Skip navigation

Category Archives: مدونات ومواقع

GMT 15:15:00 2006 السبت 11 نوفمبر

عبدالقادر الجنابي


في واحدة من أفضل المقالات عن أندريه بروتون نبه الشاعر المكسيكي اوكتافيو باث الى نقطة جوهرية يجب أن تؤخذ في الاعتبار: “من المستحيل الكتابة عن أندريه بروتون بلغة تنقصها العاطفة والشغف”. وها هي ذكرى وفاته الأربعون تَحلُّ، وبمناسبتها سيحتفل كل على طريقته، بل حتى الخصوم ستكون لهم كلمة بشأنه. ذلك أن ذكرى بروتون لابد أن “تندلع في رأس الجميع اندلاع الينابيع في حقل من الورد”، على حد عبارة الشاعر الصديق أنسي الحاج. فلكل قرن أسطورة، وأسطورة القرن العشرين هي السوريالية، ولولا أندريه بروتون، بسلامته، خلقه وصلابته الفكرية، لما كان لهذه الأسطورة مقامها في حضرة تاريخ الذكاء الإنساني. وها نحن بدورنا نقوم بزيارة أهم المحطات في حياته متلمسين تبلور المقومات الرئيسية للسوريالية، فيستخلص القارئ بنفسه ما تبقى منها ساري المفعول وفعالا في مطلع الألف الثالث.

ولد أندريه بروتون في التاسع عشر من شباط (فبراير )1896 في “تانشبريه” (آورن – فرنسا) لأب أصله من مقاطعة “اللورين”، عَلماني وجد متحمس لتطلعات ولده، والأم أصلها من “بريتاين” مؤمنة وباردة سيصفها بروتون لاحقا بعبارات جد قاسية: “متسلطة، ضئيلة، حقودة”، مما جعلت الجو العائلي لا يطاق (وهنا يكمن احد الدوافع وراء تصريحه في كتابه “الحب المجنون”: “يجب طمر العائلة، قبل كل شيء”)، ومع هذا فان ثمة أوقاتا جميلة، في طفولة بروتون، لعبت دورا كبيرا في تنمية حاسته التشكيلية، خصوصا تلك

منشورات المعارك من أجل الدادائية والسوريالية

لتي كان يتلقى فيها تربيته على جَده لأمه، بيير لكوجيس. فبيير هذا كان قاصا ماهرا، علّم بروتون اللغة وقصص الغموض والأسرار، والاهتمام الشديد بالحشرات والولع بالغابات.

غادرت عائلة بروتون، في فاتح القرن العشرين، غابات “بريتاين” صوب باريس، لتستقر قرب منطقة “بانتان”. دخل اندريه مدرسة “شابتال” في عام 1904. وها هي حياته تتكدر بسبب الروتين المدرسي وتصرف أمه السلطوي. وما إن بلغ الخامسة عشرة حتى تجلى له بفضل احد المعلمين أساطين الشعر ونوره: مالارميه، بودلير، شعراء الرمزية الخ فأخذ يحضر القراءات الشعرية التي كانت تجري في مسرح “لفيو كولومبييه”… بل حاول كتابة الشعر متأثرا ببول فاليري، فكانت قصيدته الاولى التي نشرها اوائل 1914 في مجلة “الكتيبة” مهداة الى فاليري. وكانت الزيارات مع أبيه إلى بعض المتاحف والمعارض، تمتع ناظريه وتعمق من حاسته النقدية. شاهد للمرة الاولى لوحات ماتيس، فاثارت إعجابه بقدر ما كان والده يجدها مخزية. لكن دهشته الحقيقية تجسدت في زيارته “متحف غوستاف مورو” الذي أثر بشكل قاطع على مفهوم الحب لديه. ذلك أن الحب والجمال تجليا له بواسطة وجوه نساء “مورو” والوضعيات المعينة التي اتخذتها. وكم تمنى بروتون لو حُبس في ذلك المتحف ليلة ليطوف وحده القاعات كلها. وفي غمرة هذا التلقين الروحي والتطهير الشعري، وقع في حب ابنة خالته “مانو” التي أدرك من خلالها المزيج من الإغراء والذعر. لم تدم العلاقة طويلا. وفي تشرين الاول (اكتوبر) 1914، دخل كلية الطب تلبية لطلب أبويه، وها هو يغير، في سجل الكلية، تاريخ ميلاده من 19 شباط الى 18 شباط، وهو تاريخ ولادة ابنة خالته. وسيكون لهذا التغيير الناجم أولا عن تجربة حب فاشلة، من برج الحوت إلى برج الدلو دلالة تنجيمية يتغذى منها فكر أندريه بروتون برمته.

كان الشارع الفرنسي منشغلا بأخبار اندلاع الحرب العالمية الاولى وخصوصا بانعدام الأمل في السلام بعد مقتل الاشتراكي جان جورس. وقد كتب بروتون إلى صديقه تيودور فرانكل، رسالة يفصح فيها عن امتعاضه من المشاعر الشوفينية والحماسات الهستيرية لدى الناس. والغريب انه في هذه الفترة بالذات، حصل على الطبعة الكاملة لأعمال رامبو التي تضمنت رسائل لم يحبذ احد آنذاك قراءتها، خصوصا تلك الموجهة الى جورج ازامبارد في الخامس والعشرين من آب (اغسطس )1870 يحذر فيها من يقظة العسكر: “وطني ينهض افضل ان اراه جالسا: لا تهيجوا الجزم. هذا هو مبدئي”. تمنى بروتون أن يُعفى من الخدمة العسكرية. لكن هيهات، فالفحص الطبي أكد انه صالحٌ،

بروتون مع تروتسكي والفنان المكسيكس ديغو رفيرا

وعليه أن يسجل، للخدمة العسكرية، فتم ارساله في الخامس والعشرين من شباط 1915 الى مدينة “بونتيف” في “بريتاين” لاتمام التدريبات اللازمة، وبعد خمسة اشهر أرسِلَ الى مدينة “نانت” كممرض في مستشفى البلدية. ومع هذا كان بروتون طوال فترة الحرب يتغذى بأفضل ما كان ينتجه شباب جيله امثال “مارسيل دوشان” هذا الفنان الذي عبر عن اشمئزازه من الفن، مفضلا لعب الشطرنج، وهو صاحب نظرية جديدة تقول ان كل ما يجده المرء من أغرض مرمية (ready made ) يمكن لها ان ترقى الى مستوى الفن وفقا لارادة الفنان. وبالفعل فان العمل الذي عرضه دوشان في معرض المستقلين سنة 1917 في نيويورك، كان “مبولة” وجدها في الشارع وحتى يجعل منها تحفة فنية خالدة، كتب فقط على أحد جوانبها بالحبر الصيني: “نافورة”، وهكذا دخلت متحف نيويورك كواحدة من أعظم أعمال الحركة الدادائية! وثمة شهاب آخر مر في سماء الاحتجاج على العقلانية المتوجة بأبشع حرب عالمية: “آرتور كرافان ‘الذي كان يعتبر نفسه “جنديا فارا من سبعة عشر بلدا”، غير اسمه مرات، وادعى انه الابن الشرعي لاوسكار وايلد! وذات يوم عبر الخليج المكسيكي فاختفى، لا يعرف احد إن مات غرقا، أو غير هويته واسمه ومهنته، وبات إنسانا آخر لا علاقة له البتة بكل هذه الأسطورة التي خلدته كأب أول للحركة الدادائية، صاحب مجلة صغيرة مطبوعة على ورق لف اللحم، غير منتظمة الصدور، كان يكتب كل موادها، صدر منها ستة أعداد فحسب، عنوانها: “الآن”! يقال أن تروتسكي التقى به في سفينة.

كان اندريه بروتون يجتاز التجارب الشعرية والفنية الجديدة التي شهدتها فرنسا منذ اندلاع الحرب العالمية الاولى، مع تتبع اخبار المجموعات الفوضوية ويستلهمها، خصوصا مجموعة “بونيه” التي كانت تهاجم مراكز الشرطة والمصارف. كما كان يواصل مراسلاته مع شعراء الحداثة آنذاك كفاليري وابوليتير مستفيدا من ملاحظاتهم النقدية ازاء ما ينشره من قصائد ما تزال تعكس تأثيراتهم وتأثيرات ماليرميه ورامبو. الا انها قصائد واعدة تنم عن اسلوب مشغول بليغ لا يقبل السهولة. لكن الشيء الغائر في اعماقه كان يحتاج الى من يبرزه الى العيان. واذا بنظره يقع، اثناء احدى استطلاعاته داخل ردهات المستشفى، في مدينة نانت، اواخر شباط 1916، على شاب ادخل للمعالجة، له شعر اصهب، غريب الاطوار يعاكس الممرضات باحاديث غريبة ويرسم نفسه على بطاقات واقفا وخلفه جثثت الحرب وكأنه متكئ على بار. اللقاء بهذا الشاب سيغير حياة اندريه بروتون: انه جاك فاشيه الدادائي قبل الدادائية، المغرم بالملابس بحيث كان يتجول مرتديا زي ضباط في الخيالة، او زي طيار او طبيب. وان التقاك، فانه يتابع طريقه كأنه لا يعرفك ابدا لا يمد يده للمصافحة ولا يقول عمت صباحا او عمت مساء يكره رامبو بل يشك حتى في وجوده. معجب بالفريد جاري، ويكاد يجهل ابولينير ولم تعجبه مسرحية ابولينير: “ثديا تيرزياز”، اذ ما ان انتهى فصلها الاول الذي اثارت قرفه، حتى سحب مسدسا وهو بزي انكليزي وهدد المشاهدين باطلاق النار عليهم. كانت له صديقة، وعندما يأتيه زائر يطلب منها ان تجلس في الزاوية صامتة لساعات، وعندما تدق الخامسة بعد الظهر تقوم وتقدم لهما الشاي فيشكرها بقبلة على احدى يديها. انه “سيد فن التقليل من اهمية كل شيء”. لم يترك عملا ادبيا واحدا، اذ كل ما تركه من “تراث يذكر” هو 15 رسالة صغيرة، نشرها اندريه بروتون سنة 1919، مع مقدمة تحت عنوان “رسائل

