Skip navigation

Category Archives: قصيدة النثر

 

فراديس) مجلة تعنى بالشعر وتحولاته أطلقها وحررها من باريس الشاعر عبد القادر الجنابي في تسعينيات القرن العشرين

هذه المدونة التي يحررها ويشرف عليها الشاعر حكمت الحاج هي تكريم لذكرى (فراديس) وصاحبها ولقوة ما أنتجته من تأثير في الشعرية العربية الراهنة

تتضمن هذه المدونة ما تيسر من مواد (فراديس) المجلة بأعدادها العشرة قبل توقفها عن الصدور، اضافة الى أهم ما كان قد نشر، وما استجد من أعمال الشاعر عبد القادر الجنابي، على أمل أن تتوفر الامكانات والفرص لنشر أعداد مجلة (فراديس) كاملة كما تم نشرها حينها

Advertisements

GMT 15:15:00 2006 السبت 11 نوفمبر

عبدالقادر الجنابي


في واحدة من أفضل المقالات عن أندريه بروتون نبه الشاعر المكسيكي اوكتافيو باث الى نقطة جوهرية يجب أن تؤخذ في الاعتبار: “من المستحيل الكتابة عن أندريه بروتون بلغة تنقصها العاطفة والشغف”. وها هي ذكرى وفاته الأربعون تَحلُّ، وبمناسبتها سيحتفل كل على طريقته، بل حتى الخصوم ستكون لهم كلمة بشأنه. ذلك أن ذكرى بروتون لابد أن “تندلع في رأس الجميع اندلاع الينابيع في حقل من الورد”، على حد عبارة الشاعر الصديق أنسي الحاج. فلكل قرن أسطورة، وأسطورة القرن العشرين هي السوريالية، ولولا أندريه بروتون، بسلامته، خلقه وصلابته الفكرية، لما كان لهذه الأسطورة مقامها في حضرة تاريخ الذكاء الإنساني. وها نحن بدورنا نقوم بزيارة أهم المحطات في حياته متلمسين تبلور المقومات الرئيسية للسوريالية، فيستخلص القارئ بنفسه ما تبقى منها ساري المفعول وفعالا في مطلع الألف الثالث.

ولد أندريه بروتون في التاسع عشر من شباط (فبراير )1896 في “تانشبريه” (آورن – فرنسا) لأب أصله من مقاطعة “اللورين”، عَلماني وجد متحمس لتطلعات ولده، والأم أصلها من “بريتاين” مؤمنة وباردة سيصفها بروتون لاحقا بعبارات جد قاسية: “متسلطة، ضئيلة، حقودة”، مما جعلت الجو العائلي لا يطاق (وهنا يكمن احد الدوافع وراء تصريحه في كتابه “الحب المجنون”: “يجب طمر العائلة، قبل كل شيء”)، ومع هذا فان ثمة أوقاتا جميلة، في طفولة بروتون، لعبت دورا كبيرا في تنمية حاسته التشكيلية، خصوصا تلك

منشورات المعارك من أجل الدادائية والسوريالية

لتي كان يتلقى فيها تربيته على جَده لأمه، بيير لكوجيس. فبيير هذا كان قاصا ماهرا، علّم بروتون اللغة وقصص الغموض والأسرار، والاهتمام الشديد بالحشرات والولع بالغابات.

غادرت عائلة بروتون، في فاتح القرن العشرين، غابات “بريتاين” صوب باريس، لتستقر قرب منطقة “بانتان”. دخل اندريه مدرسة “شابتال” في عام 1904. وها هي حياته تتكدر بسبب الروتين المدرسي وتصرف أمه السلطوي. وما إن بلغ الخامسة عشرة حتى تجلى له بفضل احد المعلمين أساطين الشعر ونوره: مالارميه، بودلير، شعراء الرمزية الخ فأخذ يحضر القراءات الشعرية التي كانت تجري في مسرح “لفيو كولومبييه”… بل حاول كتابة الشعر متأثرا ببول فاليري، فكانت قصيدته الاولى التي نشرها اوائل 1914 في مجلة “الكتيبة” مهداة الى فاليري. وكانت الزيارات مع أبيه إلى بعض المتاحف والمعارض، تمتع ناظريه وتعمق من حاسته النقدية. شاهد للمرة الاولى لوحات ماتيس، فاثارت إعجابه بقدر ما كان والده يجدها مخزية. لكن دهشته الحقيقية تجسدت في زيارته “متحف غوستاف مورو” الذي أثر بشكل قاطع على مفهوم الحب لديه. ذلك أن الحب والجمال تجليا له بواسطة وجوه نساء “مورو” والوضعيات المعينة التي اتخذتها. وكم تمنى بروتون لو حُبس في ذلك المتحف ليلة ليطوف وحده القاعات كلها. وفي غمرة هذا التلقين الروحي والتطهير الشعري، وقع في حب ابنة خالته “مانو” التي أدرك من خلالها المزيج من الإغراء والذعر. لم تدم العلاقة طويلا. وفي تشرين الاول (اكتوبر) 1914، دخل كلية الطب تلبية لطلب أبويه، وها هو يغير، في سجل الكلية، تاريخ ميلاده من 19 شباط الى 18 شباط، وهو تاريخ ولادة ابنة خالته. وسيكون لهذا التغيير الناجم أولا عن تجربة حب فاشلة، من برج الحوت إلى برج الدلو دلالة تنجيمية يتغذى منها فكر أندريه بروتون برمته.

كان الشارع الفرنسي منشغلا بأخبار اندلاع الحرب العالمية الاولى وخصوصا بانعدام الأمل في السلام بعد مقتل الاشتراكي جان جورس. وقد كتب بروتون إلى صديقه تيودور فرانكل، رسالة يفصح فيها عن امتعاضه من المشاعر الشوفينية والحماسات الهستيرية لدى الناس. والغريب انه في هذه الفترة بالذات، حصل على الطبعة الكاملة لأعمال رامبو التي تضمنت رسائل لم يحبذ احد آنذاك قراءتها، خصوصا تلك الموجهة الى جورج ازامبارد في الخامس والعشرين من آب (اغسطس )1870 يحذر فيها من يقظة العسكر: “وطني ينهض افضل ان اراه جالسا: لا تهيجوا الجزم. هذا هو مبدئي”. تمنى بروتون أن يُعفى من الخدمة العسكرية. لكن هيهات، فالفحص الطبي أكد انه صالحٌ،

بروتون مع تروتسكي والفنان المكسيكس ديغو رفيرا

وعليه أن يسجل، للخدمة العسكرية، فتم ارساله في الخامس والعشرين من شباط 1915 الى مدينة “بونتيف” في “بريتاين” لاتمام التدريبات اللازمة، وبعد خمسة اشهر أرسِلَ الى مدينة “نانت” كممرض في مستشفى البلدية. ومع هذا كان بروتون طوال فترة الحرب يتغذى بأفضل ما كان ينتجه شباب جيله امثال “مارسيل دوشان” هذا الفنان الذي عبر عن اشمئزازه من الفن، مفضلا لعب الشطرنج، وهو صاحب نظرية جديدة تقول ان كل ما يجده المرء من أغرض مرمية (ready made ) يمكن لها ان ترقى الى مستوى الفن وفقا لارادة الفنان. وبالفعل فان العمل الذي عرضه دوشان في معرض المستقلين سنة 1917 في نيويورك، كان “مبولة” وجدها في الشارع وحتى يجعل منها تحفة فنية خالدة، كتب فقط على أحد جوانبها بالحبر الصيني: “نافورة”، وهكذا دخلت متحف نيويورك كواحدة من أعظم أعمال الحركة الدادائية! وثمة شهاب آخر مر في سماء الاحتجاج على العقلانية المتوجة بأبشع حرب عالمية: “آرتور كرافان ‘الذي كان يعتبر نفسه “جنديا فارا من سبعة عشر بلدا”، غير اسمه مرات، وادعى انه الابن الشرعي لاوسكار وايلد! وذات يوم عبر الخليج المكسيكي فاختفى، لا يعرف احد إن مات غرقا، أو غير هويته واسمه ومهنته، وبات إنسانا آخر لا علاقة له البتة بكل هذه الأسطورة التي خلدته كأب أول للحركة الدادائية، صاحب مجلة صغيرة مطبوعة على ورق لف اللحم، غير منتظمة الصدور، كان يكتب كل موادها، صدر منها ستة أعداد فحسب، عنوانها: “الآن”! يقال أن تروتسكي التقى به في سفينة.

كان اندريه بروتون يجتاز التجارب الشعرية والفنية الجديدة التي شهدتها فرنسا منذ اندلاع الحرب العالمية الاولى، مع تتبع اخبار المجموعات الفوضوية ويستلهمها، خصوصا مجموعة “بونيه” التي كانت تهاجم مراكز الشرطة والمصارف. كما كان يواصل مراسلاته مع شعراء الحداثة آنذاك كفاليري وابوليتير مستفيدا من ملاحظاتهم النقدية ازاء ما ينشره من قصائد ما تزال تعكس تأثيراتهم وتأثيرات ماليرميه ورامبو. الا انها قصائد واعدة تنم عن اسلوب مشغول بليغ لا يقبل السهولة. لكن الشيء الغائر في اعماقه كان يحتاج الى من يبرزه الى العيان. واذا بنظره يقع، اثناء احدى استطلاعاته داخل ردهات المستشفى، في مدينة نانت، اواخر شباط 1916، على شاب ادخل للمعالجة، له شعر اصهب، غريب الاطوار يعاكس الممرضات باحاديث غريبة ويرسم نفسه على بطاقات واقفا وخلفه جثثت الحرب وكأنه متكئ على بار. اللقاء بهذا الشاب سيغير حياة اندريه بروتون: انه جاك فاشيه الدادائي قبل الدادائية، المغرم بالملابس بحيث كان يتجول مرتديا زي ضباط في الخيالة، او زي طيار او طبيب. وان التقاك، فانه يتابع طريقه كأنه لا يعرفك ابدا لا يمد يده للمصافحة ولا يقول عمت صباحا او عمت مساء يكره رامبو بل يشك حتى في وجوده. معجب بالفريد جاري، ويكاد يجهل ابولينير ولم تعجبه مسرحية ابولينير: “ثديا تيرزياز”، اذ ما ان انتهى فصلها الاول الذي اثارت قرفه، حتى سحب مسدسا وهو بزي انكليزي وهدد المشاهدين باطلاق النار عليهم. كانت له صديقة، وعندما يأتيه زائر يطلب منها ان تجلس في الزاوية صامتة لساعات، وعندما تدق الخامسة بعد الظهر تقوم وتقدم لهما الشاي فيشكرها بقبلة على احدى يديها. انه “سيد فن التقليل من اهمية كل شيء”. لم يترك عملا ادبيا واحدا، اذ كل ما تركه من “تراث يذكر” هو 15 رسالة صغيرة، نشرها اندريه بروتون سنة 1919، مع مقدمة تحت عنوان “رسائل

بريشة اندريه ماسون

الحرب”. وجدوه مع جندي آخر ميتا من معاقرة الافيون، في غرفة فندق، عن عمر يناهز الثالثة والعشرين. كان لخبر انتحاره الغامض الى اليوم، وقع الصاعقة على اندريه بروتون، خصوصا انه جاء بوقت قليل بعد موت أيولينير. اكتشف بروتون من خلال احتقار فاشيه لكل ما يمت بصلة الى عالم الفن والكتابة، بأن كل هؤلاء الشعراء الذين كان يعقد عليهم امالا ليسوا سوى رجال ادب همهم ابقاء اللعبة الادبية مستمرة، بل تراءت لبروتون من خلال معاشرته فاشيه، امكانية وجود شعر بلا قصائد. وقد كتب بروتون ذات مرة: “لو لقائي بجاك فاشيه، لكنت الآن مجرد شاعر”!

اصدر بروتون سنة 1919 مجموعته الشعرية الاولى تحت عنوان: “محل الرهونات” وكأنه يسدد ديونا ادبية للشعراء الذين تأثر بهم وتتجلى فيها بكل وضوح تأثيرات رامبو وريفيردي وابولينير، كما اعتمد تقنية جديدة هي مونتاج فقرات مقتطفة من هذه الجريدة او تلك المجلة بعد تحويرها. ولئن تفصح المجموعة عن محاولات تجديد يتجلى فيها رفضه المبكر للمقاييس الادبية السائدة، فان بروتون كان غير راض عما يكتبه، اذ ثمة شيء ناقص لم يع آنذاك ما هو. ما هي الحدود الفاصلة بين الشعر والحياة؟ ما جدوى الكتابة؟ فالمسألة ليست كيف تكتب، وانما كيف تحيا، ولماذا تحيا الخ.

وذات مساء، وهو على وشك ان ينام، سمع بكل وضوح جملة بدت له ملحاحة، كانت “تقرع زجاج نافذته”، وما ان حاول تدوينها حتى لم يعد يتذكرها بالضبط، شيء من هذا القبيل تقريبا: “ثمة رجل تشطره النافذة الى نصفين”، لكنها لا تحتمل اي لبس، اذ كان يرافقها تخيل بصري طفيف لرجل يسير وقد قطعته في النقطة الوسط نافذة تعامد محور جسمه. وما من شك ان الامر كان يتعلق برجل يطل من نافذته.. فادرك بروتون انه يتعامل مع صورة من النوع النادر، ولم يخطر له سوى ادخالها في صلب بنائه الشعري. وبينما كان مشغولا بفرويد وقد ألف طرق فحصه التي يطبقها على بعض المرضى، فقد صمم على ان يحصل من نفسه ما كان يحاول الحصول عليه منهم، اي على مونولوغ منطوق بأسرع ما يمكن من دون اي تدخل من جانب الحواس النقدية، وبالتالي مونولوغ غير متلبك بأدنى الطموحات، واقرب الى التفكير الشفهي وقد بدا له ان سرعة التفكير لا تفوق بكثير سرعة الكلام وانها لا تتحدى اللغة حتما ولا حتى القلم الذي يجري بها.

