف الأخير من كلمةVERNICHTET (فـُنِـي) وباستبدال الحرف الأخير T بحرف n تحولت إلى ICH (أنا) مصرّفة في زمن ماضي ICHTEN (ني)؟ أم تقصد هذه التركيبة نفي النور NICHT / NICHT (برهان ما فني VERNICHTET ) وعندها يفهم من كلمة خلاص انقاذ من النور وليس دعوة إليه] تبقى كلمة ICHTEN ماضي  ichene زتعني فقا لمعجم الأخوة غريم تعني التأكيد على الذات حد الأنانية.

 

TODESFUGE

حليب الفجر الأسود نشربُه في المساء
نشربه ظهراً أو صباحاً نشربه في الليل
نشربُ ونشربْ
نحفر قبراً في الجو حيث يتمدد المرءُ   
(الحفر هنا يتم بالمجراف Schaufeln )
من غيرِ ضيقٍ
رجلٌ يسكنُ في البيت يلعبُ والثعابين يكتبُ
يكتبُ ما إن يحل الغسق إلى ألمانيا شعرك الذهبي مارغريت
يكتبه ويظهرُ أمام البيت والنجومُ تومض
ويصفـّر لكلابه أن تأتي
يصفر ليهوده أن يطلعوا وانْ يُحفرَ قبرٌ في الأرض
يأمرنا اعزفوا ليتمّ الرقصُ
حليب الفجر الأسود نشربُـك في المساء
نشربـُك صباحاً وظهراً نشربـُك في الليل
نشربُ ونشربْ
رجلٌ يسكنُ في البيت يلعبُ والثعابين يكتبُ
يكتبُ عندما يحل الغسق إلى ألمانيا شعرك الذهبي مارغريت
شعرك المُرمَـد شولميث إنا نحفرُ قبراً في الجو
يتمدّد المرءُ فيه من غيرِ ضيقٍ
ينادي أوغلوا المجرافَ عميقاً في الأرض
وأنتم رنـّموا واعزفوا
يستلّ الحديدة من حزامِه فيشهرها، عيونُه زرقاء
أنتم أوغلوا مجاريفكم عميقاً، وأنتم تابعوا العزفَ
ليتمّ الرقصُ

حليب الفجر الأسود إنا نشربُـك في الليل
نشربـُك في الظهيرة وفي الصباح نشربـُك في المساء
نشربُ ونشربْ
رجلٌ يسكنُ في البيت شعرك الذهبي مارغريت
شعرك المُرمـَد شولميث، إنه يلعبُ والثعابين
ينادي اعزفوا لحن الموت بعذوبة أشد
الموتُ معلـّمٌ من ألمانيا
ينادي داعبوا الأوتار بكآبةٍ أكثر عندها ستصاعدون
كدخان في الجو
عندها يكون لكم في السحب قبرٌ يتمدد المرءُ فيه
من غيرِ ضيقٍ
حليب الفجر الأسود إنا نشربك في الليل
نشربُـكَ في الظهيرة الموتُ معلـّـمٌ من ألمانيا
نشربُـكَ في المساء وفي الصباحِ نشربُ ونشربْ
الموت معلم من ألمانيا لعينه زرقةْ
*
يصيب برصاصة يُصيب بدقة
رجلٌ يسكن في البيت شعرك الذهبي مارغريت
يحرّش كلابَه علينا ويهبنا قبراً في الجو
يلاعب الثعابين ويحلمُ الموتُ معلـّـمٌ من ألمانيا

شعرك الذهبي مارغريت
شعرك المُرمـَد شولميث

* الترجمة الحرفية: “عينُه زرقاء”. غير انني غيرتها لأجل إبراز القافية الوحيدة الموجودة في كل القصيدة، كما لاحظ جان بيير لوفيفر، بين blau “زرقاء” و genau “دقـّة”.