بريشة اندريه ماسون

الحرب”. وجدوه مع جندي آخر ميتا من معاقرة الافيون، في غرفة فندق، عن عمر يناهز الثالثة والعشرين. كان لخبر انتحاره الغامض الى اليوم، وقع الصاعقة على اندريه بروتون، خصوصا انه جاء بوقت قليل بعد موت أيولينير. اكتشف بروتون من خلال احتقار فاشيه لكل ما يمت بصلة الى عالم الفن والكتابة، بأن كل هؤلاء الشعراء الذين كان يعقد عليهم امالا ليسوا سوى رجال ادب همهم ابقاء اللعبة الادبية مستمرة، بل تراءت لبروتون من خلال معاشرته فاشيه، امكانية وجود شعر بلا قصائد. وقد كتب بروتون ذات مرة: “لو لقائي بجاك فاشيه، لكنت الآن مجرد شاعر”!

اصدر بروتون سنة 1919 مجموعته الشعرية الاولى تحت عنوان: “محل الرهونات” وكأنه يسدد ديونا ادبية للشعراء الذين تأثر بهم وتتجلى فيها بكل وضوح تأثيرات رامبو وريفيردي وابولينير، كما اعتمد تقنية جديدة هي مونتاج فقرات مقتطفة من هذه الجريدة او تلك المجلة بعد تحويرها. ولئن تفصح المجموعة عن محاولات تجديد يتجلى فيها رفضه المبكر للمقاييس الادبية السائدة، فان بروتون كان غير راض عما يكتبه، اذ ثمة شيء ناقص لم يع آنذاك ما هو. ما هي الحدود الفاصلة بين الشعر والحياة؟ ما جدوى الكتابة؟ فالمسألة ليست كيف تكتب، وانما كيف تحيا، ولماذا تحيا الخ.

وذات مساء، وهو على وشك ان ينام، سمع بكل وضوح جملة بدت له ملحاحة، كانت “تقرع زجاج نافذته”، وما ان حاول تدوينها حتى لم يعد يتذكرها بالضبط، شيء من هذا القبيل تقريبا: “ثمة رجل تشطره النافذة الى نصفين”، لكنها لا تحتمل اي لبس، اذ كان يرافقها تخيل بصري طفيف لرجل يسير وقد قطعته في النقطة الوسط نافذة تعامد محور جسمه. وما من شك ان الامر كان يتعلق برجل يطل من نافذته.. فادرك بروتون انه يتعامل مع صورة من النوع النادر، ولم يخطر له سوى ادخالها في صلب بنائه الشعري. وبينما كان مشغولا بفرويد وقد ألف طرق فحصه التي يطبقها على بعض المرضى، فقد صمم على ان يحصل من نفسه ما كان يحاول الحصول عليه منهم، اي على مونولوغ منطوق بأسرع ما يمكن من دون اي تدخل من جانب الحواس النقدية، وبالتالي مونولوغ غير متلبك بأدنى الطموحات، واقرب الى التفكير الشفهي وقد بدا له ان سرعة التفكير لا تفوق بكثير سرعة الكلام وانها لا تتحدى اللغة حتما ولا حتى القلم الذي يجري بها.

اطلع بروتون فيليب سوبو على النتائج الاولية واخذا يسودان الورق وهما في ازدراء محبب لما قد يسبب هذا في نظام الأدب. وبتعليقهما العالم الخارجي، ارادا ان يعيدا، طوعا، داخل ذواتهما الحالة التي كانت تتشكل فيها هذه الجمل المشبعة بالالغاز، وقد تواردت عليهما على هذا النحو طوال شهرين، تتزايد اعدادها وتتلاحق دونما فاصل زمني وليست “الحقول المغناطيسية” التي صدرت في ايلول (سبتمبر )1920، سوى التطبيق الاول لهذا الاكتشاف (اكتشاف وليس ابتكارا) اذ يمكن العثور على ما يحمل سمات الكتابة الاوتوماتيكية لدى كتاب الماضي من افلاطون حتى كنوت هامسن، لكن بسبب انانيتهم الطامحة الى ثواب رسمي، اتخذوها مجرد وسيلة للصناعة الادبية، بينما السوريالية اعتبرت الكتابة الاوتوماتيكية، التي كشفت عن نفسها للمرة الاولى عبر هذه “الحقول”، صيغة عليا يكشف بها الانسان سره وسر الكون.

الكتابة الاوتوماتيكية تفقد فاعليتها ما ان تستعمل لخدمة أهداف ادبية. لم يتأخر بروتون عن منح الكتابة الاوتوماتيكية اهمية فكرية كبرى اكثر من اعتبارها مجرد مواد للكتابة

غلاف احد دواوينه صممه مارسيل دوشان

الشعرية. وليس اعتباطا ان تكون في صلب التعريف الذي وضعه بروتون سنة 1924 للسوريالية: “اسم مؤنث، وهي الآلية النفسية المحض التي يريد المرء عن طريقها التعبير شفويا أو كتابيا أو بأية طريقة اخرى عن وظيفة الفكر الحقيقية. وهي ما يعلي الفكر بعيدا عن أية رقابة يمارسها العقل وبعيدا عن أي اهتمام جمالي أو اخلاقي”.

وبالاشتراك مع فيليب سوبو ولوي اراغون، اصدر بروتون (آذار /مارس 1919 )مجلة جديدة عنوانها: “أدب” لا لتدل على تهكم من مفهوم الأدب كله فحسب، بل لاستنطاق كل الاشكال المؤدية الى مضمون تحرري من ربقة الانانية الادبية. وعند وصول تريستان تزارا اثر دعوة بروتون اياه الى باريس فتحت المجلة صدرها لبيانات تزارا، بحيث اصبحت منبرا للعصيان الدادائي في فرنسا. كانت هذه المجلة المنطوية على بذرة السوريالية، أول من اجرى الاستفتاء الساري المفعول حتى اليوم: “لماذا تكتبون؟”. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الكتابة في نظر بروتون لم تكن سوى طريقة أخرى للتواصل الإنساني، ولخلق التواصل مع الآخر يجب أن يكون هناك معنى؛ قضية وجوهرا في الكتابة. فمن الخطأ إذا، أن نسأل ما الذي يميز بروتون عن بقية رفقائه السورياليين. ففي نظر بروتون لكل إنسان تعبيره وبالتالي إضافته. لم يقبل أحدا في الحركة السوريالية ما لم يكن له شيء، حتى لو كان جد صغير، يضيفه.

سرعان ما اكتشف بروتون ان ليس من جديد في كل هذا التمرد النفيوي الدادائي، اذ سبق ان عاصر نفيا للفن كهذا قبل ظهور الدادائية، عند جاك فاشيه الذي كتب: “الفن حماقة”. ذلك ان بروتون اراد من كل هذا الوعي المضاد لمسيرة العقلانية في التاريخ، ان يكون تمرد ذكاء قادر على تخليص العقل من محدوديته وجعله مفتاح الحريات كلها. فها هو يمهد، في مقالته عن لوتريامون المنشورة في “المجلة الفرنسية الجديدة” (حزيران /يونيو 1920 )، انفصاله عن الدادائية بالعبارة التالية: “والآن ندري ان الشعر من شأنه ان يفضي الى مكان ما”. كما ان المشكلة في نظر بروتون، لا تكمن في الفن وانما في صلب الذين يوجهونه، وما على الدادائية الا ان تحاكمهم بدلا من ان تواصل التهريج والمشهدية. لذا طالب بروتون بمحاكمة موريس باريز الذي كان في شبابه كاتبا ذا طموحات مثالية ومخيلة رائعة، لكنه وضع الآن كل مواهبه من اجل خدمة شوفينية للارض والموتى والوطن، اي في خدمة كل ما كانت ترفضه مجموعة “أدب”. واثناء المحكمة اندلعت مساجلة حادة بين تزارا وبروتون اثارت حربا بينهما. لكن بروتون اقترح عقد “مؤتمر دولي لتحديد ايعازات الفكر الحديث والدفاع عنه”. فامتنع تزارا عن الحضور. فلم يكن امام بروتون سوى ان يهجر “دادا”مع عدد من رفاقه. فكفت مجلة “أدب” ان تكون منبرا دادائيا، من سنة 1922 وحتى