اطلع بروتون فيليب سوبو على النتائج الاولية واخذا يسودان الورق وهما في ازدراء محبب لما قد يسبب هذا في نظام الأدب. وبتعليقهما العالم الخارجي، ارادا ان يعيدا، طوعا، داخل ذواتهما الحالة التي كانت تتشكل فيها هذه الجمل المشبعة بالالغاز، وقد تواردت عليهما على هذا النحو طوال شهرين، تتزايد اعدادها وتتلاحق دونما فاصل زمني وليست “الحقول المغناطيسية” التي صدرت في ايلول (سبتمبر )1920، سوى التطبيق الاول لهذا الاكتشاف (اكتشاف وليس ابتكارا) اذ يمكن العثور على ما يحمل سمات الكتابة الاوتوماتيكية لدى كتاب الماضي من افلاطون حتى كنوت هامسن، لكن بسبب انانيتهم الطامحة الى ثواب رسمي، اتخذوها مجرد وسيلة للصناعة الادبية، بينما السوريالية اعتبرت الكتابة الاوتوماتيكية، التي كشفت عن نفسها للمرة الاولى عبر هذه “الحقول”، صيغة عليا يكشف بها الانسان سره وسر الكون.

الكتابة الاوتوماتيكية تفقد فاعليتها ما ان تستعمل لخدمة أهداف ادبية. لم يتأخر بروتون عن منح الكتابة الاوتوماتيكية اهمية فكرية كبرى اكثر من اعتبارها مجرد مواد للكتابة

غلاف احد دواوينه صممه مارسيل دوشان

الشعرية. وليس اعتباطا ان تكون في صلب التعريف الذي وضعه بروتون سنة 1924 للسوريالية: “اسم مؤنث، وهي الآلية النفسية المحض التي يريد المرء عن طريقها التعبير شفويا أو كتابيا أو بأية طريقة اخرى عن وظيفة الفكر الحقيقية. وهي ما يعلي الفكر بعيدا عن أية رقابة يمارسها العقل وبعيدا عن أي اهتمام جمالي أو اخلاقي”.

وبالاشتراك مع فيليب سوبو ولوي اراغون، اصدر بروتون (آذار /مارس 1919 )مجلة جديدة عنوانها: “أدب” لا لتدل على تهكم من مفهوم الأدب كله فحسب، بل لاستنطاق كل الاشكال المؤدية الى مضمون تحرري من ربقة الانانية الادبية. وعند وصول تريستان تزارا اثر دعوة بروتون اياه الى باريس فتحت المجلة صدرها لبيانات تزارا، بحيث اصبحت منبرا للعصيان الدادائي في فرنسا. كانت هذه المجلة المنطوية على بذرة السوريالية، أول من اجرى الاستفتاء الساري المفعول حتى اليوم: “لماذا تكتبون؟”. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الكتابة في نظر بروتون لم تكن سوى طريقة أخرى للتواصل الإنساني، ولخلق التواصل مع الآخر يجب أن يكون هناك معنى؛ قضية وجوهرا في الكتابة. فمن الخطأ إذا، أن نسأل ما الذي يميز بروتون عن بقية رفقائه السورياليين. ففي نظر بروتون لكل إنسان تعبيره وبالتالي إضافته. لم يقبل أحدا في الحركة السوريالية ما لم يكن له شيء، حتى لو كان جد صغير، يضيفه.

سرعان ما اكتشف بروتون ان ليس من جديد في كل هذا التمرد النفيوي الدادائي، اذ سبق ان عاصر نفيا للفن كهذا قبل ظهور الدادائية، عند جاك فاشيه الذي كتب: “الفن حماقة”. ذلك ان بروتون اراد من كل هذا الوعي المضاد لمسيرة العقلانية في التاريخ، ان يكون تمرد ذكاء قادر على تخليص العقل من محدوديته وجعله مفتاح الحريات كلها. فها هو يمهد، في مقالته عن لوتريامون المنشورة في “المجلة الفرنسية الجديدة” (حزيران /يونيو 1920 )، انفصاله عن الدادائية بالعبارة التالية: “والآن ندري ان الشعر من شأنه ان يفضي الى مكان ما”. كما ان المشكلة في نظر بروتون، لا تكمن في الفن وانما في صلب الذين يوجهونه، وما على الدادائية الا ان تحاكمهم بدلا من ان تواصل التهريج والمشهدية. لذا طالب بروتون بمحاكمة موريس باريز الذي كان في شبابه كاتبا ذا طموحات مثالية ومخيلة رائعة، لكنه وضع الآن كل مواهبه من اجل خدمة شوفينية للارض والموتى والوطن، اي في خدمة كل ما كانت ترفضه مجموعة “أدب”. واثناء المحكمة اندلعت مساجلة حادة بين تزارا وبروتون اثارت حربا بينهما. لكن بروتون اقترح عقد “مؤتمر دولي لتحديد ايعازات الفكر الحديث والدفاع عنه”. فامتنع تزارا عن الحضور. فلم يكن امام بروتون سوى ان يهجر “دادا”مع عدد من رفاقه. فكفت مجلة “أدب” ان تكون منبرا دادائيا، من سنة 1922 وحتى

الصفحة الرئيسية من جريدة الفوضويين الفرنسيين

احتجابها سنة 1924، مركزة اهتمامها على مواضيع التجريب الشعري بكل الوسائل: الكتابة الآلية، سرد الاحلام، نصوص يتم الحصول عليها بواسطة التنويم المغناطيسي. ولئن كانت مقومات السوريالية آخذة في الظهور، فان ترددا كان يمنعها من اعلان نفسها. وخلال هذه الفترة الحرجة من تاريخ السوريالية، ازداد اهتمام بروتون بكتابة الشعر، بأصدار مجموعته الثانية: “ضوء الأرض”. ثم الحقها بكتاب يضم مقالاته النقدية عنوانه: “الخطى الضائعة”، وما ان حل خريف 1924، حتى صدر “بيان السوريالية الأول”، دفاعا عن المخيلة وطاقة الحلم والايمان بهما، ويعتبر هذا البيان أوج الاحتفال بجوهر الانسان: الحرية التي لها لون الانسان. وفي غضون أشهر، الحقه بقصائد نثر: “الاسماك القابلة للذوبان” (انقر هنا لقراءة قصائد نثر لبروتون)، وفي كانون الاول (ديسمبر )صدر العدد الاول من مجلة  “الثورة السوريالية” التي جاء على غلافها هذا النداء: “من اجل صياغة اعلان جديد لحقوق الانسان”. وفي العام نفسه اصدر اراغون كتابه التتويجي ‘لجة من الاحلام ‘. كما اصدروا كراسا صغيرا بعنوان ‘جثة ‘ضد اناتول فرانس، وحتى تكتمل معالم الحركة السوريالية تم انشاء مكتب للابحاث السوريالية واصدار بيانهم الشهير: “تصريح 27 كانون الثاني (يناير )1925″، جاء فيه: “ليست لنا علاقة بالأدب. لكننا جد متمكنين من استعماله كأي شخص آخر… السوريالية ليست وسيلة تعبير جديدة، ولا هي الأسهل، ولا هي حتى ميتافيزيك الشعر. انها وسيلة تحرر الروح الشامل، وكل ما يشابه هذه الروح… اننا مصممون على القيام بثورة”. وفعلا، ما ان اعلن عبدالكريم الخطابي حربه على الاستعمار الفرنسي للمغرب (منتصف عام 1925 )، حتى اصدر السورياليون بيانهم الشهير: “الثورة أولا ودائما” معلنين فيه مساندتهم الكاملة لتمرد الريف المغربي من اجل حريته وحقوقه العادلة. في الحقيقة ان ثورة عبدالكريم الخطابي اوجدت فرصة لتكاتف قوى المخيلة وقوى الخبز. فها هي الحركة السوريالية تعمل مع قوى اليسار الاجتماعي. غير ان الذي ضاعف من رغبة بروتون بربط بحث السوريالية “المثالي”، في نظر البعض، بالبحث الاجتماعي، هو كتاب تروتسكي عن “لينين”. اذ بفضل هذا الكتاب، ادرك بروتون ان المخيلة لا تستطيع الحصول على كل حقوقها الا من خلال نشاط اجتماعي ثوري بالمعنى الذي وضعه تروتسكي فجاءت مقالته عن الكتاب تمجيدية راسما فيها الشيوعية “الاداة المدهشة لتبديل عالم بآخر”. انضم بروتون الى الحزب الشيوعي، لكنه سرعان ما تركه مشمئزا من سوء نوايا الشيوعيين ازاء عملية الخلق، وقد أوضح اسباب خروجه في كراس عنوانه “الدفاع المشروع” مؤكدا فيه ان جميع السورياليين يريدون انتقال السلطة من ايدي البورجوازية الى ايدي البروليتاريا. لكنهم حاليا يرون انه من الضروري ان تستمر تجارب الروح الداخلية من دون رقابة خارجية، ماركسية أو غير ماركسية. كما ان اخبار المعارضة التروتسكية داخل الشيوعية العالمية، ساهمت في تصعيد الانشقاق بين هذه “الشيوعية” ذات الوجه الستاليني، وبين الحركة السوريالية التي ستكتسب من خلال دفاعها عن تروتسكي “شرعية ماركسية”. غير ان هذا البحث عن توحيد شعار رامبو: “تغيير الحياة” بشعار ماركس: “تغيير العالم”، لن يمر من دون انشقاقات داخل السوريالية. لذا اصدر بروتون “بيان السوريالية الثاني” واضعا فيه النقاط على حروف النشاط السوريالي الذي يكمن محركه الاساسي في الامل بتحديد نقطة معينة للفكر حيث تكف التناقضات كتناقضات، والذين اختلفوا مع بروتون كديزنوس وجاك بارون وبريفيرو جورج بتاي اصدروا نشرة من الحجم الكبير ضد بروتون بعنوان “جثة”، لكن بروتون اكتفى برد صغير نشر في خاتمة “البيان الثاني” في صورة عمودين متقابلين، مبينا عدم صدقيتهم: الأول تحت عنوان “قبل” وردت فيه فقرات مدح لبروتون من كتاباتهم القديمة، والعمود الثاني تحت عنوان “بعد” ضم فقرات هجاء مأخوذة من نشرتهم هذه. اما الاخرون كلوي اراغون وبول ايلوار وبنجاما بيريه ورونيه كريفيل، وحتى تريستان تزارا، وعناصر جديدة كسلفادور دالي ورينيه شار ولوي بونويل، فانهم ايدوا ما جاء في “البيان الثاني”، واصدروا مع بروتون مجلة جديدة عنوانها “السوريالية في خدمة الثورة”. هكذا كان على السوريالية ان تدشن ثلاثينات هذا القرن بمجابهة ثورية واضحة مع كل مظاهر القمع… لكنها مجابهة لم تتم على حساب تجارب الحياة الداخلية. ان فترة الثلاثينات تمثل اكثر فترات بروتون ابداعا فقد أصدر عام 1932 مجموعته الشعرية الثالثة: “مسدس ذو شعر أبيض”، ثم الحقها في العام نفسه بكتاب تأملي يهدف الى الربط بين الماركسية والفرويدية :’الاواني المستطرقة ‘. وفي عام 1937، اصدر” “الحب المجنون” الذي يعتبر التوسيع النظري لتلك النقطة المعينة للفكر المذكورة في “البيان

في بيته متحف الحاسة التشكيلية عبر نضالها

الثاني” والتي سماها هنا بالنقطة العليا. وفي هذا الكتاب ثمة ابتعاد في الاسلوب عن “نادجا”، اذ تختلط هنا عناصر السرد المعتمدة على تجارب حياتية عاشها بروتون ما بين 1934 و1936، بلغة التأمل النظري، ان كتاب “الحب المجنون” يعتبر اعظم نشيد احتفالي بـ”الحليف الاكبر للانسان في معركته مع القدر البشري”: الحب، حيث المرأة االمحبوبة أشبه بالوسيط تجترح للرجل الدرب المؤدي الى علاقة محظوظة مع عالم تمجده وتكسبه روعة وجمالا وثمة عملان جماعيان الاول مع بول ايلوار: “الحبل بلا دنس”، والثاني مجموعة قصائد اشترك في كتابتها مع ايلوار ورينيه شار، وعنوانها: “تمهل، الطريق تحت التعمير”. كما اصدر “الموقف السياسي للسوريالية”. وأشرف على تنظيم ثلاثة معارض سوريالية عالمية في باريس وبراغ ولندن. واشترك مع جورج بتاي في تكوين: ‘الهجوم المضاد ‘لمواجهة المخاطر اليمينية والفاشية والستالينية معا. فبروتون يعتبر من أول منيطي اللثام عن الحقيقة البشعة لـ”محاكم موسكو”، على ان فترة النضال والتحليل السوريالي لظروف ما بين الحربين هذه، توجت بالبيان المشترك الذي كتبه بروتون مع تروتسكي: “نحو فن حر ومستقل”. اندلاع الحرب العالمية الثانية، سيعرقل موقتا، نشاط الحركة السوريالية، فلم يكن امام بروتون سوى الذهاب الى الولايات المتحدة ليتابع النشاط هناك. فأصدر مع دوشان مجلة، ومن ثم نشر “تمهيدات أولى نحو بيان ثالث”. وفي قمة وحدته بعد ان تركته زوجته جاكلين لومبار، التقى اليزا فتزوجها، وثمرة هذا اللقاء كان كتابه الشهير “اركانوم 17” وهو رقم الكارت في لعبة التارو، ثم يعود الى باريس لينظم معرضا سورياليا عالميا تحت شعار ‘السوريالية عام 1947 ‘ويعيد تنظيم المجموعة السوريالية مع شباب جدد. غير ان ظروف ما بعد الحرب تميزت بالتشاؤم، ولم تعد ملائمة للغة التفاؤل الثوري الذي بقي بروتون مؤمنا به. فأصدر مع جان شوستر وآخرين عددا من المجلات كـ”ميديوم”، “السوريالية ذاتها” و’لابريش” وبيانات تندد بالغزو السوفياتي للمجر والاستعمار الفرنسي للجزائر.

توفي اندريه بروتون في الثامن والعشرين من ايلول (سبتمبر )1966. ودفن في مقبرة باتنيول. أراد السورياليون نقل جثمانه في سيارة نقل الاثاث لتحقيق أمنيته المذكورة في البيان الأول. الا ان الامر كان صعبا جدا، لذا تولت الصدفة الموضوعية أمر تحقيق هذه الامنية على الشكل التالي: ما ان وصل جثمانه مقبرة باتنيول، حتى وجد المشيعون سيارة لنقل الاثاث واقفة عند مدخلها!