إضاءة:

تركت هنا عنوان هذه القصيدة بلا مقابل عربي. فهو مركب من كلمة “موت” و Fuge التي يترجمها العرب بكلمة “تسلسل”.. وهو مصطلح موسيقي يطلق على نغم يتكرر مع بعض التغييرات.. والمراد من العنوان: “لحن الموت المتغيّرُ العود”، واقرب مقارب في نظري هو “تقاسيم الموت”. أول نشر لهذه القصيدة كان في ترجمة رومانية قام بها صديقه بيتر سولومون وكانت تحمل العنوان التالي Todestango “تانغو الموت”. غير ان باول تسيلان الذي نشرها عام 1945 بالألمانية حذف كلمة “تانغو” ووضع Fuge وهكذا فك القصيدة من أسر شعرية البداهة الواقعية المرتكزة على الشهادات والوثائق، واطلاقها في فضاء الشعرية الأعمق المرتكزة على كونيةٍ ومدى لغوي أرحب. كتاب جيري غليم كان مفتاحا لي لفك شفرة العديد من الكلمات… أول نشر لترجمتي هذه تمت عام 1983 في عدد “مهماز النقطة”، في نقد وجهته ضد ترجمة عبد الغفار مكاوي السيئة لأربع قصائد لتسيلان في كتابه “ثورة الشعر الحديث” (صفحة 310- 313) لقصائد تسيلان القصائد الأربع لتسيلان.. حيث أسقط الأسطر الخاصة باليهود كما انه حذف اشارة تسيلان الى محرقة اليهود على يد النازيين: “شعرك المترمّـد شولميت، التي صارت على عبدالغفار: “شعرك المترب شولميت”… علاة على انه لم يعر أية أهمية لوظيفة الكلمات بالأخص عند تسيلان/ “رمل ناعم” مثلا، صار: “رمل لطيف”!
في مطلع 1970، تم نشر قصيدة بعنوان ER “هو” لشاعر ألماني مجهول اسمه ايمانويل فايسغلاس.. مكتوبة عام 1945 وتكاد تكون نسخة طبق الأصل من قصيدة باول تسيلان. ففيها نفس تكرار العبارات كـ”حليب الصباح الأسود” وغيرها. لكن، كما اوضح عدد من النقاد أن معظم معتقلي المعسكرات النازية كانوا يرددون عبارات من هذا النوع، كما ان قصيدة فايسغلاس تختلف جوهريا عن قصيدة تسيلان، خصوصا في بنيتها الشعرية، فقصيدة فايسغلاس تراكيبها جد تقليدية ومحافظة، بينما قصيدة تسيلان متمردة التركيب وحديثة البناء. و فايسغلاس نفسه أكد انهما كتبا قصيدتهما في نفس الوقت.. ورفض ان يتهم تسيلان بالانتحال.

تكلم أنت أيضاً
SPRICH AUCH DU

تكلم أنت أيضاً
تكلم كآخر من يتكلم
قل قولك.

تكلم
بيد ألا تفصل لا عن نعم
أنل كذلك كلمتك القصد:
أنلها الظلال

أنلها كفايتها من الظلال
أنلها قدر
علمك بما وُزّع مدارَك بين
منتصف الليل والظهيرة وناصفة الليل.

تطلع مدارَك:
انظر كيف يغدو مدارَك حياً
حيث الموت! حيّ!
يُـفصحُ الحقيقة، من يفصح ظلالاً.

على أن المكان، حيث تقف، ذا هو يتقلص:
أين الآن، يا أيها المجرد من الظلال، إلى أين؟
طريقٌ صاعدٌ. تلـمّس صُـعُـداً.
إنك ناحلٌ، متضائلُ السِّـمة، راهفْ!
جدّ رهيف: خيطـٌ
به تريد أن تتدلى، النجمة ُ:
أن تسفل حتى تعومَ في القعر، تحتاً
حيث ترى نفسها تـَـلـْمع: في تلاطم
الكلمات الرُحّـل.

***

ظلمات
TENEBRAE
قريبون
(جدا) منك، نحن يا ربّ،
قريبون، ويمكن امساكنا.