الصفحة الرئيسية من جريدة الفوضويين الفرنسيين

احتجابها سنة 1924، مركزة اهتمامها على مواضيع التجريب الشعري بكل الوسائل: الكتابة الآلية، سرد الاحلام، نصوص يتم الحصول عليها بواسطة التنويم المغناطيسي. ولئن كانت مقومات السوريالية آخذة في الظهور، فان ترددا كان يمنعها من اعلان نفسها. وخلال هذه الفترة الحرجة من تاريخ السوريالية، ازداد اهتمام بروتون بكتابة الشعر، بأصدار مجموعته الثانية: “ضوء الأرض”. ثم الحقها بكتاب يضم مقالاته النقدية عنوانه: “الخطى الضائعة”، وما ان حل خريف 1924، حتى صدر “بيان السوريالية الأول”، دفاعا عن المخيلة وطاقة الحلم والايمان بهما، ويعتبر هذا البيان أوج الاحتفال بجوهر الانسان: الحرية التي لها لون الانسان. وفي غضون أشهر، الحقه بقصائد نثر: “الاسماك القابلة للذوبان” (انقر هنا لقراءة قصائد نثر لبروتون)، وفي كانون الاول (ديسمبر )صدر العدد الاول من مجلة  “الثورة السوريالية” التي جاء على غلافها هذا النداء: “من اجل صياغة اعلان جديد لحقوق الانسان”. وفي العام نفسه اصدر اراغون كتابه التتويجي ‘لجة من الاحلام ‘. كما اصدروا كراسا صغيرا بعنوان ‘جثة ‘ضد اناتول فرانس، وحتى تكتمل معالم الحركة السوريالية تم انشاء مكتب للابحاث السوريالية واصدار بيانهم الشهير: “تصريح 27 كانون الثاني (يناير )1925″، جاء فيه: “ليست لنا علاقة بالأدب. لكننا جد متمكنين من استعماله كأي شخص آخر… السوريالية ليست وسيلة تعبير جديدة، ولا هي الأسهل، ولا هي حتى ميتافيزيك الشعر. انها وسيلة تحرر الروح الشامل، وكل ما يشابه هذه الروح… اننا مصممون على القيام بثورة”. وفعلا، ما ان اعلن عبدالكريم الخطابي حربه على الاستعمار الفرنسي للمغرب (منتصف عام 1925 )، حتى اصدر السورياليون بيانهم الشهير: “الثورة أولا ودائما” معلنين فيه مساندتهم الكاملة لتمرد الريف المغربي من اجل حريته وحقوقه العادلة. في الحقيقة ان ثورة عبدالكريم الخطابي اوجدت فرصة لتكاتف قوى المخيلة وقوى الخبز. فها هي الحركة السوريالية تعمل مع قوى اليسار الاجتماعي. غير ان الذي ضاعف من رغبة بروتون بربط بحث السوريالية “المثالي”، في نظر البعض، بالبحث الاجتماعي، هو كتاب تروتسكي عن “لينين”. اذ بفضل هذا الكتاب، ادرك بروتون ان المخيلة لا تستطيع الحصول على كل حقوقها الا من خلال نشاط اجتماعي ثوري بالمعنى الذي وضعه تروتسكي فجاءت مقالته عن الكتاب تمجيدية راسما فيها الشيوعية “الاداة المدهشة لتبديل عالم بآخر”. انضم بروتون الى الحزب الشيوعي، لكنه سرعان ما تركه مشمئزا من سوء نوايا الشيوعيين ازاء عملية الخلق، وقد أوضح اسباب خروجه في كراس عنوانه “الدفاع المشروع” مؤكدا فيه ان جميع السورياليين يريدون انتقال السلطة من ايدي البورجوازية الى ايدي البروليتاريا. لكنهم حاليا يرون انه من الضروري ان تستمر تجارب الروح الداخلية من دون رقابة خارجية، ماركسية أو غير ماركسية. كما ان اخبار المعارضة التروتسكية داخل الشيوعية العالمية، ساهمت في تصعيد الانشقاق بين هذه “الشيوعية” ذات الوجه الستاليني، وبين الحركة السوريالية التي ستكتسب من خلال دفاعها عن تروتسكي “شرعية ماركسية”. غير ان هذا البحث عن توحيد شعار رامبو: “تغيير الحياة” بشعار ماركس: “تغيير العالم”، لن يمر من دون انشقاقات داخل السوريالية. لذا اصدر بروتون “بيان السوريالية الثاني” واضعا فيه النقاط على حروف النشاط السوريالي الذي يكمن محركه الاساسي في الامل بتحديد نقطة معينة للفكر حيث تكف التناقضات كتناقضات، والذين اختلفوا مع بروتون كديزنوس وجاك بارون وبريفيرو جورج بتاي اصدروا نشرة من الحجم الكبير ضد بروتون بعنوان “جثة”، لكن بروتون اكتفى برد صغير نشر في خاتمة “البيان الثاني” في صورة عمودين متقابلين، مبينا عدم صدقيتهم: الأول تحت عنوان “قبل” وردت فيه فقرات مدح لبروتون من كتاباتهم القديمة، والعمود الثاني تحت عنوان “بعد” ضم فقرات هجاء مأخوذة من نشرتهم هذه. اما الاخرون كلوي اراغون وبول ايلوار وبنجاما بيريه ورونيه كريفيل، وحتى تريستان تزارا، وعناصر جديدة كسلفادور دالي ورينيه شار ولوي بونويل، فانهم ايدوا ما جاء في “البيان الثاني”، واصدروا مع بروتون مجلة جديدة عنوانها “السوريالية في خدمة الثورة”. هكذا كان على السوريالية ان تدشن ثلاثينات هذا القرن بمجابهة ثورية واضحة مع كل مظاهر القمع… لكنها مجابهة لم تتم على حساب تجارب الحياة الداخلية. ان فترة الثلاثينات تمثل اكثر فترات بروتون ابداعا فقد أصدر عام 1932 مجموعته الشعرية الثالثة: “مسدس ذو شعر أبيض”، ثم الحقها في العام نفسه بكتاب تأملي يهدف الى الربط بين الماركسية والفرويدية :’الاواني المستطرقة ‘. وفي عام 1937، اصدر” “الحب المجنون” الذي يعتبر التوسيع النظري لتلك النقطة المعينة للفكر المذكورة في “البيان

في بيته متحف الحاسة التشكيلية عبر نضالها

الثاني” والتي سماها هنا بالنقطة العليا. وفي هذا الكتاب ثمة ابتعاد في الاسلوب عن “نادجا”، اذ تختلط هنا عناصر السرد المعتمدة على تجارب حياتية عاشها بروتون ما بين 1934 و1936، بلغة التأمل النظري، ان كتاب “الحب المجنون” يعتبر اعظم نشيد احتفالي بـ”الحليف الاكبر للانسان في معركته مع القدر البشري”: الحب، حيث المرأة االمحبوبة أشبه بالوسيط تجترح للرجل الدرب المؤدي الى علاقة محظوظة مع عالم تمجده وتكسبه روعة وجمالا وثمة عملان جماعيان الاول مع بول ايلوار: “الحبل بلا دنس”، والثاني مجموعة قصائد اشترك في كتابتها مع ايلوار ورينيه شار، وعنوانها: “تمهل، الطريق تحت التعمير”. كما اصدر “الموقف السياسي للسوريالية”. وأشرف على تنظيم ثلاثة معارض سوريالية عالمية في باريس وبراغ ولندن. واشترك مع جورج بتاي في تكوين: ‘الهجوم المضاد ‘لمواجهة المخاطر اليمينية والفاشية والستالينية معا. فبروتون يعتبر من أول منيطي اللثام عن الحقيقة البشعة لـ”محاكم موسكو”، على ان فترة النضال والتحليل السوريالي لظروف ما بين الحربين هذه، توجت بالبيان المشترك الذي كتبه بروتون مع تروتسكي: “نحو فن حر ومستقل”. اندلاع الحرب العالمية الثانية، سيعرقل موقتا، نشاط الحركة السوريالية، فلم يكن امام بروتون سوى الذهاب الى الولايات المتحدة ليتابع النشاط هناك. فأصدر مع دوشان مجلة، ومن ثم نشر “تمهيدات أولى نحو بيان ثالث”. وفي قمة وحدته بعد ان تركته زوجته جاكلين لومبار، التقى اليزا فتزوجها، وثمرة هذا اللقاء كان كتابه الشهير “اركانوم 17” وهو رقم الكارت في لعبة التارو، ثم يعود الى باريس لينظم معرضا سورياليا عالميا تحت شعار ‘السوريالية عام 1947 ‘ويعيد تنظيم المجموعة السوريالية مع شباب جدد. غير ان ظروف ما بعد الحرب تميزت بالتشاؤم، ولم تعد ملائمة للغة التفاؤل الثوري الذي بقي بروتون مؤمنا به. فأصدر مع جان شوستر وآخرين عددا من المجلات كـ”ميديوم”، “السوريالية ذاتها” و’لابريش” وبيانات تندد بالغزو السوفياتي للمجر والاستعمار الفرنسي للجزائر.

توفي اندريه بروتون في الثامن والعشرين من ايلول (سبتمبر )1966. ودفن في مقبرة باتنيول. أراد السورياليون نقل جثمانه في سيارة نقل الاثاث لتحقيق أمنيته المذكورة في البيان الأول. الا ان الامر كان صعبا جدا، لذا تولت الصدفة الموضوعية أمر تحقيق هذه الامنية على الشكل التالي: ما ان وصل جثمانه مقبرة باتنيول، حتى وجد المشيعون سيارة لنقل الاثاث واقفة عند مدخلها!