لم يُضح اندريه بروتون باليقظة في سبيل العلم، بل عمد الى اذابتهما في مركب جسدي حي، على حد عبارة ميشيل كاروج وهو جعل من التراث السوريالي ذخرا بشريا لا ينضب. وذلك باعطاء الحركة السوريالية مصيرا أشبه بمصير مال توزع على عدة ورثة بحيث عمد كل منهم الى التصرف بحصته تبعا لهواه، ولأنه عاش من دون تنازل

المجلة التي كان يشرف عليها: “السوريالية، عينُها”

لمغريات عالم تتبوأه الشراهة والكذب والاعجاب بالذات. عالم تنعدم فيه ابسط مبادئ النزاهة الفكرية والحياتية على السواء. يكمن في صلب رؤية بروتون الشعرية الرفض القاطع لكل تواطؤ مهما كانت الجائزة أو الشهرة الجماهيرية الذي يوفرها هذا التواطؤ للمتواطئ. فبروتون لم يسع أبدا لا إلى اعتراف الوسط الأدبي به كشاعر، ولا الى نيل جوائز المؤسسات ولا أن يكون له جمهور مخدّر بعقاقير الأسماء. فالشعر، في نظره، ليس حسابات وقصدية بقدر ما هو عين عفوية الإنسان الملازمة، يحركها منطق داخلي صارم تتجلى صورا شعرية ليس العقل هو الذي يرتكبها بقدر ما تفضي هذه الصور بالعقل إلى قبولها وبالتالي تحريره من العقلنة المفروضة عليه. من خلال هذا الالحاح الأخلاقي والجمالي الذي كان يجسده بروتون، اصبحت السوريالة اعلى مراحل الأدب وفي الوقت ذاته هي الرفض المطلق لكل ما هو “أدبي”.
 بروتون بهذا المعنى التغييري انطوى على ايمان لم يتزعزع برهة، باعظم حاسة تساعد الانسان على استرداد طاقاته المسلوبة: حاسة الشعر، فالشعر، في معناه السوريالي (والكلام هنا لجان لوي بدوان )، لا يبعدنا عن الواقع، والشعر يحتم علينا رؤية الاشياء كما هي ليشحذ عزيمتنا على تغييرها وتحويلها الى ما هو أفضل. فهو اذن تمرد وقانون :تمرد مطلق وقانون أعلى. يرفض فوضى الاوضاع وحتميتها المزعومة، ويدعو الى العمل من اجل احلال الحرية التي هي ضد الفوضى والتفسخ الخلقي والعنف.

 

روبرت بلاي: تحذير إلى القارئ

GMT 21:45:00 2007 الأربعاء 8 أغسطس

<!–

عبدالقادر الجنابي
–>عبدالقادر الجنابي


قصيدة نثر بقلم الشاعر الأمريكي روبرت بلاي

ترجمها عبدالقادر الجنابي

مخازنُ حبوب المزرعة تصبح أحياناً جميلة بالأخص عندما يكون الشّوفان أو القمح قد نفد، والرّيح كَنست الأرضيّة الخشنة. واقفين بالدّاخل، نرى حولنا، آتيةً عبر فتحات ألواح الحائط المنكمشة، خيوط الشّمس أو أشرطة ضوئها. وهكذا في قصيدة عن السجن، يرى المرء نوراً صغيراً.
لكنّ كمّ من طير وقع في الفخ في مخازن الحبوب هذه. فالطائرُ، رائياً الحرّيّة في النور، يضطربُ مصطدماً بالحائط ويتراجع مراراً وتكراراً. المخرج هو حيث تدخل الفئران وتغادر؛ لكنّ ثقب الفأر منخفض حتّى الأرضيّة. حذار أيها الكتّاب إذن، عندما تظهرون النور على الجدران، أن توعدوا الطيور السوداء القلقة والمذعورة بمخرج!
أقول إلى القارئ، احترس. فالقرّاء الذين يُحبّون قصائد الضّوء قد يجلسون على شكل حَدَبة في الركن ما من شيء في أحشائهم طيلة أربعة أيّام، النور يتخافت والعيون مفتوحة متجمدة…
قد ينتهون كومةَ ريشٍ وجمجمةً على أرضيّة الخشب المنفرجة…

بوبروفسكي: شاعر الإشارات المبهمة

GMT 13:00:00 2007 السبت 28 يوليو

<!–

صالح كاظم وعبدالقادر الجنابي
–>صالح كاظم وعبدالقادر الجنابي


15 قصيدة حرّة

مقدمة صالح كاظم

عند الحديث عن الأدب الألماني المعاصر لا يمكن إلا التوقف عند مرحلة زمنية مهمة أغنت هذا الأدب بتجارب متميزة نشأت في أحضان النظام الشمولي في شرق ألمانيا وأصبحت رافدا أساسيا لثقافة ما بعدالحرب رغم صعوبة الخندق الثقافي الستاليني الذي حاول أن يقطعها عن إمتداداتها الطبيعية في غرب ألمانيا وقولبتها في نظريات بعيدة عن الأدب في جوهرها مثل ما كان يطلق عليه مصطلح "الواقعية الإشتراكية" أو "الأدب الملتزم" وغير ذلك من المصطلحات ذات الجذور البيروقراطية المؤدلجة. في ظل الجدار دأب عدد كبير من الفنانين والأدباء على السعي من خلال أساليب تعبير معينة للأفلات من سوط

الرقيب المتربص بهم وإنتاج أعمال أبداعية لا تقل طاقتها الإستفزازية، عما نشأ في ظل النظام الرأسمالي السائد في غرب المانيا، سيرا على النهج الذي رسخه بريشت في مقاله "خمس صعوبات في كتابة الحقيقة"، حيث يوصي الكاتب أن يستخدم "الحيلة" لنشر الحقيقة في ظروف القمع. ولا شك بأن بريشت كان هو أول من طبق هذه النصيحة في خمسينات القرن الماضي، سواء في قصائده أو في مسرحه "الديالكتيكي" القائم على أسس "المسرح الملحمي". هكذا تسربت الحداثة الى ادب وفن "المانيا الديمقراطية" وتركت بصماتها على الكثير من الإبداع الأدبي والفني لجيل ما بعد الحرب والأجيال اللاحقة حتى مرحلة سقوط الجدار وتوحيد المانيا. ورغم غلبة الطابع السياسي على أغلب ما كتب في "المانيا الديمقراطية" في خمسينات القرن العشرين ووجود تيار إيديولوجي واضح لدى بعض الشعراء والكتاب مثل كورت بارتل (كوبا) (1914- 1967) ويوهانيس آر.

مقدمة عبد القادر الجنابي

عندما اقترح القاص الصديق صالح كاظم ترجمة بعض قصائد يوهانس بوبروفسكي، شعرت وكأنه يوقظ فيّ لغةً شفيفة كدت أنساها؛ لغة بوبروفسكي التي تعرفت عليها أوائل تسعينات القرن الماضي وقمت آنذاك بترجمة عدد من قصائده و نشرت بعضها في "القدس العربي". وقد اعتمدت في ترجمتي على الترجمة التي قام بها ماثيو ميد بالتعاون مع زوجته روث ميد.. وكلاهما صديقٌ لبوبروفسكي، وصدرت في كتاب عن "انفيل برس" عام 1984، مع مدخل نقدي بقلم مايكل هامبورغر الذي توفي مطلع هذا العام. والترجمة الانجليزية هذه علاوة على إنها شعرية، لكنها جاءت دقيقة حد إن صالح كاظم عندما طلبت منه ان يراجع ترجمتي للقصائد ("أن يُسمّى على الدوام"، "لغة"، "ايقونات"، "عروس الماء"، "عندما الغرف"، "في المرآة الفارغة" و"الصياد الليلي") على النص الألماني، لم يجد خطأ يستحق التصحيح.
إن قوة ترجمة ماثيو وروث ميد أكدت، كما يذكر هامبورغر، على أن شعرية بوبروفسكي القائمة على مراجع مكانية والمجبولة من أطلال سامارتسيا الشبه أسطورية المذكورة في كتب المؤرخين الرومان، يمكن لها أن تعبر حدود اللغة الألمانية من دون أن تفقد شيئا من شفافيتها، غموضها وسمو دلالتها اللغوية: فالشعر هذا غموض هائل لكنه لا يستعصي على الفهم، وبقدر ما هو إيحاء إلى رموز محددة محليا، لكنه سرعان ما يعود إيحاءات كونية تبهر القارئ إلى سهوبه اللغوية وجداوله الأولى. فمنذ قصائده الأولى التي كتبها عن روسيا من وجهة نظر أجنبي ألماني، شعر أنه جزء من المنظر الذي يصفه؛ منظر يعج بكل أنواع القوميات وبتواريخ مختلفة الأجناس والأحداث، بل شعر بما يتحمله الألماني من مسؤولية عن مآساة اليهود، مما باتت بعض قصائده "فعلَ تكفيرٍ".
هذا التواشج العميق بين الشاعر والقصيدة، لم أجده بعد باول تسيلان، إلا عند بوبروفسكي. فالعمل الشعري هنا محنة؛ قلقٌ وتوجّس في الزمان الحاضر وكأن القصيدة روح طارق في جلسة تحضير أرواح من الزمان الماضي. لكنها أرواح حيّة تساعدنا هي على الكلام، على اختراق أزمنة غابرة باتت جزءً من ذاكرة اليوم المشتتة بين الوقائع والأهداف. فجرح الكائنات التاريخي ينبوعهما… واللغة، نواةَ عالم آخر، تحاول عند تسيلان وبوبروفسكي الظفرَ بواقعٍ ما… واقعٍ يمحو هذا الجرح، فتنمو الندبةُ، في أرض ظلال، "شاهدا لمن ليس له شاهد". الفارق هو أن تسيلان كان يستمد أبجديته مما واجه عرقه من إبادة في معسكرات "العقل" النازية. بينما بوبروفسكي، صاحب المشاعر المتزنة التي لا تشطّ مهما كانت الذكرى مؤلمة، كان يحاول خلق أبجديةٍ أسطوريةِ المكان، ليتخلص من انتماء اعتباطي (اعتباطية التحاقه الاجباري بالجيش الألماني إبان الحرب العالمية الثانية)، إلى عرق كان مسؤولا عن هذه الإبادة.
لكلٍ نظرتُه إلى المعطى؛ مقاربته الشعرية من كسوف اللغة… على أن كلاهما يخلّص النُبوئي، بضاعة الشعراء البائسين، من هالته المفتعلة، والكارثي من فظاظته. ففي شعرهما مسٌّ من جمالية هولدرلين حيث التوترُ موئلٌ يفضي إلى الدقة.

بيشر وآخرين، كان يوجد هناك تيار له طابع إبداعي، ربما كان مٌسيّسا، إلا أنه لم يُصب بالعدوى الإيديولوجية، وبقي في مجمله محافظا على نقائه الإبداعي، سواء كان ذلك في مجال القصة أو الشعر أو الرسم، أومجالات الإبداع الأخرى. وكان يوهانيس بوبروفسكي (1917-1965) في كل الأحوال واحدا من الشعراء الذين لم يدخلوا سوق المزايدات الإيديولوجية، بل أنصرف لعمله الإبداعي، رغم المخاطر المحيطة به والتي دفعته في النهاية للعمل كمحرر في دار النشر التابعة لـ "الإتحاد المسيحي الديمقراطي" لضمان لقمة العيش من جهة، ولتخفيف الضغوط السياسية عليه كشاعر من جهة أخرى، إذ كان التلحّف بهذا الغطاء يضمن شيئا من الحرية الإبداعية ومجالات أكبر نسبيا للتحرك في حدود الممكن، على حافة الهاوية. لذا فانه ليس من المستغرب أن تتم طباعة أغلب أعمال بوبروفسكي في البداية في ألمانيا الغربية، ينطبق هذا على أعماله الشعرية والروائية بنفس الدرجة، علما بأنه كان قد نشر أول قصائده في سنة 1955 في مجلة Sinn und Form التي كان يشرف عليها في حينه الشاعر المعروف بيتر هوخل ( 1903-1981) – غادر "المانيا الديمقراطية في سنة 1971 بعد أن تعرض للعديد من الضغوط السياسية والأبداعية بسبب نهجه المتفتح في إدارة المجلة المذكورة وفي قيادة أكاديمية الفنون الألمانية- و لا شك بأن مصير بوبروفسكي لم يكن ليختلف عن مصير غيره من أدباء تلك المرحلة الذين وجدوا أنفسهم رغم قناعاتهم اليسارية مضطرين لمغادرة "المانيا الديمقراطية"، لولا تعففه عن الخوض بشكل مباشر في الشأن السياسي، إضافة الى صعوبة تفسير كتاباته من خلال نهج سياسي، بعيدا عن العملية الإبداعية. العملية الإبداعية تبدأ في اللغة، لتغوص في الأبعاد المبهمة للزمان والمكان، في بحث لا يتوقف عن جذور الغيبي والميتافيزيقي في الحجر، والأنهار والأشجار، في عالم لا يكف عن التحولات، هو العالم الذي ولد فيه بوبروفسكي، عالم "بروتسا" – بروسيا لاحقا -، حيث الإختلاط العرقي في أعلى درجاته، فهناك الألماني والبولوني والليتواني، كل ترك بصماته على هذه الأرض التي يعيد لها الشاعر أسمها القديم "سارماتسيا"، محررا إياها من كافة أشكال الإختناق القومي بجذوره القائمة على أساس حروب القرن الماضي (الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية). يجد القاريء نفسه مقابل هذا العالم أثناء تصفح أعمال الشاعر، سواء الشعرية منها أو الروائية والقصصية. في مجموعته الشعرية الأولى "أزمنة سارماتسية" -1961- يأخذنا الشاعر الى أماكنه ومحطات أحلامه في مناطق تأسس فيها وعيه الأول، في تلك المدينة المحاطة بالغابات، على ضفة نهر الـ"ميميل" الذي مازال سكان المنطقة يسمونه "الجدول". وينطبق ذلك كذلك على ديوانه الثاني "أرضُ ظلالٍ جداول" وعلى روايته الأهم "طاحونة ليفين، 34 جملة عن جدي" – 1964-. وتحمل أعمال بوبروفسكي في طياتها العديد من المفاجآت اللغوية التي يرجعها بعض النقاد الى معرفته باللغتين اللتوانية والبولونية، حيث نقل منها ما تحمله ذاكرته الى اللغة الألمانية، في صور شعرية غريبة، جعلت منه واحدا من أعلام الحداثة في الأدب الألماني المعاصر. وفي النهاية مازال ما قاله حول الدور الإجتماعي للأدب محافظا على صحته لحد يومنا هذا: "الأدب لا سلطة له."