قد أُمسكنا، يا رب
متشبّثة أظافرنا، بعضنا ببعض، وكأنّما
جسد كلّ منّا
جسدك يا ربّ

صل، يا ربّ
صلّ إلينا
نحن قريبون.

مائلين بفعل الريح كنا نذهب
كنا نذهب لننحنيَ
على الغـَور والغدير.

إلى الحوض كـنـّا نذهب، يا ربّ.

كان دماً، كان،
ما أهرقته، يا ربّ

كان يلمع.

ألقى صورتـَك في عيوننا، يا ربّ.
العينان والفم كم هي مفتوحة وفارغة، يا ربّ.

شربنا، يا رب.
الدمَ والصورة التي كانت في الدم.

صلّ، يا رب
نحن قريبون.

إضاءة:

 كتبت هذه القصيدة المقطعة من أبيات جد موجزة يكاد يتكرر في كل بيت “أيها الرب”، على غرار الابتهالات الدينية. لكنه ابتهال سلبي يحمّل مسؤولية ذبح اليهود في أوشفيتز، لذا عليه أن يصلي هو لهم، فالرب هذا قد انتهك وصيتين من وصاياه، سفك الدم وجعل شعبه أن يشرب الدم. والوصيتان هاتان مذكورتان في سفر الاحبار: من سفك دماً: يفصل ذلك الرجل من وسط شعبه”، وفي نفس السفر هذا يحرم الرب شرب الدم:” لا يأكل أحد منكم دماً”. وعبارة سفك الدم في العهد القديم جاءت بنفس الصياغة في قصيدة باول تسيلان.
وتكاد تكون هذه القصيدة، كما بين غوتز فينولد، دحضاً لما جاء في قصيدة هولدرلين: PATMOS التي يستهلها بالبيت التالي:” قريب /ولا يمسك، الرب / وحيث الخطر / ثمة الخلاص أيضاً”.
“يعض (ينشب) بعضنا البعض” إشارة إلى تكدس الجثث في العربات.
TENEBRAE مصطلح لاتيني يراد منه الظلمات التي حلت لمدة ثلاث ساعات بعد صلب المسيح. وقد ذكر تسيلان انه كتبها في الشارع ودفعة واحدة، واعتبرها من أفضل قصائده. لكن سدولها لا يزال مرخياً. إلى يوم القيامة، في نظر باول تسيلان. ويتذكر الناقد الهيغلي بوتغلر أنه نصح باول تسيلان ان يحذف البيت الاستفزازي ” صلّ إلينا” من القصيدة لأنها كفر واضح وعكس للآية، فالله هو الذي يجب أن يصلّي إليه العبد ويستغفره، وقد تثير ردود فعل سلبية ضده. وافق تسيلان على حذفها، معتبرا ان هذا البيت “مجرد تلميح فارغ”. لكن عندما نشرها في الديوان أعاد البيت.
عندما قرأ الناقد اللبناني الصديق خير الله أسعد ترجمتي لأشعار باول تسيلان الصادرة في كتاب، بعث الي برسالة ذكر فيها اعجابه “بترجمتي في قربها الشعري من الأصل رغم عدم معرفتك بالألمانية”. واقترح بعض التعديلات لثلاث قصائد: “مزمور”، “كان فيهم تراب..” وهذه القصيدة. فاقترح أن أستعمل مقابل Herr “سيّد لأنها أكثر توراتية وانجيلية”، بينما “رب” إسلامية محضة. عنده حق غير أني وجدت كلمة “سيد” مبتذلة الاستعمال عند العرب، واستخدامها في هذه القصيدة سيدمر الطابع الالحادي الأساسي في القصيدة. غير اني وافقت على استخدام “جسد” كمقابل لـ Leib بدل “لحم”، لما لـ”جسد من تراث ديني وما تحمله من ايحاءات.. جسد المسيح… خلود الجسد، الخ”.

 

كان فيهم تراب وكانوا يحفرون
ES WAR ERDE IN IHNEN UND SIE GRUBEN

يحفرون ويحفرون، وهكذا انقضى
نهارهم وليلهم. ولم يحمدوا الله
الذي، هكذا سمعوا، كان يشاء هذا كله
الذي، هكذا سمعوا، كان يعرف هذا كله.