لم يُضح اندريه بروتون باليقظة في سبيل العلم، بل عمد الى اذابتهما في مركب جسدي حي، على حد عبارة ميشيل كاروج وهو جعل من التراث السوريالي ذخرا بشريا لا ينضب. وذلك باعطاء الحركة السوريالية مصيرا أشبه بمصير مال توزع على عدة ورثة بحيث عمد كل منهم الى التصرف بحصته تبعا لهواه، ولأنه عاش من دون تنازل

المجلة التي كان يشرف عليها: “السوريالية، عينُها”

لمغريات عالم تتبوأه الشراهة والكذب والاعجاب بالذات. عالم تنعدم فيه ابسط مبادئ النزاهة الفكرية والحياتية على السواء. يكمن في صلب رؤية بروتون الشعرية الرفض القاطع لكل تواطؤ مهما كانت الجائزة أو الشهرة الجماهيرية الذي يوفرها هذا التواطؤ للمتواطئ. فبروتون لم يسع أبدا لا إلى اعتراف الوسط الأدبي به كشاعر، ولا الى نيل جوائز المؤسسات ولا أن يكون له جمهور مخدّر بعقاقير الأسماء. فالشعر، في نظره، ليس حسابات وقصدية بقدر ما هو عين عفوية الإنسان الملازمة، يحركها منطق داخلي صارم تتجلى صورا شعرية ليس العقل هو الذي يرتكبها بقدر ما تفضي هذه الصور بالعقل إلى قبولها وبالتالي تحريره من العقلنة المفروضة عليه. من خلال هذا الالحاح الأخلاقي والجمالي الذي كان يجسده بروتون، اصبحت السوريالة اعلى مراحل الأدب وفي الوقت ذاته هي الرفض المطلق لكل ما هو “أدبي”.
 بروتون بهذا المعنى التغييري انطوى على ايمان لم يتزعزع برهة، باعظم حاسة تساعد الانسان على استرداد طاقاته المسلوبة: حاسة الشعر، فالشعر، في معناه السوريالي (والكلام هنا لجان لوي بدوان )، لا يبعدنا عن الواقع، والشعر يحتم علينا رؤية الاشياء كما هي ليشحذ عزيمتنا على تغييرها وتحويلها الى ما هو أفضل. فهو اذن تمرد وقانون :تمرد مطلق وقانون أعلى. يرفض فوضى الاوضاع وحتميتها المزعومة، ويدعو الى العمل من اجل احلال الحرية التي هي ضد الفوضى والتفسخ الخلقي والعنف.

 

عبدالقادر الجنابي

هنا نص مساهمتي في استفتاء جريدة “القدس العربي” حول الشاعر الراحل محمد الماغوط. وصيغة الاستفتاء التي وضعها محرر القدس العربي الثقافي، هي: قبل نحو عشرة أيام توفي الماغوط، أحد أهم رواد القصيدة العربية الجديدة التي تسمي قصيدة النثر ، وقد كُتب الكثير في وداع الشاعر والمسرحي السوري الذي رافق أبرز منعطفات الحياة السياسية والثقافية العربية كتابة وتعليقا، غلب عليهما، بالطبع، الاحتجاج والنقد علي الحال العربية. نتوقف في ما نأمل، أمام منجز الماغوط الابداعي علي نحو أكثر شمولاً وعمقاً، بحيث لا تطغي ذكري المناسبة الحزينة علي قراءة منجزه، والرثاء علي التأمل المتبصر. شعراء ونقاد عرب من بلدان وأجيال لاحقة علي الماغوط تلقي، هنا، نظرة متفحصة علي نتاجه.” وقد تم نشر الأجوبة كلها اليوم السبت 15 نيسان 2006:

الماغوط فقيد فوضى المصطلح

كلما أعود إلى شعر الماغوط، تتأكد لي هذه الملاحظة التي أريدها أن تكون خلاصة مساهمتي في هذا الملف عن شاعر أصيل محترم لنقائه وطفولته الشعريتين: لم يكتب محمد الماغوط أشعاره وفق مصطلح “قصيدة النثر” الذي لم يتم طرحه إلا بعد عام على ظهور “حزن في ضوء القمر”، وسنوات على معظم قصائده التي وفقا لسنية صالح أنها كانت مكتوبة كلها في شتاء 1956 وبقيت “مخبأة في الأدراج”… مصطلح أطلق عشوائيا على محاولات كانت تريد إحداث ثورة إيقاعية داخل شعر التفعيلة (صايغ، الماغوط، جبرا).. ناهيك بأن أدونيس الذي اطلق المصطلح انتظر عرضا نقديا لأطروحة دكتوراه لطالبة فرنسية اسمها سوزان برنار في أسبوعية لويس أراغون “الأخبار الأدبية”، حتى يدرك أن هناك شعرا أسمه قصيدة نثر، جاهلا أن ثمة قرنا من النتاج الغزير لهذا الجنس الأدبي غير المشطّر… والأنكى أن مجلة “شعر” لم تبادر أبدا بنشر ملف يشرح قصيدة النثر الفرنسية نموذجا وتنظيرا، لكي يطلع الشاعر العربي الجديد على آفاق شعرية لم يعهدها من قبل.
في نظري أن الماغوط القارئ النهم، الذي عاين عن كثب لغة الواقع البوهيمية بكل تشردها ومتاهتها في شوارع العيش الخلفية، مأخوذا بتدفق الصور وتدفق المعاني بأوزانها الخاصة، دون أن يستذكر العروض والتفعيلات أو يلبي التزاماتها.. كان يكتب شعرا حرا وليس قصيدة نثر. كما أن أي مقطع من شعر الماغوط، حتى الذي نشر بعد ظهور مصطلح قصيدة النثر، يدلل على أنه مكتوب من داخل إطار التفعيلة لكن على نحو طلق وحر:

“لأجلكَ أيّها الطائش
أيّها الرخيمُ كالعصفور
أمسك الملعقة من ذيلها
أمرِّرُها بين نهديّ كالزنبقة
منذ شهور وهو راقد بجوارنا
متلألئا كالسّيف تحت المياه
يكتب ويدخن ويبكي
ولا ينظر إلينا”

 “غرفة بملايين الجدران” ص 121 (1)

أبيات مصدرها أوزان عربية وفق جوازات شعر التفعيلة، وهذا ما لانراه لا في شعر شوقي أبو شقرا، ولا في شعر أنسي الحاج الذي كان واعيا للمصطلح، ربما ليس على مستوى النموذج الفرنسي، إلا في عدد صغير من القصائد… لكن بالتأكيد على صعيد البيت – الجملة حيث الوقفة / التقطيع أشبه ببداية فقرة جديدة في عمل نثري طويل مقطع إلى فقرات. ومما يؤسف له أن معظم شعراء الشعر الحر اللاحر (قصيدة النثر العربية) وجد أسلوب التشطير كمحاولة توفيقية مع التراث.
الشعر الحر مشتق من المصطلح الفرنسي Vers Libre “الشعر (والمقصود النظم) الحر”، الذي وضعه شاعر الرمزية غوستاف كان عام 1886 أي بعد مرور مايقارب ثلاثين عاما على ظهور قصيدة النثر الفرنسية… ويرتكز على وحدات مقطعية syllabes دون الالتزام بعدد ثابت لها. أي الانتقال من التفعيلة الثابتة إلى الإيقاع النبري المنفتح. وشعر التفعيلة العربي لايختلف كثيرا عن المبدأ فمرتكزه الوزني هو أيضا وحدة التفعيلة دون الالتزام بعدد ثابت من التفعيلات (2). على أن ما حصل من تطور أساسي للشعر الحر الفرنسي خلصته نهائيا مع ظهور السوريالية، من وحدة التفعيلة. الشيء نفسه حصلَ عندنا لكنه لم يؤخذ كتكملة لشعر التفعيلة، ولا كتطور منطقي للإيقاع الموسيقي يمليه روح العصر… وما ديوان “ثلاثون قصيدة” (انظر أنه لم يلحقها بـ”نثر”) لتوفيق صايغ، المطلع على تطورات الشعر الحر الأمريكي، سوى علامة من علامات هذا التطور (أُجهِضَ في مهده) الذي كان يجب أن يُفهم على هذا النحو وليس على النحو الخاطئ الذي حد من ديناميكة مشروع الشعر الحر وحجب كل الآفاق التي كانت ممكن احتضانها كما حصل في العالم، وبالتالي شوّه حقيقة قصيدة النثر على أنها تصد لشعر التفعيلة، وليس كجنس أدبي مستقل. وتجدر الملاحظة هنا إلى أن توفيق صايغ كان واعيا إلى أن شعره ليس قصيدة نثر وإنما شعر حر، وذلك بمحاولته التمييز بين ما سمي خطأ قصيدة النثر العربية كتمرد على شعراء التفعيلة، وبين قصيدة النثر الحقيقية كنمط أدبي جديد، فنشر في مجلته “حوار” عددا من النصوص الشعرية (لتيريز عواد، أسعد عاصي، يوسف غصوب الخ وهي أقرب النماذج الشعرية المكتوبة بالعربية آنذاك إلى نموذج قصيدة النثر الأوروبية)، تحت عنوان “شعر بالنثر” وهي ترجمة للمصطلح الأمريكي: Poetry in Prose الذي بدأ بالانتشار في أمريكا اعتبارا من منتصف خمسينات القرن العشرين ويطلق على نتاج قصيدة النثر الأمريكية.
كما أن الأعمدة الثلاثة لقصيدة النثر الحقيقية (إيجاز/ توتر/ جُزاف)، فقلما تتجلى في شعر الماغوط… ذلك أن الماغوط في قصائد كثيرة، يبقى يلهث دون توقف… بل ما إن يتجلى التوتر في شعره حتى يضيع في اللوذعية والضحك والسخرية الواقعية من العالم. وهذا بسبب ميله إلى مسرح شعري عابث ينطوي على خطة ملفقة في ذهن المؤلف… وهذا تهديم للعمود الثالث “جزاف” أي أن تكون مادة القصيدة حادث لا معنى له ولا غرضية شخصية.
باختصار: محمد الماغوط شاعر بكل ما تحمله هذه الصفة من تأويلات، إمكانيات وأضغاث أحلام… فمكانه ساطع في شمس الشعر الحر التي حجبها شعراء التفعيلة ورهط من جهلة النقاد.