1- زهرة البيلسان

ها هو ذا
بابل، اسحاق.
يقول: أثناءَ المجزرة،
حين كنتُ طفلا،
قـَطعوا رأسَ حمامتي.

بيوتٌ في شارع خشبي،
أسوارُها يـَنمو عليها البـَيـْلسان،
عـَتـَباتـُها نظيفة ومُلـّمعة
السـُلـّم الصغير، أتـَذ ْكـُرْ،
كانت عليهِ لطخة ُ دَمٍ.

تقولون: لننسى!
هناك جيلٌ سيأتي،
ضحكاته مثل أ ُجّمات البيلسان.

البيلسان يـَذبلُ
بسبب نِسيـانـكم.

2- يوهان سيباستيان باخ

رجلٌ غيرُ مريح ٍ،
مزاجُه مثل موسيقيّ المدينة، يَحملُ سيفا
وله مـيول عاطفية
(يُمكن تحقيقها، بلا شك).
مثل طِفلٍ يفرحُ لخـَرير المياه،
ويتابعُ سير الأنهار الدائم التأثير.
نهرُ الأردن الأجْرد
والفراتُ المُحمـّل بالسماوات يـُرحبان به.

رأى مضيقَ البحر –
هناك من يدور
حول نيران ٍ غير مرئية،
يـُنادي الكواكبَ
بصوتٍ يَحْمل عذابا قديما.

أحيانا،
في معزوفاته في كـُويتن،
وسَط أبهةِ سنوات لايبزغ يطفو هذا
على السطح. في النهاية، لم يعدْ يسْمَع
روحَ العَنـْصَرة
تحلـّق مع ضجيج الأبواق (على أرتفاع 16 مترا).

يَسْبقه أنينُ الناي،
إذ يقفَ أمام بيته العتيق،
متعبا من الكتابة،
محاطا برياح عاصفة، ناسيا
الأرض.

3- تجربة

إشارات،
صليبٌ وسمكة ٌ
مخطوطة على جدار الكهف.

موكبُ الرجال
يـَغيبُ في التربة.

رسمه مستوحاة من قصائده بريشة كاثرين برومسه

الأرض ترتفع،
أعشابٌ ضاربة إلى الخضرة
تنمو وسط الأحراش.

عند الصدر
يتوقفُ النهرُ عن الجريان.
صوت يأتي من الرمال:
اِفتحْ جَسَدكَ،
فأنا غير قادر على اختراقه،
موتاكَ يعومون في مياهي.

4- تقرير

بايلا غيلبلونغ،
هَربتْ
أثناء نـَقـْلها من الغيتو
في وارشو،
تجوّلت في الغابات، مسلحة ً.
أ ُعْتـُقِلتْ في بريست- ليتوفسك،
وهي ترتدي معطفا عسكريا (بولونيا)،
اسْتجوبها ضباط ٌ ألمان .
في الصورة:
ضباط ٌ فتيان في حُلل أنيقة،
وجوههم صافية،
وقاماتـُهم مستقيمة.

5- اغتراب

زمنٌ
يتنقلُ
يرتدي أحيانا
ملابسَ من السعادة
أو من الخيبة.

الخائبُ يتحدثُ بصوت متقطع
يشبه اللقـْلقة. اللقالقُ
تـَتـَجَنبه:
ريشُه أسودٌ وأشجاره ظلالٌ، يـَسْكـُنها
الليلُ. خـُطاه
تنتهي في الهواء.

6- قصب البردي

بأجنحةٍ من مطر ٍ
تـُحـَلـّقُ، صارخة ً،
الرياحُ المَطـَرية.
حمامة ٌ زرقاء
نَشرَت جناحيها
عِبر الغابة.
جميل هو الضوء، إذ يتسرب
في حديد السرخس المنكسر
رأسُه رأسُ تـُدْرُجٍ.

أيها النـَفـَس،
ها أنا أرْسلك الى الخارج،
اِبحثْ عن سقف يحميك،
تـَسَلـّلْ من خلال نافذةٍ،
انظرْ الى نفسِك في المرآة البيضاء،
اسْتـَد ِرْ بلا ضجيج،
سيفا أخضر.

7- إلى كلوبستوك
(فريدريش غوتليب كلوبستوك 1724-1803 شاعر ألماني)

لو رَفـَضْتُ ما هو واقع
فهذا ما سيكون: أقول النهرَ والغابة َ.
غير أن الظلامَ لاصقٌ بأحاسيسي
صوتَ الطائرِ المتعجل ِ،
سهمَ النور حولَ المنحدر
وخريرَ المياه.
كيفَ أنـْطُق أسمَك،
وحظي قليلٌ من المجدِ،
حَمَلـْتُ كلّ ما مَررْتُ به،
أساطيرَ محاطة ً بالظلال ِ تحكي عن الذنوبِ
والتكفير ِعنها:
ومثل ثقتي بما تفعل،
أثق بلغة المَنسيين،
وأنـْطقُ كلماتهم بلا مجاملة صوبَ الشتاء،
من وراء القصب.

8- جواب

عِبرَ السور أنتَ تـَتـَحدث:
الأشجارُ ترمي ما يـُثـْقِلها،
الثلجَ.

حتى غصونُ البيلسان المخلوعة
تـَحْمِلُ غناءَ الشحارير
وصياح الصراصير.
صوتُ العشب
يَحفرُ ثقوبا في الجدار.
طيور السنونو تحلق صعودا
عَكـْسَ المطر،
أبراجَ نجوم ٍ تمضي نحو السماء
على عجل في الصقيع.

الذين يدفنوني
تحت الجذور
يسمعون:
هو يتحدث مع التراب الذي يملأ فمه-
هكذا سينطق التراب،
وتصرخ الحجارة،
والمياه تحلّق.

ترجمة صالح كاظم

9- أن يُسمّى على الدوام

الشجرة، الطير وهو يطير،
الصخرة الضاربة إلى الحمرة، حيث يتدفق
المجرى، اخضر، والسمكة
في الدخان الأبيض، عندما ترتفع العتمة
فوق الغابات.

أن تَرسم، أن تـُلوّن،
ما هذا سوى لعبة، أخشى
أن لا تنتهي بالشكل
المراد.

ومَن هذا الذي سيعلّمني
ما قد نسيتُه: نوم
الحجر، نوم
الطيور وهي تطير، نوم
الاشجار، هل يستمر،
في العتمة، كلامها؟

لو كان ثمـّة الهٌ
ومتجسد،
واستطاع أن يناديني، لكنت
قد تقدمت، لكنت قد
تمهّلت قليلاً.

10- لغة

الشجرة
أعظم من الليل
مع نسيم بحيرات الوديان
مع الوشوشة عبر
السكون.

الاحجار
تحت القدم
اعراق مشعشعة
منذ أمدٍ في الغبار
إلى الابد.

لغة
منهوكة
بفمها المرهق
في الطريق اللانهائية
إلى بيت الجار.

11- أيقونات

ابراجٌ، مقوَّسة، مسوَّرة
بالصلبان، حمراء. تتنفسُ
السماءُ الظلمة، يقف
يوحنا فوق التل، المدينة
تِلقاءَ النهر. يراقب
البحرَ آتياً باخشاب،
بمجاذيف، بسمكة مُحرشَفة، الغابةَ
تلقي بنفسها في الرمل.
في مقدمة الريح
ينطلق الأميرُ، ملوّحاً
بمشاعلَ في يديه، ينثرُ
نيراناً صامتة
فوق سهوبٍ مترامية الأطراف.

12- عروس الماء

يتصاعد
من ظلالها

قصائد حب بريشة الفرنسية سوزان نيكل

الكلامُ اللا ملفوظ.
من الأوراق
ذراعٌ مقوَّسة.

إنك تجتاز جسرا.
تحمل نوّارا فوق الفم
تتستّر قرب الأبراج
ترمي الحصى الوثّاب بعيدا.

لا أملك نارا
في القَشِّ تنام العصافير
مسموعة ً تعيش في السطح
الأجنحة ُ والزقزقة.

أيا نفْثةَ
احمليني.
أيا عتمةَ
كلّمي اليدين.
قرقرة الماء تبني
في الصمت المريّش عشّـا.
البيوتُ تحت الماء
تُبقي الأبوابَ مفتوحة ً،
ثمة نوافذ، ويبرز سلـّمٌ من حجر.

13 عندما الغرف

عندما تُهجرُ الغرفُ
حيث توجدُ الأجوبة ُ، عندما
الجدرانُ والممراتُ الضيقة تنهار، تطيرُ الظلالُ
من الأشجار، عندما يُهجرُ العشبُ
تحت الأقدام
تطأ النعالُ البيضاءُ الريحَ

عـُلـّـيقة ُ الشوك تَشتعلُ
أسمَعُ صوتـَها
حيث لم يكن هناك سؤال،
المياه تجري، ولا أظمأُ.

14- في المرآة الفارغة

في مياه الضوء،
حاجب ضد حاجب،
ما يغطي الجذوع
يطلع فوق سِنامك
أدعو البرق للنزول
وأنت أيها الرماد، تأتي نِدفَ رمادٍ
من برق ٍ بعيد
تسقطُ منك، عباءتُك

كنتُ على منْكـبِـك
العِـرْقُ الذي على رقبتك
اقتحمَ فمي
لن تغرقَ
سأحملكَ
بذراعي، أرفعك
عبر اليمً
سِـرْ أمامي

ذات يوم: سآتيك
بالشراب ثانية، سأطير
باتجاه السموات، ذات يوم؛ لكن
ساهبط، ستسمعني
اتنفّسُ، ستسمَعكَ الحقولُ
فوق الرياح، نورٌ أبيضُ
سيتكلمُ معك.

15- الصياد الليلي

في الأغصان الجميلة
لايزالُ
الصمتُ يعتلجُ
نور
ذو أيد
على جدارٍ.
يندلقُ الرملُ من الجذور
امض أيّها الرمل،
احمرَ في الماء
اذهبْ تتَـبّـعْ الأصوات
اذهبْ إلى العتمة
انشرْ الشبكة في الفجر

الأصوات تغني شجرةَ الحور..
خذ أذنيك
إلى مكان أمين
إلى الأغصان الجميلة
الأصوات تغني:
ما هو ميّتٌ ميتٌ.

ترجمة عبدالقادر الجنابي

نازك الملائكة ولقيطها: قصيدة النثر

GMT 12:30:00 2007 الخميس 21 يونيو

عبدالقادر الجنابي
–>عبدالقادر الجنابي


إذاً رحلت نازك الملائكة إلى العالم الآخر… تاركة الأحياء محدقين في ما مضى، في شيء من سيرتنا الشعرية. رغم كل ما تم من تشكيك في أنها ليست أول من كتب قصيدة وفق معايير الشعر الحر، وأن هناك الكثير من التجارب الفردية قبلها، تبقى نازك الملائكة هي المؤسس الأول للشعر الحر، لأنها أول من نقل تجارب إيجاد شكل شعري متحرر من بعض القيود التي لم يعد لها معنى، من حيز التجريب غير الواعي إلى فضاء التجريب الواعي والمقصود، وتسميته وبالتالي فتح مواجهة طويلة مع المعطيات. والحبر لايزال يسيل

مقتبس من حياة الشاعرة الراحلة نازك الملائكة

في هذا الأمر. وهذا عين ما حصل عند ظهور الشعر الحر في فرنسا. فرغم أن رامبو كان أول من كتب قصيدتين حرتين بسنوات قبل ظهور الاسم، وأن لافورغ نشر قصائد حرة بنفس الفترة التي نشر غوستاف كان، فإن غوستاف كان هو الذي يعتبر في نظر الجميع مؤسس الشعر الحر ومنظره: فالقصدية هي الأساس في كل شيء. ولواضع التسمية دوره المؤسس وبالتالي المنظر. فالمسألة إذن ليست هنا. فمكانها الريادي هذا سيبقى في صلب الشمس، وسوف لن تُناقش أعمالها إلا من خلال هذه الأشعة التي سلطتها نازك الملائكة في عز شبابها… فما كتبت من شعر فيما بعد بقي في إطار الكلاسيكية لا يصمد أمام تجاربها الأولى.
لكنها كشاعرة تربت في بيت محافظ، وكامرأة في وسط أدبي ذكوري، لم يسمح لها الانفتاح التجريبي المهدد للتراث الذي فرضته أوضاع خمسينات القرن الماضي، إلا أن ترتد، أن تتقوقع في ما أجترحته من تجديد وأن تتوقف عند الأسس الأولى (عدم الالتزام بعدد ثابت من التفعيلات، تحويل البيت من شطرين إلى سطر، مزج تفعيلات بحر بتفعيلات بحر آخر، الوقفة حيث يريد الشاعر حتى نهاية المعنى، نسف نظام الروي وجعل الصوت متنقلا، عدم خضوع الموسيقى للوزن وإنما لحالة الشاعر النفسية، التدفق)، جاعلة من هذه الأسس الأولى قيودا خليلية جديدة، وليس نقاط انطلاق نحو حرية أكبر، بل أصبحت خائفة حتى مما قامت به من كسر لبعض القيود، إذ كتبت في "قضايا معاصرة" قائلة: … يهمنا أن نشير إلى أن حركة الشعر الحر، بصورتها الحقة الصافية، ليست دعوة لنبذ الأبحر الشطرية نبذا تاما، ولا هي تهدف إلى أن تقضي على أوزان الخليل وتحل محلها". إن رواد الشعر الحر باللغة الانجليزية كانوا لا يختلفون عن مقاربة نازك الملائكة، فهم أيضا كوليم كارلوس وليامز وباوند واليوت، وقفوا ضد ما أخذ ينتشر باسم "الشعر الحر" في اللغة الانجليزية، بينما هو في نظرهم شعر نثري.
لكن هذا ما حصل. ذلك أن "كل ميل"، كما وضحت هي في نفس الفصل، "إلى تحكيم الشكل في المعنى يغيظ الشاعر المعاصر ويتحداه". وبالفعل شَعر الشعراء الجدد وعلى رأسهم توفيق صايغ، ثم محمد الماغوط وأنسي الحاج، بضرورة التوسع في إمكانيات الشعر الحر وكسر كل قيد سواء كان عروضيا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة أو بقياسات شعر التفعيلة حتى طفقوا "ينبذون الأوزان القديمة نبذا تاما"… وهكذا وضعت الملائكة من خلال تحرير الأوزان وتليينها، بذرة لقيط سيكون له اسم مستعار: "قصيدة نثر".