كانوا يحفرون، ولم (يعودوا) يسمعون أيّ شيء
لم يصبحوا حكماء، لم ييتدعوا أنشودة
لم يستنبطوا لهم أيّة لغة
كانوا يحفرون.

وكان سكونٌ، وكانت أيضاً عاصفة،
وجاءت البحار جميعها
أنا أحفر، أنت تحفر، والدودة أيضاً تحفر
والأغنية هناك تقول: إنهم يحفرون.

يا أحد، يا ما أحد، يا لاأحد، يا أنت
اين مضى، مادام لم يمض إلى أيّ مكان؟
يا أنت تحفر، وأنا أحفر، وأنا أحفر ذاتي نحوكَ
وعلى الأصبع ينبئ الخاتم عنا
*

* وحرفياً: وعلى الأصبع يستيقظ لنا الخاتم.

***

مزمور
PSALM

لا أحد يجبلنا ثانية من التراب والطين
لا أحد يعوّذ ثرانا
لا أحد.

الحمد لك، يا لاأحد
من أجلك نريد
أن نزهر
نحوك.

لا شيءَ
كنا، مازلنا، وسوف
نبقى، مزهرين:
وردة اللاشيء،
وردة اللاأحد.

بقلم التويج الواضح وضوح النفس
والسداة القاحلة كالسماء
والاكليل الأحمر
بسبب كلمة ألارجوان التي كنّا نغنّيها
فوق، آه فوق
الشوك.

***

تودنوبيرغ
TODTNAUBERG
 
أرنيكا، بلسم العين، الشربة
من البئر التي
يعلوها نرد نجمي.

في
الكوخ.

السطر الذي في الكتاب
- أسماء من قد سُجِـّـلـَت
قبل أسمي؟ -
الذي في هذا الكتاب
دون عن
أمل اليوم،
من مفكر
كلمةٌ
آتية
 إلى القلب.

دبـَل الغاب، غير سوي
سَـحـْـلـَب فسحلب، فـَرادى
فظاظةٌ، فيما بعد، خلال التنقل
بيـّنـة،
الذي يسوقنا، الرجل
المتـنصت.

ممراتٌ من عصي
نصف مسلوكة

رطوبة،
جمّة.

إضاءة:
تودنوبيرك (الغابة السوداء) مقام مارتن هايدغر الذي زاره باول تسيلان (1967)، فكانت هذه القصيدة تعبيراً عن انطباعاته وخيبة أمله في هذا الفيلسوف الذي لم ينطق الكلمة التي تعطيه حق الكلام عن الشعر فتغفر له فعله انهماكه في الحكم النازي ( 1933 – 1934). والجدير بالذكر أن تسيلان قد رفض أن يصور مع هيدغر خلال هذا اللقاء الوحيد. ويقال أن هيدغر دهش من معرفة باول تسيلان الخارقة لأسماء الحيوانات والنباتات والأزهار، أكثر منه بكثير.
أرنيكا (زهرة عطاس) نبات عشبي معمر من فصيلة المركبات الشعاعية. يقال أنه من النباتات الطبية العديدة المنافع للأمراض المبهمة. أما بلسم العين فهو نبات عشبي بري حولي شبه طفيلي لأنه يركب بجذوره جذور النباتات الأخرى. وأوراقه وأزهاره تنفع الرمد وجميع التهابات العين.
سحلب كلمة مولدة، ويعتقد المعجمي دوزي بأنها تصحيف لما كان يسمى في العربية خصي الثعلب. جنس أعشاب معمرة، بعض أنواعه الشاي الذي نشربه، فيه برية وأخرى تزرع للتزين سموها اليوم الأركيد.

يتبع

 

صورة 4: غلاف الطبعة الثانية من ترجماتي صدرت عام 1994 ومنها أخذت المقدمة المنشورة هنا والترجمات