1- انظر اطروحة جان كرمة عن قصيدة النثر العربية، باريس 1981
2- إن اعتبار جبرا إبراهيم جبرا وعبد الواحد لؤلؤة أن “شعر الماغوط وصايغ وجبرا هو الشعر الحر، وليس شعر الملائكة او شعر التفعيلة”، اعتبار خاطئ، ذلك أن تسمية الشعر الحر في فرنسا لم يطلق، في مرحلته الأولى على تجارب شعرية خالية مشطرة من الوزن، وإنما على قصائد تحررت من العدد الثابت للمقاطع، التي يفرضها الوزن الكلاسيكي، لكن شرطك أن يبقى ضمن قوانين تفعيلة الوزن الاكلاسيكي. فقصائد فيرلين هي تحترم البناء الوزني الالكسندراني لكن على نحو متحرر في عدد المقاطع في البيت الواحد… وبقيت التسمية تطلق على كل ما هو مشطر بهذا المعنى أولا، ثم على كل ما هو مشطر وتقطيع لا علاقة له بالوزن الالكسندراني قطعا. وهذا ما نجده في اغلب الشعر المشطر السوريالي، والعالمي منذ الحرب العالمية الثانية، وفي اية لغة أوروبية. إذن وجهة نظري هي ان الملائكة لم تخطأ في اطلاق تسمية الشعر الحر على جل التثوير في تحرير البيت الشعري من الخليل إلى التفعيلة الحرة… لكنها خطأت هي وشعراء التفعيلة وكل نقادنا الجهلاء، بعدم اعتبار التطورات اللاحقة التي ستصيب الشعر المشطر اعتبارا من توفيق صايغ وحتى آخر قصيدة عربية حديثة مشطرة يكتبها اليوم ما يسمى شعراء قصيدة النثر…. تطورات لم تبق من قوانين التفعيلة أي شيء.

الماغوط فقيد فوضى المصطلح.

الإيقاع لروبرت كريلي 
ترجمة عبدالقادرالجنابي

الترجمة الإيقاعية هذه عن الأصل الانجليزي للقصيدة التي لخص فيها الشاعر الأمريكي روبرت كريلي نظريته في “الإيقاع”… مهداة إلى الشاعر الصديق سلطان القحطاني

كلـّهُ إيقاعُ مِنْ
مُنغلقِ البابِ،
الى مفتتح النافذةِ.
الفصولُ، القمرُ
وضياءُ الشّمس واليمُّ،
ونماءُ الأشياءْ

عقلُ البَشرْ
فَرديٌ،
يأتيهمُ
من جديدٍ
فاكرًا
النهايةَ
ليست بخاتمةٍ.

الزمنْ عائدٌ
بينما هم مَواتٌ
على أنَّ شخْصًا
سِواهم يجيءْ
إنْ أنا ميّتٌ في الردى
آيضًا في الحياةِ أنا أحتضرْ،
أحتضرْ..
ها بكاءُ النساءِ، يمتْنَ،
يعيش الفتى للكهولة قطْ.
يَيْبَسُ العشبُ والقوّةُ زائلهْ
غير أنّ لها عَوْدةً ثانيهْ
لا علاقةَ بيْ أبدًا…
هيَ أيْضًا تموتْ.

يُسقطُ الإيقاعُ منهُ
ألتواترْ
مُخضعًا لهْ
كلَّ شيءٍ
فمن السقفِ الى الأرضِ،
منَ الكوّة حتّى البابِ،
نورٌ مع كلّ انفتاحٍ
ظلمةٌ كلَّ انغلاقٍ

الإيقاع لروبرت كريلي.

تسيلان: لا أحد يشهد للشاهد

عبدالقادر الجنابي

تقديم وترجمة عبدالقادر الجنابي: شعر باول تسيلان الذي تنفسته اللغة الألمانية المعاصرة هواء طلقاً، جاء من بيت آخر لا يعترف به “أنا” هذه اللغة. وكلامه الذي “أوقفته سكين دفق الماء الطويلة”، على حد تعبير هنري ميشو، سيبقى بمثابة إشارة العصر الحديث التي تومئ بكل تواتر، إلى أن الشعر شهقة مرصودة للإنسان، نتلمسه في الكلمة، في المني في الخواطر حتى تخرس العبارات فينطق صمت رهيب يزيل النفس والكلام،. “الشعر: قد يدل هذا على انقلاب مفاجئ للنفس، استدرك الشاعر. ومادام “أن القلب قد ظل مختبئاً في العتمة صلبَ العود وكأنه حجر الفلاسفة”، عادت كل جملة شعرية مرآةً تعكس لنا محنة العقل العميقة.
باول تسيلان شاعر قلق الألفاظ بارانوئي الصورة، ذو حسية عيناء. لغتها، المتدفقة عبر الألم، تضيء فينا إلحاح القصيدة قلقاً وحرية في آن. شعره قد تمخّض عن التيهان البشري

اقرأ أيضا:

ورقة بلا شجرة بين بريشت وتسيلان

الخريف بين ريلكه وتسيلان

مقارنة بين ترجمتين لقصيدتين لباول تسيلان

في ردهات الجحيم النازي، ردهات الأنظمة التوتاليتارية من كل نوع. إن وجهة هذا الشعر هي وجهة كل شعر حق، لا تعرف. مادامت شروط الوجود البشري قد حكم عليه بأن يكون كلاماً موجهاً إلى لا أحد، إلى قارئ مستقبلاً، “قنينة مرمية في البحر، في عهدة أمل – لا شك، دوماً هش – أمل أن تـُلتقط ذات يوم، في مكان ما، ربما على شاطئ القلب”.
كل قصيدة من قصائد باول تسيلان بقدر ما هي ارتصاص تاريخي لمعنى الشعر – كاستقصاء للواقع وليس تزويقاً له – هي كذلك مرآة ارهاصات هذا المعنى، إذ يترنح من شدة صوابه. لقد قدر لها أن تُجبل من رمادٍ – طميّ غامض. إنها تضيء، متنافرة اللحمة، بِرَك السعادة السوداء، هامسة في آذان الموتى، عل ذاكرتهم تستيقظ، وها أن الرعب يُسرد بصمت صادق، فالشعر لم يعد فارض نفسه، إنه يعرّضها
LA POESEIE NE S IMPOSE PLUS ELLE S EXPOSE .
الشعر، بقول آخر، لم يعد كما كان قبل قيام الساعة النازية، ساعة الموت الجماعي، مجرد نشاط تجريبي يقوم به الشعراء لخلخلة اللغة وإعادة تضبيطها ضبطاً يتلاءم ومخطط الثورة، ظانين أنه بتطعيم النص بالعقلانية، يتم اصلاح العقل المنزوع من لدن الكلمة، المقذوفة صورته إلى أرض المعرفة، وكأنه – هذا العقل – هو إله الأولين وفكر الجميع. إن محنة طفقت تختلج بها شفةُ التاريخ، محنة بعد أن أدّت بالشاعر وجهةً سوداويةً صميمُها هدم التفاؤلية التي طال زمنها، استردت للشعر “لغتَه المُرْمدة حيث انهمامُها هو الدقة، لغة لا تبدل هيئة ما، ولا تـّشَعـْرِن، وإنما تسمي وتثبـّت، محاوِلةً قياس مجال المعطى والممكن” بحيث أضحت القصيدة المعاصرة كائناً بذاته، ومع أنه ملتاث التعبير ومختلج الوجدان، فإن هذا الكائن (القصيدة المعاصرة) فوران جوًاني يتراءى في جمل متقاطعة السلك، كإدانة للعقل وكتنفيد لكل ادعاءاته التنويرية، عبر العصور، بـ”إحلال الدفء على الأرض، فيتبرعم الموتى ويزهرون”.
إن حداثة القرن العشرين معظم آثارها الوجدانية تعكس هذا التحول النقدي وتـَمزّق هوية الشعر التقليدية. برزت الحداثة هذه في النصف الأول من هذا القرن، على شكل حركاتٍ تـَمازَجها في البدء شيءٌ من التفاؤلية الطليعية (كما في الحركة السوريالية) ثم مالت، انسجاماً وغائيتها الباطنية، إلى الإرتياب الكلـّي في تاريخها عينه، أي في مشروع معطياتها الأولى المترائية أولاً كفلسفة تنوير واعدة “بشر هذه الأرض” بجنـّات عدن، وها هو جليدُ وعدها تذيبُ حقيقتـَه كارثتان: الأولى إبادة جماعية (حربان عالميتان، معسكرات اعتقال وإلخ) والثانية إبادة الحسـّيـّة: مصنع ثقافة جماهيرية حيث ظاهره تسهيل المعرفة وتنوير الناس، وباطنه تجريد هؤلاء الناس من نزعتهم النقدية، شكـّهم الغريزي بنوايا أحزاب التحرر. والتكذيب هذا قد ترك بصماته في ذاكرة اللغة. فها إن القصيدة المعاصرة بوصفها “شكلاً من أشكال ترائي اللغة”، ينشب الاختناق أظافره في لحمها… ، حقا أن باول تسيلان يمكن اعتباره وسط أنوار العماء السياسي، شاعر “أبجدية الظلام”  على حد عنوان كتاب ايمي كولن عنه. 
يمثـّل الشعر، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة شعر باول تسيلان، حداً فاصلاً. بينما كان الشعر، ما قبل الحرب، رغم تعبيريته عن ذاتية نقدية، ثنائياً في علاقاته باللغة. وهكذا باتت رموزه الصورية تقليدية التطلع والمنحى، أسيرةً للغائية الاجتماعية المُجـَمـّدة في المشاريع الثورية. واعتباراً لهذا، تحولت القصيدة في الغرب، من لعب لفظي كأنها عبارة حلم متسعة بصورة اللاوعي الجماعي فضاق معناها، إلى كلمات منتقاه رصت وكأنها بنى اجتماعية تتواجه ومصيرها الغامض. فالأزمة هي في صميم اللغة. وأن أية معاينة اقتصادية، استقصائية بالضرورة لحقيقة هذه البنى، هي، قبل كل شيء، معاينة لغوية مقتصدة في مفرداتها اقتصاداً يثمر المعنى؛ فعـّالية الكلام الباطنة.