لم تنتبه نازك الملائكة إلى أن الشعر الحر الذي أرادت تعميمه يميل أكثر إلى ما سمي بالفرنسية "الشعر المُحرَّر" Vers libérés (أو المتحلل من بعض القيود الوزنية دون أن يمس العروض الفرنسي)، منه إلى "الشعر الحر" Vers libre الداعي إلى عدم الالتزام بعدد ثابت من المقاطع (وبالتالي التفاعيل) في البيت… وربما فقط في هذه النقطة، يقترب منظور تحرير الوزن لدى الملائكة من مفهوم "الشعر الحر" بمعناه الفرنسي…
لم تستطع نازك الملائكة تجاوز ذهنيتها المحافظة والارتدادية، وكأنها ستخسر شيئا لو حاولت ان تقف إلى جانب هذا اللقيط، وأن تعتبره أبنها الشرعي. وها هو وليد تمردها هذا ابن ضال، لا يريد حتى الاعتراف بأمه التي أنجبته. ورُحب به دون أن يتابع أحد شجرة أصله، نسبه وفصله.. وهكذا سادت الفوضى التي كانت تخشاها نازك الملائكة، ووضعت كتابا كاملا تحذر فيه منها، ولم يُجد نفعا! ف
للتاريخ دوما مقلبٌ: إن ما كانت تخشى وقوعه، أنتج تاريخا عريضا، بل شبحا ظل يطاردها حتى الأمس.

عبدالقادر الجنابي

هنا نص مساهمتي في استفتاء جريدة “القدس العربي” حول الشاعر الراحل محمد الماغوط. وصيغة الاستفتاء التي وضعها محرر القدس العربي الثقافي، هي: قبل نحو عشرة أيام توفي الماغوط، أحد أهم رواد القصيدة العربية الجديدة التي تسمي قصيدة النثر ، وقد كُتب الكثير في وداع الشاعر والمسرحي السوري الذي رافق أبرز منعطفات الحياة السياسية والثقافية العربية كتابة وتعليقا، غلب عليهما، بالطبع، الاحتجاج والنقد علي الحال العربية. نتوقف في ما نأمل، أمام منجز الماغوط الابداعي علي نحو أكثر شمولاً وعمقاً، بحيث لا تطغي ذكري المناسبة الحزينة علي قراءة منجزه، والرثاء علي التأمل المتبصر. شعراء ونقاد عرب من بلدان وأجيال لاحقة علي الماغوط تلقي، هنا، نظرة متفحصة علي نتاجه.” وقد تم نشر الأجوبة كلها اليوم السبت 15 نيسان 2006:

الماغوط فقيد فوضى المصطلح

كلما أعود إلى شعر الماغوط، تتأكد لي هذه الملاحظة التي أريدها أن تكون خلاصة مساهمتي في هذا الملف عن شاعر أصيل محترم لنقائه وطفولته الشعريتين: لم يكتب محمد الماغوط أشعاره وفق مصطلح “قصيدة النثر” الذي لم يتم طرحه إلا بعد عام على ظهور “حزن في ضوء القمر”، وسنوات على معظم قصائده التي وفقا لسنية صالح أنها كانت مكتوبة كلها في شتاء 1956 وبقيت “مخبأة في الأدراج”… مصطلح أطلق عشوائيا على محاولات كانت تريد إحداث ثورة إيقاعية داخل شعر التفعيلة (صايغ، الماغوط، جبرا).. ناهيك بأن أدونيس الذي اطلق المصطلح انتظر عرضا نقديا لأطروحة دكتوراه لطالبة فرنسية اسمها سوزان برنار في أسبوعية لويس أراغون “الأخبار الأدبية”، حتى يدرك أن هناك شعرا أسمه قصيدة نثر، جاهلا أن ثمة قرنا من النتاج الغزير لهذا الجنس الأدبي غير المشطّر… والأنكى أن مجلة “شعر” لم تبادر أبدا بنشر ملف يشرح قصيدة النثر الفرنسية نموذجا وتنظيرا، لكي يطلع الشاعر العربي الجديد على آفاق شعرية لم يعهدها من قبل.
في نظري أن الماغوط القارئ النهم، الذي عاين عن كثب لغة الواقع البوهيمية بكل تشردها ومتاهتها في شوارع العيش الخلفية، مأخوذا بتدفق الصور وتدفق المعاني بأوزانها الخاصة، دون أن يستذكر العروض والتفعيلات أو يلبي التزاماتها.. كان يكتب شعرا حرا وليس قصيدة نثر. كما أن أي مقطع من شعر الماغوط، حتى الذي نشر بعد ظهور مصطلح قصيدة النثر، يدلل على أنه مكتوب من داخل إطار التفعيلة لكن على نحو طلق وحر:

“لأجلكَ أيّها الطائش
أيّها الرخيمُ كالعصفور
أمسك الملعقة من ذيلها
أمرِّرُها بين نهديّ كالزنبقة
منذ شهور وهو راقد بجوارنا
متلألئا كالسّيف تحت المياه
يكتب ويدخن ويبكي
ولا ينظر إلينا”

 “غرفة بملايين الجدران” ص 121 (1)

أبيات مصدرها أوزان عربية وفق جوازات شعر التفعيلة، وهذا ما لانراه لا في شعر شوقي أبو شقرا، ولا في شعر أنسي الحاج الذي كان واعيا للمصطلح، ربما ليس على مستوى النموذج الفرنسي، إلا في عدد صغير من القصائد… لكن بالتأكيد على صعيد البيت – الجملة حيث الوقفة / التقطيع أشبه ببداية فقرة جديدة في عمل نثري طويل مقطع إلى فقرات. ومما يؤسف له أن معظم شعراء الشعر الحر اللاحر (قصيدة النثر العربية) وجد أسلوب التشطير كمحاولة توفيقية مع التراث.
الشعر الحر مشتق من المصطلح الفرنسي Vers Libre “الشعر (والمقصود النظم) الحر”، الذي وضعه شاعر الرمزية غوستاف كان عام 1886 أي بعد مرور مايقارب ثلاثين عاما على ظهور قصيدة النثر الفرنسية… ويرتكز على وحدات مقطعية syllabes دون الالتزام بعدد ثابت لها. أي الانتقال من التفعيلة الثابتة إلى الإيقاع النبري المنفتح. وشعر التفعيلة العربي لايختلف كثيرا عن المبدأ فمرتكزه الوزني هو أيضا وحدة التفعيلة دون الالتزام بعدد ثابت من التفعيلات (2). على أن ما حصل من تطور أساسي للشعر الحر الفرنسي خلصته نهائيا مع ظهور السوريالية، من وحدة التفعيلة. الشيء نفسه حصلَ عندنا لكنه لم يؤخذ كتكملة لشعر التفعيلة، ولا كتطور منطقي للإيقاع الموسيقي يمليه روح العصر… وما ديوان “ثلاثون قصيدة” (انظر أنه لم يلحقها بـ”نثر”) لتوفيق صايغ، المطلع على تطورات الشعر الحر الأمريكي، سوى علامة من علامات هذا التطور (أُجهِضَ في مهده) الذي كان يجب أن يُفهم على هذا النحو وليس على النحو الخاطئ الذي حد من ديناميكة مشروع الشعر الحر وحجب كل الآفاق التي كانت ممكن احتضانها كما حصل في العالم، وبالتالي شوّه حقيقة قصيدة النثر على أنها تصد لشعر التفعيلة، وليس كجنس أدبي مستقل. وتجدر الملاحظة هنا إلى أن توفيق صايغ كان واعيا إلى أن شعره ليس قصيدة نثر وإنما شعر حر، وذلك بمحاولته التمييز بين ما سمي خطأ قصيدة النثر العربية كتمرد على شعراء التفعيلة، وبين قصيدة النثر الحقيقية كنمط أدبي جديد، فنشر في مجلته “حوار” عددا من النصوص الشعرية (لتيريز عواد، أسعد عاصي، يوسف غصوب الخ وهي أقرب النماذج الشعرية المكتوبة بالعربية آنذاك إلى نموذج قصيدة النثر الأوروبية)، تحت عنوان “شعر بالنثر” وهي ترجمة للمصطلح الأمريكي: Poetry in Prose الذي بدأ بالانتشار في أمريكا اعتبارا من منتصف خمسينات القرن العشرين ويطلق على نتاج قصيدة النثر الأمريكية.
كما أن الأعمدة الثلاثة لقصيدة النثر الحقيقية (إيجاز/ توتر/ جُزاف)، فقلما تتجلى في شعر الماغوط… ذلك أن الماغوط في قصائد كثيرة، يبقى يلهث دون توقف… بل ما إن يتجلى التوتر في شعره حتى يضيع في اللوذعية والضحك والسخرية الواقعية من العالم. وهذا بسبب ميله إلى مسرح شعري عابث ينطوي على خطة ملفقة في ذهن المؤلف… وهذا تهديم للعمود الثالث “جزاف” أي أن تكون مادة القصيدة حادث لا معنى له ولا غرضية شخصية.
باختصار: محمد الماغوط شاعر بكل ما تحمله هذه الصفة من تأويلات، إمكانيات وأضغاث أحلام… فمكانه ساطع في شمس الشعر الحر التي حجبها شعراء التفعيلة ورهط من جهلة النقاد.

1- انظر اطروحة جان كرمة عن قصيدة النثر العربية، باريس 1981
2- إن اعتبار جبرا إبراهيم جبرا وعبد الواحد لؤلؤة أن “شعر الماغوط وصايغ وجبرا هو الشعر الحر، وليس شعر الملائكة او شعر التفعيلة”، اعتبار خاطئ، ذلك أن تسمية الشعر الحر في فرنسا لم يطلق، في مرحلته الأولى على تجارب شعرية خالية مشطرة من الوزن، وإنما على قصائد تحررت من العدد الثابت للمقاطع، التي يفرضها الوزن الكلاسيكي، لكن شرطك أن يبقى ضمن قوانين تفعيلة الوزن الاكلاسيكي. فقصائد فيرلين هي تحترم البناء الوزني الالكسندراني لكن على نحو متحرر في عدد المقاطع في البيت الواحد… وبقيت التسمية تطلق على كل ما هو مشطر بهذا المعنى أولا، ثم على كل ما هو مشطر وتقطيع لا علاقة له بالوزن الالكسندراني قطعا. وهذا ما نجده في اغلب الشعر المشطر السوريالي، والعالمي منذ الحرب العالمية الثانية، وفي اية لغة أوروبية. إذن وجهة نظري هي ان الملائكة لم تخطأ في اطلاق تسمية الشعر الحر على جل التثوير في تحرير البيت الشعري من الخليل إلى التفعيلة الحرة… لكنها خطأت هي وشعراء التفعيلة وكل نقادنا الجهلاء، بعدم اعتبار التطورات اللاحقة التي ستصيب الشعر المشطر اعتبارا من توفيق صايغ وحتى آخر قصيدة عربية حديثة مشطرة يكتبها اليوم ما يسمى شعراء قصيدة النثر…. تطورات لم تبق من قوانين التفعيلة أي شيء.

الماغوط فقيد فوضى المصطلح.