  

صورة 1: غلاف أول كتاب بالعربية عن باول تسيلان وشعره صدر في باريس عام 1988. ضم 21 قصيدة مع نصها الألماني وقصيدتين لهنري ميشو كتبهما بعد وفاة تسيلان.

فالقصيدة هي “المعادل الشعري للواقع السياسي”، كما صرح أحد النقاد. ومن هنا هي كـلـّية تكشف عن واقع مجتمع يعمل باطراد على طمس حقيقته المُعرّاة في لغة التواصل اليومية حيث يسمح لنا بالكلام، لكن علينا “أن نتكلم دون أن نفصل لا عن نعم”. فالحياة، وفقاً لبوصلة هذا المجتمع،”تعيش حيث تموت”. لا يمكن فصل الحاضر عن أحداث الماضي. الشاعر ليس بريئاً في علاقاته باللغة. فهو ينثر مفرداتها عراء الصفحة، ثم يفكك التركيبة الاجتماعية التي تركز عليها اللغة. وهو من خلال فعله الكتابي العامل على تشريب الصورة بالفكرة ومن ثم غربلة هذه الفكرة بغربال الوجدانية القلقة، يستنطق ذاكرة اللغة، فينجلي تاريخ الواقع كله وخاصة ماضي الشاعر الذي يحاول “اعطاء كلمات القبيلة معنى أنقى”، على حد تعبير مالارميه.
لقد استفاد تسيلان من منهج السوريالية الحلمي لكي يسترد بواسطته “المفقود” و”المنسي” اللذين تريد كوابيس التاريخ المعطى تمويهما وإعاقة أي بحث عن جوهرهما. فالحلمية السوريالية وسيلة تحرر من الغشاوة التي يؤصلها مبدأ الواقع القمعي. وحتى لا تعود هذه الطاقة الحلمية مجرد جمالية شعرية للإغواء، على الشاعر أن يطعـّمها بمجازات تجربته الشخصية ودلالاتها الكبرى، أي الغور في أبعد نقطة من تراثه الباطني تساؤلاً. وهذا عين ما قام به باول تسيلان عندما أطلق هذه الحلمية (النابعة من ذائقته الشعرية قبل كل شيء) في فضاء اشكاليات تراثه اليهودي خصوصاً الصوفي المنحى.
لعل السؤال اللجوج في ذاكرة اللغة: من أنا، ومن أنت، يفصح عن جواب يتخطى هذه الثنائية القاتلة. وبما أن تسيلان سوريالي النزعة وعلماني التفكير، فإنه توغل بين ثنايا الرمزية الدينية للصوفية اليهودية، بنحو جعله يحافظ على أن تكون كل قصيدة من قصائده استنارة دنيوية ملتصقة بمصير هذا العالم، لا اشراقة غيبية كما يظن بعض الدارسين. إذ أن ما يحمله شعر تسيلان من رجاء فهو بارقة أمل من أجل هذه الأرض التي نعيش عليها لا غير. ذلك أن شعر باول تسيلان قضيته واضحة، وصوره مستمدة من تاريخ البشر البربرية دينياً أولاً. وقد أوضح تسيلان مشروعه الشعري في إهداء نسخة من كتابه “وردة اللا أحد”، إلى مايكل هامبرغر، بأن شعره “لا يدخل قطعاً باب الشعر المستغلق”. وإذا وجدنا بعض اللاهوت في شعره، فإنه لاهوت سلبي، على حد عبارة هامبرغر. إذ أن الرب (السيّد كما في التراث المسيحي) في شعر تسيلان مدان على الدوام:

كان دماً، كان،
ما أهرقته، يا رب
كان يلمع.
ألقى صورتك في عيوننا، يا رب.
العينان والفم كم هي مفتوحة وفارغة، أبّها الرب.
شربنا، يا رب.
الدم والصورة التي كانت في الدم.
(“ظلمات”)

ولد باول تسيلان، من عائلة يهودية، في الثالث والعشرين من تشرين الثاني 1920 في مدينة جيزنزفيتش في مقاطعة بوكافين الرومانية، بعد أن حصل على شهادة البكالوريا، راح يدرس الطب في مدينة تور (فرنسا)، فتعرف فيها على السوريالية التي ستكون أحد مصادر شعريته المتعددة. عاد إلى جيزنوفيتش، في تموز 1939، ليتابع دروسه الرومانية، وكان في هذه الفترة يوقع كل ما ينشره من تراجم باسم PAUL ANTACHEL .
في حزيران 1940، ضم الاتحاد السوفيتي جزءاً كبيراً من مقاطعة بوكافين ومن بينها مدينة جيزنوفيتش. وقد سبب هذا الضم بالقوة، تحالفاً بين الرومانيين والألمان، فدخلت قواتها بعد عام وطردتا السوفييت. وبعد فترة وجيزة بدأت حملة اعتقالات واسعة في صفوف اليهود، فتم اعتقال والديه منتصف 1942، بينما استطاع تسيلان الفرار، لكنه سرعان ما ألقي القبض عليه، والتحقيق مع سجناء آخرين في وحدة الأشغال الشاقة اليهودية التي أنشأها النازيون لتعبيد الطرق في مولدافيا. وكان هذا عملاً جد قاس لا يحتمل، لكنه يبقى أفضل من معسكرات الاعتقال التي تم في احداها (قرب اوكرانيا) إعدام والده، وبعد أشهر، أمه، رمياً بالرصاص. (لم تكن علاقة تسيلان مع أبيه على ما يرام. كان يرفض أن يتبنى قناعات أبيه الصهيونية، بل كان يستهزئ منها. وقلما نجد إشارة إلى أبيه في قصائده كما إلى أمه التي نكاد نتحسسها في كل قصيدة من قصائده)عندما سمع تسيلان الشديد الارتباط بأمه النبأ، صدم صدمة وجدانية لن يشفى منها أبداً، بل سيُجبـَل شعرُه كلّه من موت أمه هذا، فها هو يهمس ألماً وبلغته المعهودة المترفعة عن كل ابتذال عاطفي*:

إنك لم تموتي
ميتة أرجوانية اللون

ولاحظ بعض النقاد أنه قد هجر القافية وكأنها الجريمة عينها. والقصائد المقفاه تعود إلى الفترة الأولى:

“أو تقدرين، يا أماه على أن تتحملي، كما في المنزل، سابقاً
القافية الخفيضة، الألمانية، الموجعة؟”.