هذا هو الشعر الحر وليس 
عبدالقادر الجنابي

الحلقة الأولى: نقاط تمهيدية
نحن لم نرافق ولادة المصطلح الثقافي الذي يأتي عبر جهد ورؤى لثقافة حيوية، ولم نتابع سيرورته / تداعياته، مما جعلنا هذا نجهل شروط نموه إلى مصطلح آخر أكثر استقلالية وتحررا في بيئته البعيدة عنا، يحتاج إلى قراءة جديدة خارج معايير معطى ماضيه… لقد عشنا، في خمسينات القرن الماضي وستيناته، مثلا، فورة ثقافية ناقصة تقوم على التعليق وليس على النص؛ على الفرع وليس على الأصل. انبثقت حركة “الشعر الحر” في لغتنا الشعرية، وقدمت أعمالا وأثارت سجالات من كل نوع، ومع هذا قلما تجد واحدا يستطيع أن يوضح ما هو “الشعر الحر” تاريخيا أي ضمن معطياته لدى الآخر الذي أخذنا منه المصطلح.
كان لدينا مترجمون كبار نعتمد عليهم اعتمادا كليا خصوصا في مجال الآداب الأجنبية: جبرا ابراهيم جبرا، احسان عباس، محمد يوسف نجم، سلمى خضراء الجيوسي، جميل الحسني، منح خوري، يوسف نور عوض، نظمي لوقا… وقد قاموا بمساعدة مؤسسات كفرانكلين وغيرها، بترجمة كتب نقدية حول الشعر، من بينها: “الشعر والتجربة” لماكليش، “شعراء المدرسة الحديثة” لروزنتال، “فائدة الشعر وفائدة النقد” لاليوت، “مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق” لديفيد ديتشس.. الى اخر الكتب التي كان الشاعر الطالع آنذاك يقرأها بنهم.. ومع هذا ظل جاهلا في قضية “الشعر الحر”، بالرغم من أن الشعراء المدروسين في هذه الكتب اغلبهم من رواد الشعر الحر. وأحد الأسباب هو أن هذه الكتب مكتوبة لقراء لهم أصلا معرفة أولية وأساسية بالمصطلح النقدي المعني مما لم يجد مؤلفو هذه الكتب حاجة إلى إعطاء تعريف مدرسي وتاريخي لمصطلح الشعر الحر، مثلا، بل فضلوا أن يتبحروا في النظريات النقدية التي أفرزتها تجارب الشعر الحر، دون تزويدنا بخلفية مجمل المفاهيم المتناولة في كتبهم..
عندما يسعف الحظ أحدنا بأن يعيش في دولة أوروبية، فسرعان ما يندهش من جهله المطبق بشتى الأمور الصغيرة التي كان يدعي معرفتها. أتذكر كم كان كتاب والاس فولي “عصر السوريالية” مطلوبا وكأنه الكتاب المقدس في ستينات بغداد، بينما ما إن توفرت لي بعض مصادر السوريالية الحقيقية في لندن وباريس، حتى تبيّن لي كم بعيد “عصر السوريالية” من أبسط مفاهيم السوريالية.. والصادم إني لم أجده مذكورا في كل قوائم المراجع التي وضعها مؤرخو السوريالية في نهاية كتبهم، وإذا أشير اليه في كتاب ما، صدفة من باب ذكر كل ماصدر عن السوريالية، فدائما مع جملة موضوعة بين قوسين (المؤلف في قمة التشويش والتخبط). بينما كان هناك في الانجليزية في منتصف الستينات كتاب قيم لماتيوس: “مدخل إلى السوريالية”، وهو الكتاب الأول من مجموعة كتب مذهلة حول السوريالية، ثاقبة في عرضها وتحليلها وكأنها تكاد تكون مكتوبة من داخل الحركة السوريالية، كان صديقا لي سبق له أن اشترك بمقال في مجلتي الانجليزية Grid. توفي ديسمبر 1986.
أما الذين كنا نتصورهم متفهمين ومطلعين بعمق على تاريخ المصطلح كالشعر الحر مثلا، وتطوراته، لم يكن هؤلاء، في الحقيقة أقل جهلا من قراء لا يعرفون لغة ثانية. خذ مثلا جبرا إبراهيم جبرا الذي قال أن شعر الملائكة والسياب لا تصح تسميته بـ”الشعر الحر” وإنما يجب أن تطلق التسمية هذه على شعره هو وشعر توفيق صايغ ومحمد الماغوط. لماذا؟ كيف؟ لم يعطنا تفسيرا مقنعا. لكن لا أدري إذا كان واعيا أن أفضل قصائد حركة الشعر الحر، في نظر النقاد، هي تلك التي كتبها شعراء متضلعون بالعروض الانجليزي إلى حد أنهم عرفوا يتلاعبون بالتفاعيل وبالمقاطع النبرية وغير النبرية لخلق وحدة وزن جديدة لقصائدهم تسمح للعروضيين بتقطيعها واستخراج تفعيلات جديدة اعتبرت فيما بعد تطويرا للعروض المعطى. وخير مثال قصيدة اليوت “أغنية حب جي الفريد بروفروك” المسكونة بخماسي التفاعيل الايامبي الذي برع به اليوت. في الحقيقة ان الكتب التي ظهرت مؤخرا حول مسالة Free Verse تكاد تؤكد أنه ليس هناك “شعر حر” واحد وإنما مئات من “الشعر الحر”، يسكنها شبح وزن ما.. بينما في الفرنسية هناك شعر واحد تتغير فيه فقط مقاربات الطرح من شاعر إلى آخر.
إن شعراء التفعيلة (كالملائكة والسياب والبياتي) هم نقطة الانطلاق الأولى للشعر الحر على الأقل بمفهوم أوائل الشعر الحر الانجليزي… لكنهم توقفوا عند الأسس (عدم الالتزام بعدد ثابت من التفعيلات، تحويل البيت من شطرين إلى سطر، مزج تفعيلات بحر بتفعيلات بحر آخر، الوقفة حيث يريد الشاعر حتى نهاية المعنى، نسف نظام الروي وجعل الصوت متنقلا، عدم خضوع الموسيقى للوزن وإنما لحالة الشاعر النفسية، التدفق)، مثبتينها قيودا خليلية جديدة دون أن يذهبوا أبعد من ذلك. لذلك اوجدت ظروف الرغبة بالتحرر في مطلع خمسينات القرن الماضي مغامرين آخرين كتوفيق صايغ، محمد الماغوط وجبرا ابراهيم جبرا إلى التوسع في امكانيات الشعر الحر وكسر كل قيد سواء كان عروضيا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة أو او بقياسات شعر التفعيلة. كما أن هناك بندا اساسيا في الشعر الحر الأوروبي هو استغلال الطاقة التعبيرية للفقرة النثرية إيقاعيا، وجعل الجملة النثرية جزءا حيا من ايقاع الشعر فيولد شعور لدى القارئ وكأنه يقرأ كلاما نثريا، وصلاح عبدالصبور أجود مثال لهذا في الشعر الحر العربي. كما أذكر القارئ أن صايغ لم يعنون ديوانه الأول “30 قصيدة” نثر… ولم يشر إلى أنه يقدم نماذج قصيدة نثر. كما أن الماغوط لم يشر في أي ديوان من دواوينه قصائد نثر، وإنما شعر وهذا مذكور حتى في لائحة مجلة شعر لكتبها الصادرة، لكنها ميزت ديوان أنسي الحاج “لن” بـ”قصائد نثر”. وفي مقال في مجلة “الآداب” (كانون الأول عام 1962)، شتم فيه جماعة “شعر” واستهزأ بقصيدة النثر حد الاتيان بمقطعين من شوقي ابو شقرا وأنسي الحاج ليبين رداءة قصيدة النثر الذي تفتخر “شعر” بنشرها. وفي نفس المقال كتب الماغوط: “الشعر العربي الأصيل الموزون… يجب ان ينمو أيضا، ويتطور ويتجاوب مع حياتنا الجديدة المعقدة لغة وشكلا ومضمونا”.. وهنا مقطع من قصيدة الماغوط “أغنية لباب توما”، مقطع ينطلق وقعا وتدفقا من القناة اللاوعية لشعر التفعيلة الحر لكن بحرية أكثر، لأن شعر الماغوط بالأخص، هو، بكل بساطة، تطور وامتداد طبيعي لحركة الشعر الحر العربي:
ليتني وردةٌ جوريّة في حديقةٍ ما
يقطُفني شاعر كئيب في أواخر النهار
أو حانةٌ من الخشبِ الأحمر
يرتادُها المطرُ والغُرباء
ومن شبابيكي الملطّخة بالخمر والذّباب
تخرجٌ الضوضاءُ الكسولة
إلى زقاقنا الذي يُنتج الكأبةَ والعيونَ الخُضر
حيث الأقدامُ الهزيلة
ترتع دونَما غايةٍ في الظلام…
عندما كتب الماغوط هذه القصيدة في منتصف خمسينات القرن الماضي، لم تكن هناك امامه نماذج مطروحة كقصائد نثر على الاطلاق، بل حتى لم تكن ثمة تسمية من هذا النوع، وإنما كل ما كان أمام الماغوط من شعر رائج هو شعر منثور أو شعر التفعيلة، وطبعا ديوان توفيق صايغ، وترجمات ليست لها البعد التأثيري لترجمات مجلة شعر فيما بعد. ناهيك أن كل من يقرأ مقطعا كهذا سينتابه شعور عفوي وكأنه يقرأ قصيدة موزونة، بل قصيدة عمودية، سواء كان يعرف العروض أم لا… شعور يستحيل أن يحسه قارئ قصيدة النثر بالمعنى الأوروبي للكلمة. آه لو يظهر ناقد من بين عشرات نقاد الإنشاء الكسالى الذين باتوا مسيطرين على الصفحات الثقافية يتبركون بعبارات مدح على هذا وذاك، أن يعمل فكره ليكتشف لنا ما سمي في الدراسات الانجليزية: “وَحْدات وزنية مفقودة” Missing Measures
إن مواقف الملائكة ضد تطورات تيارها الشعري وتداعياته المتمثلة بشعر الماغوط مثلا، كانت لا تختلف على الاطلاق من تصريحات روّاد الشعر الحر كوليم كارلوس وليامز وباوند واليوت، المضادة لشعر أخذ ينتشر باسم “الشعر الحر” في اللغة الانجليزية، بينما هو في نظرهم شعر نثري، مما حدا بكارلوس وليامز إلى أن يتنصل من صفة شاعر حر، وباليوت إلى نفي وجود شعر حر! وحبذا أن نجد ناقدا واحدا يقوم بمقارنة لدراسة نازك الملائكة في كتابها “قضايا الشعر المعاصر” عن “بداية الشعر الحر وظروفه” مع مقالة تي اس اليوت “الموسيقى في الشعر” و”تأملات في الشعر الحر”، علّ الحقيقة تتضح بأن كل ما في مقالة الملائكة من أفكار هي عين الأفكار التي طرحها إليوت… لكن عن وعي دفاعي يخشى عواقب “التمرد” المنطقية الذي أدعت أنها رائدته.
كما لم يقل لنا جبرا إبراهيم جبرا أيضا لماذا، وهو محقٌ في هذه النقطة، أن تسمية “الشعر الحر” تصح فعلا أن تُطلق على شعره وشعر الماغوط وصايغ. كيف يمكنه إعطاء تفسير نقدي واضح، وهو، بكل بساطة، بالغائه صفة الشعر الحر من شعر الملائكة، عتّم على اللبنة الأولى لما سيتطور طبيعيا (وهذا عين ما كانت تخشاه الملائكة) من نموذج شعري مشطّر يحاذي بل يتمثل شعر التفعيلة في كل شيء ( الصورة، الجناس، الوقفة التي لاتثبت على حال، التدفق…) إلا في احترام شروط التفعيلة المعطاة.. إذ أن هذا النموذج المسمى “قصيدة نثر” اختار بوجه الإيقاع العروضي الوقعَ الانسيابي المعتمد على المعنى أكثر مما على الوزن، وعلى الإحساس أكثر من التفعيلات، معتبرا “إيقاعات النثر التي هي أكثر مرونة وشمولية، مصادرَ عروضية جديدة”، على حد عبارة كلايف سكوت..
إن ما يؤسف إليه هو أن ما يسمى خطأ “قصيدة النثر العربية” (التي لما كانت ظهرتْ لو لم تحدث ثورة الشعر الحر العربي على قيود الأوزان الخليلية) بقيت محتقرة عَروضيا حتى يومنا هذا، رغم أن لها تجارب منذ اكثر من نصف قرن، لم تجد متبحرا واحدا في العروض العربي، يخصص وقته للعثور على تفاعيل / ابحر غير معروفة للأذن العربية في عدد كبير من أفضل ما كتب تحت هذه اليافطة الخاطئة: قصيدة نثر، ويقوم بقراءة تقطيعية جديدة لها.
لقد التفت ابن خلدون، دون توضيح مسهب، إلى أن هناك أوزان لم يعرفها العرب في ظروفهم آنذاك: “… ليس كل وزن يتفق في الطبع، استعملته العرب في هذا الفن، وإنما هي أوزان مخصوصة تسميها أهل تلك الصناعة: البحور. وقد حصروها في خمسة عشر بحرا، بمعنى أنهم لم يجدوا للعرب في غيرها من الموازين الطبيعية، نظما”!
نحن اليوم في مطلع الألفية الثالثة، وما لم يجده العرب في سالف خيامهم نظما، هو اليوم يتدفق معا شكلا ومضمونا على اسفلت العولمة، يتفق في الطبع والذهن، في الروح والجسد: إنه وزن آخر من جل الموازين الطبيعية التي لم يعرفها عرب الألف الأولى.
***
كانت هناك عدة كتب بقلم كتاب كبار تناولت مسألة “الشعر الحر”، وباللغة الانجليزية التي ادعى هؤلاء السيطرة عليها: للمثال كتاب مانسيل جونز عن “الشعر الحر” طبع عام 1951 في اكبر دار نشر يعرفها بالأخص مترجموننا هؤلاء: كيمبريدج، واعيدت طباعته عام 1968. وهو يعتبر من أهم المراجع الأولى حول حركة الشعر الفرنسي في فرنسا.. وبلغة واضحة مع شهادات مؤسسي الشعر الحر الفرنسي… ويتناول الخلفية التاريخية التي مهدت للشعر الحر الفرنسي، ومن بين هذه التمهيدات قصيدة النثر.. شيء جيد أن يعرف القارئ أن قصيدة النثر الفرنسية كان لها دور في انبثاق الشعر الحر وليس كما عندنا وعلى نحو خاطئ، كما سأبين فيما بعد.
لماذا لم يُترجم هذا الكتاب الذي ظهر في السنوات الأولى من ميلاد حركة الشعر الحر في العالم العربي، وبالأخص أنه يضيء جوانب عديدة كان النقد العربي آنذاك مثلما اليوم في أشد الاحتياج إليها لتقوية أدواته النقدية في مسألة الشعر الحر التي تكاد تكون ترجمة حرفية للشعر الحر الغربي. بل لكان قد قرأ القارئ العربي أول تقديم تعريفي لمصطلح قصيدة النثر فتترسخ في ذهنه بعض مميزات هذا الجنس الجديد، ولربما لدفع التعريف عذا عددا من الشعراء الشباب آنذاك لارتكاب قصائد نثر عربية رائدة بالمعنى الصحيح للمصطلح (انظر مقالتنا التعريفية).
ومن غريب الصدف أن هذا الكتاب يبين لنا أن الشعر الحر الفرنسي أيضا رافقته سجالات من كتبَ أولا قصيدة حرة؟ “غوستاف كان” أم “جول لافورغ”، والنقاش جد حاد بين قصائد الاثنين إذ تتقارب تورايخ نشرها (كما عندنا: أيٌّ كانت أولَ قصيدة حرة: “كوليرا” الملائكة أم “هل كان حبا” للسياب)، وأن الشعر الحر مؤامرة أجنبية لتهديم نقاء اللغة الفرنسية بتهديم عموده الأساسي البحر الاسكندراني (كما أشيع عندنا في خمسينات القرن الماضي بأن الشعر الحر مؤامرة لزعزعة التراث العربي)، وأن الترجمة الفرنسية لبعض قصائد ويتمان هي التي مهدت الطريق لظهور الشعر الحر، وأُستعملَ في هذه الترجمة أسلوبٌ وزني سيعرف فيما بعد باسم الشعر الحر وكان له دور مؤثر على “كان” و”لافورغ” الذي قام بترجمة ويتمان، وهذا الاعتبار لا يختلف عن طروحات عدد من النقاد العرب بأن ترجمات باكثير لشكسبير سبقت نماذج الشعر الحر العربي الأولى وكان لها دور مؤثر على الملائكة.
***

 

من خلال بحثي عن مصادر تتناول قضية “الشعر الحر”، وجدت ما يقارب 9 كتب حديثة بالانجليزية ساذكرها في مراجع الحلقة الثانية من هذا المقال، أما في الفرنسية فلم أجد (طبعا باستثناء التعريفات المقتضبة التي نجدها في المعاجم الفرنسية) سوى كتاب صغير واحد (70 صفحة من القطع الصغير) يتناول الشعر الحر: “أوائل شعراء الشعر الحر” وهو محاضرة ألقاها احد روّاد الشعر الحر: ادوار دوجاردان في السوربون عام 1922. بينما في الانجليزية هناك عشرات الكتب ومئات المقالات التي تتناول قضية الشعر الحر… وخصوصا خلال السنوات العشر الأخيرة، ظهرت كتب عميقة تعيد النظر في كل مسالة الشعر الحر بأسلوب ممتع وصارم مصطلحيا. وقد يستغرب القارئ متسائلا: كيف والشعر الحر الانجليزي هو ابن الشعر الحر الفرنسي؟ لكل شيء جواب، وهنا جزء بسيط منه: أن الشعر الفرنسي مقطعي أي وحدته الوزنية تقوم على عدَ المقاطع اللفظية وتساويها من بيت إلى آخر. وتجدر الإشارة هنا إلى أن رسالة البيان التحرري من العروض الكلاسيكية، لحركة الشعر الحر تتجلى في حذف s الجمع من كلمة Libre وكلمة Vers في المفهوم اللساني الكلاسيكي هي دائما جمع لأن البيت الاسكندري يتكون من شطرين لذلك أي نعت يضاف الى Vers ، كما في تيار Vers Libérés ، فأن s الجمع يضاف.
بينما اللغة الانجليزية لغة نبرية ومن هنا تقوم وحدة الوزن الشعري على تفعيلة مكونة من مقطعين كما في البحر الأكثر شيوعا الايامبي، وعلى ثلاث مقاطع كما في البحر الانابيست. على أن القياس الوزني للتفعيلة في الشعر الحديث يقوم على المقاطع المنبورة وغير المنبورة على عكس ما كان معروفا في الشعر الانجليزي الكلاسيكي المقطع الطويل والقصير. لكن في الشعر الحر، كما اوضح باوند: “يمكن تشخيص التفعيلة، المتفق عليها في الشعر الكلاسيكي، لكن الوزن، كما هو معرف تقليديا، لا يظهر”. أو بعبارة اليوت الشهيرة: “على شبح وزن بسيط ما، أن يترصّدَ من وراء الستارة حتى في الشعر “الأكثر حرية”؛ فيتقدّم على نحو مهدّد ما إن نغفو، ويتراجع ما إن نصحوا. الحرّية حريةٌ حقا عندما تظهر إزاء قيد مصطنع”. ومعظم الدراسات المعاصرة للشعر الحر المكتوب باللغة الانجليزية، تحاول تقطيع هذا الشعر وايجاد وحدات وزنية شبه مفقودة تتوافق، بشكل ما، مع وحدة الوزن المعروفة.
هذا شيء لا وجود له في الشعر الفرنسي، إذ كل ما يحتاجه التحرر من قيود الوزن عند الشاعر الفرنسي هو إلغاء حساب المقاطع لاغير (طبعا ينحو كل شاعر حقيقي إلى الاعتناء بتقطيع يتقاطب ووقع أحاسيسه وأسلوب يتماشى وتدفق أفكاره). وعندما يلغى عَـدُّ المقاطع ويعود الشاعر لا يفكر به، لا تعود هناك التباسات كثيرة مثلما موجود في الشعر الحر الانجليزي، تحتاج إلى شروح ومساجلات، وكما وضح دوجاردان: “الشعر الحر يجهل عدّ المقاطع syllabes “. ناهيك أن ظهور السوريالية نسف فكرة وجود “فن شعري”، نموذج يُتبع، إذ أعادت السوريالية للمخيلة البشرية حقها الأساسي باتخاذ الشكل الذي يتدفق في آن مع تعبيرها.
***
أما حركة “التصويريين” التي اطلقت الشعر في اللغة الانجليزية، فليس هناك مرجع عنها بالعربية.. والأنكى أنه كانت هناك فرصة كان يمكن للقارئ العربي أن يطلع من خلالها على هذه الحركة تعريفا ونقدا في الكتاب الذي اشترك فيه عدد كبير من الاخصائيين، حرره لدار بنغوين مالكولم برادلي وجيمس ماكفارلن: “الحداثة”.. والذي قام بترجمته الى العربية مؤيد حسن فوزي وصدر بجزئين في بغداد (1990)… إلا أن المقال المتعلق بحركة “التصويريين” لم تتم ترجمته وحذف من الطبعة العربية لسبب جد بسيط هو ان كاتبه نتان زاخ شاعر إسرائيلي، وثقافة اللاتطبيع تتطلب هذا التجهيل! لحسن حظ القارئ ان كاتب مقال “قصيدة النثر والشعر الحر” كلايف سكوت لم يكن إسرائيليا. فمقاله رغم الترجمة الركيكة يسلط بعض الضوء على هذين الجنسين المنفصلين. وتجدر الاشارة هنا إلى أن لكلايف سكوت كتابا جد مهم بالانجليزية حول “الشعر الحر”: يتبع فيه طريقة جديدة نبرية يستطيع اثبات أن عددا من قصائد الشعر الحر الفرنسي الرائدة مهما تحررت لم يمكنها الابتعاد عن النموذج المتمردة عليه.
هناك معجم جد كبير حرره الأديب الراحل مجدي وهبة صدر عن مكتبة لبنان: “معجم مصطلحات الأدب”. ومن المعروف أن مجدي وهبة شخصية ثقافية متبحرة في علوم الأدب، ومعجمه هذا يدل على المام كامل بكل مصطلحات الأدب، مستعملا طريقة جديدة يقدم مقتبسات بالانجليزية والفرنسية لأدباء أجانب كبار تعرف مفهوم الشاعر، ثم يقدم تعريفا مفصلا تارة وتارة مقتضبا بالعربية.
لكن… مما يؤسف له أنه أولا، لم يكتب إشارة واحدة إلى جنس “قصيدة النثر”، وكأنها غير موجودة مع العلم أن تعريفا بها مذكور في كل المعاجم الفرنسية والانجليزية التي استعان بها. وثانيا خلط في تعريفه بالعربية لـ”الشعر الحر”، بين مميزات اتجاهين مختلفين: هما Vers libérés أي “الشعر المُحرّر” أو المتحلل من بعض قيود وزنية لكن دون المس بأسس العروض الفرنسي وأفضل من يمثل هذا الاتجاه هو بول فيرلين، وتيار Vers libre “الشعر الحر” المتحرر كليا من قواعد العروض الفرنسي.
***
هناك أخطاء فادحة شائعة وسط الشعراء والنقاد وأتباعهم القراء:
بأن فيرلين هو رائد الشعر الحر بينما كان من أكثر المتحفظين على تيار الشعر الحر Vers libre وعلى عكس مالارميه الذي رحب بالشكل الجديد مع التزامه كتابيا بالبحر الاسكندري (وسمي نسبة إلى ملحمة كتبت في تمجيد ألكسندر ذي القرنين يتكون فيها البيت الشعري من شطرين تفصلهما فاصلة وزنية وفي كل شطر ستة مقاطع). لم يكتب بول فيرلين قصيدة واحدة تعتبر شعرا حرا، على العكس أنه كتب قصيدة ابيغرام الشهيرة يستهزئ فيها من هرولة الجيل الجديد الى كتابة الشعر الحر.
وبأن بودلير اخذ من وولت ويتمان، بينما لم تترجم بعض قصائد ويتمان الا بعد موت بودلير وليست هناك وثيقة واحدة تؤكد أن بودلير قرأ ويتمان او سمع به، بل على العكس، إن ويتمان هو الذي سمع ببودلير عن طريق مقالة لسان بوف ترجمت إلى الانجليزية يتطرق فيها إلى أفكار بودلير في مفهوم الحداثة، وقرأها ويتمان واقتبس منها مقطعا لبودلير، في مقدمته لـ”اوراق العشب”.
وبأن الشعر الحر الأوروبي غير موزون… وبأن الشعر الحر الأوروبي موزون… وبأن التحرر من الوزن نفسه في فرنسا كما في ألمانيا، أو انجلترة، بينما كل لغة لها إيقاعها العضوي الذي يفرض في نهاية الأمر مسار التحرر من قيوده… وبأن بأنّ، بأنّ، بأن الخ.

الحلقة الثانية: انبثاق حركة الشعر الحر في فرنسا، دور الترجمة الفرنسية لبعض قصائد ويتمان، الإحياء الانجليزي للشعر الحر

هذا هو الشعر الحر وليس.

عبدالقادر الجنابي


نشر محمد بنيس، في جريدة “القدس العربي” (يوم 2، و3 آيار)، مقالا حول مؤتمر قصيدة النثر في بيروت. هنا تعقيب نشرته “القدس العربي” يوم الثلثاء 6 آيار 2006

قرأت مقالة محمد بنيس، ووجدت فيها ملاحظات مهمة خصوصا في الجزء الأول منها… بعضها يكاد أن يكون معروفا في كتب النقد والآخر تكرارا حرفيا لما كتبته، مثلا، في كتابي “رسالة مفتوحة إلى أدونيس”: “إن المرعب في الأمر هو أن أدونيس انتظر ظهور أطروحة دكتوراه لطالبة اسمها سوزان برنار، حتى يدرك أن هناك شعرا أسمه قصيدة نثر، جاهلا أن ثمة قرنا من النتاج الغزير والتطورات حد أن قصيدة النثر نفسها لم تعد تسمى قصيدة نثر وإنما قصيدة فحسب” (دار الجديد، بيروت 1994/ صفحة 52). أو حول أهمية كتاب برنار سوزان، في كتابي الذي صدر عن دار النهار (2001) “الأفعى بلا رأس ولا ذيل: انطولوجيا قصيدة النثر الفرنسية”: “… في نظر النقاد، لطروحات سوزان برنار أهمية واحدة في فرنسا هي تذكير الجامعة بقصيدة النثر كجنس أدبي يجب أن يُدرس (صفحة 137). وبالمناسبة الأنطولوجيا هذه عُتم عليها، رغم أنها أول تعريف دقيق بقصيدة النثر عبر النموذج والتنظير (ويجد معظم مواد الكتاب في ثقافات إيلاف)… وكما كتبت في النسخة المهداة إلى الصديق أمجد ناصر: “تصور ماذا كان سيحدث للشعر العربي لو كانت هذه الأنطولوجيا قد صدرت عام 1960؟ “. أنا أعتقد أن الخطأ الرئيسي الذي ارتكبته مجلة “شعر” هو انها لم تخصص أي عدد، أو ملف، لنموذج قصيدة النثر الفرنسية، وإنما اكتفت بمقالة أدونيس الذي لا توحي أنه قرأ الكتاب وإنما قرأ عرضا صحافيا طويلا للكتاب نشرته أسبوعية لويس أراغون “الأداب الفرنسية”. (سأدلل بالنص على ما أقول في مناسبة أخرى). أما ملاحظته حول عدم ذكر قصيدة النثر في مؤتمر روما، فالجواب هو أن مجلة “شعر”، خصوصا في حقبتها الأولى، كانت تعتبر كل محاولات الماغوط، شوقي أبي شقرا وآخرين شعرا حرا وليس قصيدة نثر والبرهان ان الخال في إحدى إعلانات مجلة شعر للكتب التي صدرت عن دار “شعر”، لم يعرف أي كتاب شعري بقصائد نثر، وإنما بـ”شعر”، باستثناء “لن” أنسي الحاج الذي عرّفه كقصائد نثر.

دفعتني مقالته، من ناحية أخرى، إلى أن أتساءل: لماذا لم نر لمحمد بنيس قبل هذه الآونة أي إيضاح، أو مقال نقدي أو عرضي حول فوضى مصطلح قصيدة النثر؟ مع العلم أنه أصدر كتبا عديدة تتناول الشعرية العربية الحديثة، بل حتى لم ينشر في دار توبقال كتابا واحدا يتناول مسألة قصيدة النثر أو أنطولوجيا لقصيدة النثر… لماذا الآن وبهذا النفس اللاهث بمونتاج من الاقتباسات التي غالبا ما ينقصها رابط منهجي، بل منزوعة من سياقاتها النظرية كعبارات مالارميه التي هي تتعلق بـ”أزمة النظم” وعبارات باوند المتعلقة بقضايا الشعر الحر، وليست أبدا في مسالة قصيدة النثر…. هكذا نتفة من هنا ونتفة من هناك حتى يبدو وكأنه قد أطلع على كل التجارب والأفكار وهو العارف الوحيد بباطن الأمور، بينما تكشف مقالته عن خلط واضح وفهم غير دقيق لكثير من الأمور التي تطرق إليها. فمثلا أطلق جزافا “آية توراتية” على قصيدة يوسف الخال لأنها تناولت موضوعا مسيحيا. أين هو التفخيم أو الاسترسال المديد النفس الذي هو من صلب الآية” سواء كانت توراتية أو على طريقة سان جون بيرس. قصيدة يوسف الخال التي اخترتها في كتابي وفي مختارات “القدس العربي”، أولا لأنها مكتوبة عن وعي كقصيدة نثر ويجب أن تُضم مثلما ما يقارب ثلاثين قصيدة في كتاب بودلير لا يعتبره بعض النقاد قصائد نثر وإنما طروحات فلسفية ويوميات ومع هذا تؤخذ كقصائد نثر بل كقصائد مؤسِسة، وثانيا قصيدة الخال هذه على عكس الآية تنطوي على عنصر سرد واختصار وتوتر ربما إيماني لكنه جزء من عناصر قصيدة النثر، بل حتى على عنصر اللاغرضية، إذ لم تنطو على حكمة أخلاقية واضحة ولا نهاية معلومة من تناوله “العشاء الأخير”. وهناك عشرات من قصائد النثر الفرنسية التي تتناول مواضيع مسيحية كقصائد السجالي المسيحي ليون بلوا في نهاية القرن التاسع عشر، بل النبرة المقطعية في قصيدة الخال، تتواجد في عدد كبير من قصائد النثر الأمريكية المعاصرة.

في نظري، لم يأت محمد بنيس، في كل هذه المقالة، بجديد مفيد يدخل في صلب النقاش الدائر حول قصيدة النثر، سوى اعترافه بأنه هو “الآخر وقع ضحية عدم تدقيق الترجمة، عندما استعمل، من قبل، المتداول من غير انتباه”، موضحا “إن الشاعر العربي، الذي لم يعرف قواعد (لا أقول قوانين) هذا الجنس، ظن أن ما يكتبه في شكل أبيات شعرية تتخلي عن الوزن (والقافية)، هو قصيدة نثر، فيما كل استعمال للبيت، بصرف النظر عن شكل البيت، يخرج القصيدة، في عرف معلميها، بودلير وملارمي، ونقادها ومنظريها، من قصيدة النثر ويلحقها مباشرة بالقصيدة، قصيدة الأبيات… وعندما نكتب قصيدة أبيات غير موزونة (وغير مقفاة، لأن هناك من ينبذ الوزن ولكنه يستحلي القافية) فلنا آنذاك أن نبحث لها عن اسم وعن تصنيف”. حبذا لو يعترف كل شعراء قصيدة النثر العربية المشطرة بهذا، ويحاولون إيجاد اسم آخر غير قصيدة نثر، على جل نتاجهم المشطر أبياتا سواء موزونة أو غير موزونة.