بعد انتصار الجيش السوفيتي على الألمان، أطلق سراحه، فعاد إلى جيزنوفيتش التي احتلها السوفيت في نيسان 1944، وهي مدينته التي كان يسميها في إحدى قصائده “بلد ينابيع”. غير إن الينابيع هذه دُمِرت، والكلمة التي كانت في البدء، تمرغت في وحل جريمةٍ لم تبق للشاعر والقارئ من مهمة سوى “أن يغسلا جثة هذه الكلمة، إن يمشطا شعرها، أن يديرا عينها صوب السماء”.
حمل دفتر أشعاره وشد الرحال إلى بوخارست ليعمل مترجماً في دار نشر ويشارك في نشاطات السورياليين الرومانيين. كان يتقن الروسية والرومانية والألمانية والفرنسية معاً. أخذ ينشر بعض قصائده تحت اسم تسيلان CELAN الذي سيتبناه من الآن فصاعداً، وهو ترتيب جديد لحروف أسمه الحقيقي الذي كان يكتب بالرومانية على الشكل التالي: ANCEL . معظم كتابات الفترة الرومانية هذه، كانت واقعة تحت تأثير ريلكه وتراكل والسوريالية، شاعرية كانت لا تزال تبحث عن أسها المرتبط بتاريخ الكينونة وكينونة تاريخ لا يزال يشرب الدم حتى الثمالة. فها هو، بعد مضي سنتين ونصف تقريباً على بقائه في بوخارست، يبتعد عن كل ما يذكره برومانيا، صوب قلب الكلمة: اللغة الألمانية. يرحل إلى فيينا سنة 1947 فيلتقي بالرسام ادغار يينه ويشتركان مع ماكس هولزر في نشر السوريالية داخل الثقافة الألمانية، فقد ترجم نصوص وقصائد بروتون، بنجاما بيريه، جورج حنين، ايميه سيزار، إلخ، وكانت لب العدد الأول من “النشرة السوريالية” الذي صدر في بدء عام 1950.
أصدر مجموعة شعرية لكنه سرعان ما سحبها من السوق ودمرها، لأنها كانت تعج بالأخطاء المطبعية. يترك فيينا في تموز 1948 ليستقر نهائياً في باريس حيث تزوج، عام 1952، من الفنانة الفرنسية جيزيل ليترانج، التي أنجبت له طفلاً توفي في سنته الأولى، وآخر سمياه ايريك وهو اليوم لاعب سيرك يعيش في باريس ألتقي به من حين إلى آخر. وقد كتب تسيلان قصائد عديدة تترسم وحي أعمالها الفنية.  وما أكمل دروسه الأدبية، حتى اشتغل محاضراً للألمانية في “الأيكول نورمال سوبيرير” الواقعة في شارع أولم، وفيها اليوم المكتب المخصص لكل أعماله ويشرف عليه الصديق برتراند باديو الذي ترك كل اهتمامته الأدبية مكرسا حياته نهائيا لمشاغل الاشراف على أعمال باول تسيلان والدراسات المتعلقة به. وقد قال لي ذات مرة: “منذ أن أسندَت إلي هذه المهمة، شعرت أن امكانياتي الأدبية كلها انتهت إلى أن تكون جزءا من هذه المهمة”!

وطد باول تسيلان في باريس صداقات متينة مع شار، بونفرا، ميشو، جاك دوبان واندريه دو بوشيه وترجم الكثير من أعمالهم إلى الألمانية. ولئن كان تسيلان يحقق شهرة في ألمانيا كأكبر ظاهرة شعرية بعد الحرب، فإنه في فرنسا بقي شبه مجهول ابان حياته، ولم تهتم به سوى مجموعة مجلة L’ EPHEMERE (الزائل) التي كان يديرها جان ديف واندريه دو بوشيه في الستينات، حد أن العدد الأول من هذه المجلة افتتح: بنص “الهاجرة”، الكلمة التي ألقاها عند تسلمه جائزة بوخنر في الثاني والعشرين من تشرين الأول(أوكتوبر)1960. ويجب التنويه إلى أن تسيلان كان قد فاز سنة 1958، بجائزة بريمن، وألقي كلمة بهذه المناسبة. وهاتان الكلمتان تضيئان بعض الشيء من مشروعه الشعري. أقول بعض الشيء لأن باول تسيلان كان يكره التنظير، تحديد الشعر في تعريف أو موقف، فضلاً عن أن التنظير غالباً ما يعبر عن عقم شعري لا شفاء منه.

  صورة 2: باول تسيلان

هناك ترجمة انجليزية لمجموعة أعماله النثرية في جزء واحد جد صغير، إذ أن كل أعمال تسيلان النثرية لا تتعدى الستين صفحة، فهي تتكون من هاتين الكلمتين المذكورتين اعلاه، وثلاث أجوبة قصيرة على استفتاءات، ونصين نثريين، وتوطئتين جد قصيرتين عن ترجمته لماندلشتام وسيرج ايزنين، وكلمته التي ألقاها في اتحاد كتاب إسرائيل، ورسالة صغيرة إلى هانزبندر الذي وجه دعوة إلى تسيلان لكي يشترك في انطولوجيا كان يعدها تحت عنوان: “قصيدتي سكينتي” (صدرت سنة 1961)، وأخيراً “ضوء خلفي”، شذرات سوريالية مثل:”ادفن زهرة وضع على قبرها إنساناً” و “ها هو ذا الربيع: الأشجار تطير إلى طيورها”، و “كل حديث عن العدالة سيبقي لغواً، ما لم تتحطم أقوى البوارج على جبهة إنسان غريق”.. إلخ.
ذاك أن العمل الشعري، في نظر باول تسيلان، أشبه بالعمل اليدوي، إذ ما إن تنجز القصيدة، حتى يستغني عن الشاعر:”العمل اليدوي، كعمل نزيه ونظيف، هو شرط أولي لكل شعر.. والعمل اليدوي هو من شأن الأيدي. والأيدي هذه، من الناحية الأخرى، يمتلكها شخص واحد، أي نفس فريدة وفانية تبحث، بصوتها وبُـكمها، عن طريق. فقط الأيدي الحقيقية تكتب قصائد حقيقية. مبدئياً لا أرى أي فرق بين مصافحة وقصيدة.. القصائد هي أيضاً هدايا – هدايا إلى المنتبهين. هدايا تحمل مصائر
“( BRIEF AN HANS BENDER ).

صدرت لباول تسيلان إبان حياته ست مجموعات شعرية “خشخاش وذاكرة” MOHN UND GED?CHTNIS ( 1952)، “من عتبة إلى عتبة” VON SCHWELLE ZU SCHWELLE ( 1955)، “شبكية اللغة” SPRACHGITTER (1959)، “الـ وردة اللا أحد ” DIE NIEMANDSROSE (1963)، “انقلاب النفس” ATEMWENDE ( 1967)، “شموس خيطيـ “يه” FADENSONNEN (1968)، وثلاث مجموعات بعد موته “جبروت النور” LICHTZWANG (1970، “حصة الثلج” SCHNEEPART (1971)، “وعزبة الوقت” ZEITGEHOFT (1976).

تسيلان بريشة الفنان والشاعر اللبناني غازي يونس

كشف تسيلان منذ الأربعينات عن موهبة فذة في ميدان الترجمة، فكانت له ترجمات محط دراسات اليوم، لبعض سوناتات شكسبير، قصائد جون دن، روبرت فروست، سيرج ايزنين، فيرناندو بيسوا، أونغاريتي، ماريان مور، اميلي ديكنسون، رينيه شار بيكاسو، ومن العبرية دافيد روكاح، بل حتى قام بترجمة دراسات حول السينما، الأدب والرواية، وروايتين لجورج سيمنون. كما يعتبر باول تسيلان أول من قدم ماندلشتام إلى القارئ الألماني، وهذا الالتقاء الشعري بينهما جد طبيعي، إذ أن لغة ماندلشتام الروسية عانت مثلما عانت الألمانية من البربرية النازية، من بربرية أخرى هي الستالينية. وكلاهما أعطيا أهمية كبرى للكلمة بوصفها الأصل والفصل. وقد أهدى باول تسيلان مجموعته الشعرية المهمة “ورد اللا أحد” إلى أوسيب ماندلشتام، تحية إلى ذكراه.
زار إسرائيل في أكتوبر 1969، وألقي كلمة في اتحاد الكتاب الإسرائليين ثم قرأ عددا من قصائده. والزيارة هذه، القصيرة جداً، ” كان في حاجة إليها” كما ذكر في كلمته التي كشف فيها أيضاً عن تردد لديه، إذ قال “آمل أن لا أكون على خطأ”! ويقال أنه عاد إلى باريس متضارب المشاعر بين البهجة والتشاؤم التام. على أنه، بعد مضي ستة أشهر على زيارته هذه انتحر غرقاً في نهر السين (21 نيسان 1970).
لم يكتب باول تسيلان شعره إلا بالألمانية: لغة الذين عملوا على إبادة جنسه. وحتى لا تعتبر ألمانيته مثل ألمانية القتلة، لجأ إلى انجاز لغة جديدة، مبتكرة ونقدية ذات تراكيب ونحوتات حيث الصورة الشعرية في صلب الكلمة الواحدة. ولعل قارئاً يسأل: لماذا باول تسيلان، الذي لم يقم في ألمانيا فترة تستحق الذكر، لم يكتب باللغة الفرنسية، مثلاً، وهو المتمكن منها تمكنه من الألمانية، وترجماته لميشو، شار، بيكاسو لهي دليل على ذلك؟
بعض الجواب هو أن باول تسيلان قد قصد من جهة أولى، تقليب التركيبة الألمانية وتفكيكها مستفسراً هذه اللغة محاكمة، عله يفهم لم انطوى ماضيها على مصير بربري كآوشفيتز، ومن جهة ثانية، جعل هذا الصراع مع الألمانية مرآة ينعكس على صفحاتها السوداء تحنن تسيلان نفسه إلى ماضيه، وهذا لا يتم إلا بمصافحة يد هذه اللغة مصافحة اغتفارية تحث روحها الطارق إلى استحضار موتى أوشفيتز وخاصة أمه التي كانت معجبة بالتراث الألماني حد إلزام جميع أفراد العائلة بأن يتكلموا ألمانية سليمة.
لكن المتبادر من أمر هذه السيرورة الشعرية التي تشبه نصلاً ذا حدين، هو أن تسيلان شعر بعد أوشفيتز، بأنه قد خسر كل شيء ولم يبق لديه من اللسان الألماني، ميراث أمه، إلا اللغة. “نعم، اللغة، فإنها بالرغم من كل الذي حدث، بقيت صامدة أمام كل خسران، لكنه كان عليها أن تشق طريقها عبر افتقارها للأجوبة، عبر صمت رهيب وسط آلاف الظلمات من الجمل الميتة. لم تقل ما حدث، ومع هذا فإنها اجتازت الطريق. عبرت، فتمكنت من البروز ثانية وقد أثريت بكل هذا”.
بواسطة هذه اللغة حيث الشعر ليس إلا “فرصتها المحتمة”، استطاع باول تسيلان أن يجمع نفسه ويوجهها، مسترسماً واقعه، “فالواقع ليس مجرد موجود، وإنما يجب أن يبحث عنه أيضاً وأن يظفر به”.