لكنني أستغرب من ترجمة محمد بنيس لعبارة Poème en prose بـ”قصيدة في حالة نثر”، وحرف الجر الفرنسي هنا En  لا يعني بتاتا “في” أو “في حالة”، وإنما يدل على “مادة” أي أن القصيدة “مادتها en” نثر. (افتح أي كتاب مدرسي يتعلق بالنحو الفرنسي وكتاب صعوبة اللغة الفرنسية وتجد معنى حرف الجر الفرنسي هذا في هذا الاستخدام « En » désignant la matière، ولذلك اتفق النقاد الأمريكان والانجليز كلهم على ترجمة المصطلح الفرنسي بـ Prose poem وليس بـPoem in prose كما حاول البعض ترجمته في بدء خمسينات القرن الماضي، وترجمه توفيق صايغ في “حوار” بـ”شعر بالنثر”)، لأن المعنى المراد هو “القصيدة مادتها نثر” أي “النثر قصيدةً” وليس القصيدة في حالة من النثر. كما أن من الخطأ جعل بودلير ومالارميه سيدين مطلقين، فقصيدة النثر لم تكتمل ولم تصبح جنسا أدبيا إلا على يد ماكس جاكوب الذي خلص قصيدة النثر من الأغراض الرمزية والبلاغة البارناسية ومن أسلوب اليوميات، ووضعها في كتلة مؤطرة ترتكز على ثلاثة أعمدة: ايجاز، توتر ولا غرضية، أعمدة يتفق عليها جميع النقاد اليوم. (انظر مقدمته لـ”كوب الزار”، في “الأفعى بلا رأس ولا ذيل” صفحة 161). كم كانت فرحتنا تزداد لو أعلمنا أن القارئ العربي لم يقرأ للآن كتاب سوزان برنار بترجمة صحيحة فترجمة راوية صادق يعج بالأغلاط الفاحشة وبعدم فهم الفقرات الفرنسية، بل هذه المترجمة لم تكن قادرة حتى على وضع مقابل عربي لعناوين كتب الشعر المذكورة، كعنوان كتاب فرانسيس بونج:  Le Parti-pris des choses فترجمته بـ”الرأي المسبق للأشياء”!!! بينما الترجمة الأدق هي: “التحيّز للأشياء”.

ما يهمني الآن، وهذه هي الغاية من ردي هذا، أن أقول إن محمد بنيس ارتكب خطأ يعبر عن سوء نية أكثر مما عن جهل، عندما كتب في مقالته: “حتى عبد القادر الجنابي (المدعو الغائب) لم يعثر في ما كتبه شعراء المغرب العربي على قصيدة واحدة تستحق أن تدرج ضمن القصائد النموذجية التي اختارها لشعراء يمثلون برأيه هذه القصيدة”. آمل أن لا يكون السبب وراء مرارة محمد بنيس في مقالته هذه من التغييب الذي تم بحق المغاربة في مؤتمر بيروت، لأنهم لم يدعونه… 

 أقول “سوء نية” لأن لديه نسخة من انطولوجيا “كآبة الصحراء” التي أعددتها لدار نشر باريسية، وصدرت (عام 2001) محاكاة لعنوان بودلير “كآبة باريس”، التي ضمت قصائد نثر عربية تتطابق والنموذج الفرنسي، وهي أول محاولة من هذا النوع.. وكان فيها نموذجان لشاعرين مغربيين هما حسن نجمي ومبارك وساط… وفي الحقيقة لم أستطع ضم عدد كبير من قصائد النثر لعرب آخرين لأن الناشر الفرنسي فرض علي آنذاك بعدد محدود من الصفحات لاتتجاوز الـ 80 صفحة وبلغتين الفرنسية والعربية، مما ضيق علي المساحة واضطرني للاقتصار على حد أدنى من الاختيار. ولدى محمد بنيس نسخة من كتابي هذا!

لم يسم محمد بنيس في مقالته أي شاعر لديه نماذج شعرية تنطبق عليها مواصفات قصيدة النثر الأوروبي. آمل أن لايخرج علينا محمد بنيس بكتل يسميها قصائد نثر وبالتالي يتهمنا بأننا تجاهلناها. نعم! هناك شاعران مغربيان، على حد علمي، لهما ما يكفي من القصائد التي تلبي شروط قصيدة النثر الفرنسية هما محمود عبد الغني وجمال بدومة.. وكان بودي ضم أحدهما في هذه المختارات التي نشرت في “القدس العربي” على الأقل. وبالفعل طلبت من الشاعر الصديق محمود عبد الغني أن يرسل إلي قصيدة سبق أن قرأتها في ديوان له تحت عنوان “ماكس جاكوب” لأني أتذكر جيدا أنها جد قريبة من النموذج الأوروبي، فلم يستطع إرسالها، لأنه كان في سفر، فأرسلَ، بدلا منها، ثلاث قصائد أخرى لم استطع أن أختار واحدة منها، ولا من قصائد جمال بدومة التي لدي، ليس لأن المساحة محددة صفحة واحدة من الجريدة فحسب، بل لسبب رئيسي: هو اني اتفقت مع الشاعر الصديق أمجد ناصر أن تكون المختارات صارمة، أي أن تعبر بالأخص عن اللاغرضية… تاركا أمر القصائد التي تتباطأ في هذا الشرط الأول والأخير في قصيدة النثر العالمية، إلى الأنطولوجيا التي آمل أن تصدر كتابا تحت عنوان “أنطولوجيا قصيدة النثر العربية” والشيء الصادم فيها سيكون غياب تام لقصيدة النثر العربية المشطرة … ثم تليها أنطولوجيا ثانية تحت عنوان “الوزن المفقود: الشعر الحر الجديد” وتضم مختارات من أفضل قصائد النثر العربية المشطرة السائدة.

في الوقت الذي كان فيه محمد بنيس معاديا لكل تجارب ما يسمى قصيدة النثر المغربية التي أخذت تتصاعد في مطلع تسعينات القرن الماضي، كنت (وأقولها باعتزاز) المشرقي الوحيد الذي فسح المجال كله لموجة شعراء المغرب الجدد، حد التواطؤ معهم في كل “غاراتهم” الشعرية. أريد هنا التالي: لايحق لمحمد بنيس أن يتكلم باسم قصيدة النثر المغربية، إذ ليس له ضلع لا في تاريخها القاسي ولا في مسار قصيدة النثر عموما. لقصيدة النثر المغربية شعراؤها المؤهلون لمواجهة أي غبن يتم بحقها، خصوصا داخل حدودها. ليعلم القارئ أني لم أكتب ردي هذا من باب تصفية حسابات كما يعملها عدد من شعراء اليوم. كلا. محمد بنيس صديق عزيز علي وأبدى عدة مرات استعداده لتلبية أي شيء اطلبه، دعوة، نشر..الخ وإنما كتبته توافقا مع عبارة نيتشة “لأجعل الآفات المتخفية أو البالغة الدقة بادية للعيان”.

قصيدة النثر العالمية نموذجا وتنظيرا… 
عبدالقادر الجنابي

عبدالقادر الجنابي: ماهي قصيدة النثر؟
الجنابي يرد على بنيس
أمجد ناصر: طرق منحرفة إلى قصيدة النثر
هذه هي قصيدة النثر العربية المطلوبة
ليغرّد النثر عارياً ويسكت ملاك النظم
قصيدة النثر ما قبل بودلير: برتراند ودومييه

بودلير: البيان الأول و13 قصيدة نثر
ستيفان مالارميه: قصيدة النثر كامّحاء الشاعر

قصيدة النثر: سماتها الخارجية والداخلية

إليوت وقصيدة النثر: هستيريا عند تخوم النثر

جاكوب: إعادة صياغة مفهوم قصيد النثر

السوريالية وقصيدة النثر: بروتون وايلوار
لوتريامون وبيرس وقصيدة النثر

قصيدة النثر المفتوحة: ميشو، شار وبونج

رعاة قصيدة النثر الأمريكية
جروترود شتاين: قصائد نثر تكعيبية
رسل ايدسن: لا كمال لقصائدالنثر
نحن الشعراءُ الذعرُ وصيـّـتـنا

قصيدة النثر العالمية نموذجا وتنظيرا….

Sargon Boulus

1942 (Habbaniyah, Irak)-

 

Poète, nouvelliste et journaliste, Sargon Boulus quitte l’Irak pour Beyrouth en 1967 où il collabore à la revue de Youssef El Khal : Chi‘r. Son exil se poursuit aux états-Unis et le soleil californien le retient durant une vingtaine d’années. Il publie à San Francisco une revue en anglais Tigris, traduit Adonis et Darwich et donne à lire en arabe Allen Ginsberg, W. H. Auden, Ezra Pound et William Carlos William. On connaît de lui cinq recueils de poèmes dont on retiendra en particulier La vie près de l’Acropole (1988) et Le tout sur le tout (1992). Il vit aujourd’hui en Allemagne. Sa poésie, influencée surtout par la modernité américaine, révèle un langage maîtrisé émaillé d’anecdotes et d’images étonnantes tirées du quotidien. La rue l’inspire et ses errances urbaines le poussent à réunir une biographie rapide des gens qu’il croise comme autant de fantômes qu’il revêt de réalité. Sargon Boulus, le poète de la paresse éveillée !

 

à un visiteur après l’apocalypse

 

Si au bout de la nuit de l’histoire

Tu venais cogner la porte,

Quand déjà les bourreaux dorment

Sur les cadavres de leurs victimes,

Si après le déluge

Et les derniers cris de guerre,

Tu venais pour réaliser, enfin, par tes grâces

Le rêve des damnés blessés,

Et si Eve t’ouvrait la porte

Encore endormie et frottant ses yeux,

Alors il te faudrait l’écarter,

Lancer un coup

En pleine tête du serpent

Pour qu’il retourne sans attendre

à la grotte biblique,

Enfoncer un mégot

Dans les lèvres d’Adam,

Demander pourquoi à cette créature

Et commencer l’interrogatoire.

 

La légende d’al-Sayyâb et de l’alluvion

 

Al-Sayyâb savait depuis toujours

La rareté des choses aimables :

Un visage rond comme une miche

Perçant sous les pauvres chiffes de son berceau

Des femmes tendres telles les nourrices des contes

Et une poignée d’alluvions, humides

Tel le souvenir du déluge,

Qui ne cessaient de le poursuivre

Au delà des fissures de sa mémoire

Et des fenêtres ouvertes pour lui dans son enfance

Il chanta ces alluvions et les chanta encore

Dans le feu de ses attentes

Sur des lits d’hôpitaux loin des eaux irakiennes

Pour les posséder

Il se voua même à la boue des ruisseaux.

 

Al-Sayyâb savait depuis toujours

Que le pied nu ne conduit qu’à une prison ou un massacre,

Que la pauvreté est le diable même

Dans un monde où splendeur et misère sont le festin

Préparé pour d’autres en notre nom

Pour finir dévoré par les barbares

Et que demain est une forêt

Verdoyant au seul cri de ses loups.

Chaque fois qu’il écrivait un poème

L’hôpital sombrait

Dans l’abîme…

Lorsque la nuit, servante au grand cœur,

Lui apporta l’aura de l’éternité

Et la mort, danseuse sans visage, se dénuda devant lui

Dans une ultime taverne de poussière

Alors Jaykour encore une fois tournoya

Dans le fleuve de son sang

Avec sa boue et ses ombres.

Il vit ainsi Dieu se reposer

Sur le lit du Buwayb.

 

 

Tentative d’atteindre Beyrouth par la mer

 

Un soir lointain

Lorsqu’à travers les ruines

Je faisais se tarir les fontaines

Ou soudoyais la nuit

Avec de pauvres vers

De tes milliers de fronts

Tu saignais

Dans les tranchées de la trêve froide.

J’ai voulu tapisser un chemin de mes haleines

Jusqu’au lieu où debout tu demeures

Ta barricade est carcasse de colombe

Ton visage, paradis blessé

J’ai voulu me consumer entre tes mains

Pas un recoin ne rêve de mon arrivée

Et la vie pour moi est une proie effarouchée

Lorsqu’elle ouvre les yeux

Et s’apprête à enfanter à chaque instant

Dans son berceau flottant entre mes os

Je m’éveille au large sur des eaux étrangères

Et ma vie se barricade contre moi.

 

Les agents de voyage me toisent avec étonnement

Lorsque je les interroge sur les bateaux pour Beyrouth

Mais je quitte le Pirée après deux jours

Le Pirée : le port où les prophètes rouillent

Et où leurs barbes soufflent sur les rames

Rue Socrate à Athènes où des prostituées affamées

S’assoient au seuil des hôtels

Sur des caisses de bois empruntées aux commerçants

 

Dans les ports de la Méditerranée et de la mer égée

Le vent

Est une veuve aveugle

En quête de personne

Mais qui passe parfois sur les cavités du cœur

Ses mains comme du papier de verre

Couvertes d’un sel rouge

Où elle s’arrête.

 

à cet instant l’aube masquée franchit les ponts.

Et pendant que je dis à la vie :

Approche, je ne te ferai aucun mal, je le jure !

Beyrouth, tel un cri perdu, surgit chaque nuit

De l’œil fixe de la victime

Ou part furtivement comme un cierge de pauvreté

Entre des échelles posées contre les murs de ma poitrine.

 

Et pendant que je dis :

Ô vie, je t’en prie,

Ne fais rien en mon absence

Et d’un seul bond, dévoile-moi ton ventre

Troué des balles des francs-tireurs de l’abîme

Beyrouth dans la nuit

Disait à la nuit :

Il faut que tu ailles au bord du cœur

Là-bas je serai ta parole

Il faut que tu lèches cet os froid

Pour de sa nudité illuminer ta nuit.

 

Voyage

Pour que la fumée monte de la boussole.

(A. K. El Janabi et Mona Huerta)