حول الترجمة

ثمة لغات تتمتع بقدرة نقل الإلتباس المتعمد في قصيدة ما، دون شرح. مثال بسيط: إن كلمة GESCHLECHT المذكورة في قصيدة “كورونا” (البيت الأول المقطع الثالث، لا الإنجليزية ولا الفرنسية قادرتان على نقل تعدد معانيها المطلوب بكلمة واحدة، كما في الكلمة العربية:”جنس”. كما أن كلمة DER SINN المذكورة في قصيدة ” تكلم أنت أيضاً” (البيت الثاني المقطع الثاني) تعني: معني ووجهة في آن، وكلمة: “القصد” تؤدي المعنيين.
مهما يكن من الأمر، فإني حاولت أن تكون ترجمتي لهذه القصائد جد قريبة من الأصل مبني ومعنى. ولتحقيق هذا الأمل، انطلقت أولاً من الترجمات الإنجليزية والفرنسية لنفس القصيدة، مما اضطرني هذا إلى الاستعانة بالسيدة يوهانا، فأخذنا نقارن جملة جملة على النص الألماني، وها أن أخطاء المترجمين تتجلى فضيحة، للمثال لا للحصر: جون جاكسون الذي ترجم “خطاب بريمن” فارتكب خطأ فادحاً، إذ ترجم: LANDSCHAFT بمنظر وهي كذلك، بينما المراد منها في سياق هذا “الخطاب”:”المقاطعة أو الإقليم”: DIE LANDSCHAFT AUS DER ICH ZU IHNEN KOMME “المقاطعة التي جئت منها إليكم”، وليس”المنظر الذي أتيت منه إليكم”. وخطأ مايكل هامبرغر بترجمة IN DER DUNUNG التي تعني في قصيدة “تكلم أنت أيضاً”: تلاطم أمواج أو أهوال (البحار) بـ DUNE كثبان رملية. على إن هامبرغر على حق عندما حذرنا من الترجمة الحرفية أحياناً. فمثلاً أن مفردة FACKEL في قصيدة DIE POSAUNENSTELLE يجب ألا تترجم “شعلة” وهي كذلك، وإنما “مصباح”، لأن ثمة تلميحاً إلى ما جاء في الفصل الثامن من سفر الرؤيا: “فهوى من السماء كوكب عظيم متقد المصباح”. لكن مارتن لوثر استخدم “الشعلة” عوض “مصباح”، في ترجمته للكتاب المقدس، وهي المعتمدة في ألمانيا. كما أن ” NACHT الليل”، غالباً ما يعني لدي تسيلان الظلمة، أو الدجى، كما في قصيدة “رفيق السفر”.
ويجدر التنبيه هنا أن باول تسيلان نفسه لم يشعر بحرج من استعمال القاموس من أجل مفردة نادرة، كما يقول الفيلسوف هانز غودمار، رغم أنه كان يمتلك معرفة تقنية جد عالية في عدة ميادين. لقد شعر باول تسيلان بأننا نعيش في “حقبة غير شعرية” (كما سماها في إحدى رسائله الأخيرة) حيث اللغة الحديثة فقدت دقتها. وها أن معظم شعره يكاد يتجلى محاولة صمود بوجه “هذه الحقبة التي لم تعد قادرة على أن تكون شعرية، وترينا أن نضمّن فيما نكتب هذه المعرفة” اللاشعرية المتجسدة كلاماً سائداً ذا ألفاظ مبتذلة من كثرة الاستعمال وخاصة الاستعمال الرديء. والصمود هذا كان غالباً ما يتجلى باسترداد أوابد لغوية ضاعت أو بقيت مندثرة في هذا المعجم أو ذاك، بينما تؤدي المعنى الدقيق والملموس، فيعيدها في تراكيب تفصح فيها هذه الألفاظ عن دفق شعري مشحون غالباً ما تفتقر إليه لغة الشعر الرائج. فضلاً عن أنه لم يخف من التصريح، أمام أصدقائه، بأنه كان يكفي لهؤلاء الشراح الذين “يسيئون فهم شعري، بفتح القاموس للتأكد من المعنى المراد”. كما أن تسيلان نفسه عرف شعره “نوعاً من ابتكار الكلمة واعادة اكتشافها”. وقد أكد عدد من الأصدقاء الحميمين للشاعر، ككلاوس ديموس، بأن مكتبة تسيلان كانت مليئة بقواميس تهتم بعلوم الأرض والمعادن والطبيعة، وخاصة التي تبحث بجذر الكلمات، شأنه شأن اودن، وفرانسيس بونج، يذكر ديموس بأن باول تسيلان كان جد معجب، مثلاً بـ MEERMUHLE وكان يريد الرسمة لهذه الكلمة في كتاب “تاريخ أصل الأرض”. ولو وقعنا على كلمة مثل هذه في إحدى قصائده، لظننا، بعد بحث دون جدوى في قاموس اللغة الكبير، بأنها من نحته: “طاحونة بحرية”، ولم لا، ونحن نعرف أن تسيلان هو سيد النحت في الألمانية المعاصرة، وهكذا يحجب هذا الظن السريع، المعني الدقيق المراد. بينما كلمة MEERMUHLE هي مصطلح يطلق على ظاهرة جيولوجية تتم في الحفر البالوعية الواقعة قرب البحر، فعندما تتصاعد قوة اندفاع المياه، يولد ارتطام الموج بالشاطئ خروماً في صخور الساحل. وفي قصيدة “ظلمات” أيضا ثمة كلمات التضاريسية:Mulde نطاق مستطيل أرضي من الضغط البارومترى المنخفض. و Maar تعني بحيرة صغيرة بركانية، حفرة يتجمع فيها ماء المطر. ولنقل تشابه الحرفين الأولين “ميم” بالألمانية، فضلت أن أجد مقابلا يضم حرفين أولين متشابهين، فترجمتها على التحو التالي: الغور والغدير. وفي المنجد تعريف الغدير هو: “قطعة من الماء يتركها السيل”.
 وأحيانا يستعمل كلمات لها دلالات استعمالية يومية. فمثلا ” Krug تعني جرة لكن تستعمل مجازا في الحياة اليومية “بار، حانة او مشرب”. وهكذا تكون ترجمة البيت التالي: Es wird einer die bratsche spielen, tagabw?rts, im Krug “شخص ما سيعزف على الكمان، منحدرَ النهار، في الحانة”. أما الذي لا يعرف الألمانية أو على الأقل الذي لم يعش فعلا في المانيا فسيترجم Krug بجرة، والبيت “واحد سيلعب الكمان، خلال النهار في الجرة”!!!
إذاً للتغلب على الصعوبة فى ترجمة شعره، على المترجم أن يدأب أولاً في البحث عن المعنى بين ثنايا معاجم جد متخصصة في علم طبقات الأرض وتضاريسها، علوم الطبيعة، الفلك إلخ. وثانياً، أن يتبع نصيحة تسيلان نفسه بأنه علينا أن نقرأ ونعيد القراءة ثانية وثالثة وبحميمية خالصة، فإذا المعنى المراد واضح دون أي لبس. فضلاً عن أن تسيلان قلما يستعمل أوزاناً أو قافية، مما يخفف من عبء الصعوبة.

بقيت نقطة أخيرة وهي: اني أتابع، منذ سنوات طوال، معظم ما نشر وينشر بالإنجليزية والفرنسية، وما يترجم من الألمانية إلى هاتين اللغتين، من أبحاث قيمية تتناول شعر تسيلان بتحليل نقدي. أبحاث عبّدت أمامي كل الطرق الوعرة، ذلك لأنها تروم في أقصى معاني شعره مبينة سياقاته التراثية المرجع، والمعطيات الأساسية اللازمة لتذوقه – لتبنيه سلاحاً بوجه ذائقة الشعر المعتادة، الميتة والمميتة. ولا أنسى تلك الأحاديث مع الراحلة جيزيل ليترانج، زوجة باول تسيلان، التي كان لها الدور المشجع والمضيء، إذ كثيراً ما كانت تتفق مع تحليلي بأن شعر تسيلان ينطوي على فكاهة سوداء تتشظي قنبلة داخل اللاهوت، رغم أنف كل هؤلاء الشراح الذين يسلطون رؤوسهم، عبثاً، حتى يعود حاخاماً أبلهاً في جبة صوف. فقد وضح سيلان نفسه، في مقابلة أجراها معه في أواخر حياته الناقد هوبرت هيغو، بأن ما يسمي “تجريداته وغموض شعره لهو جزء من الواقع الحقيقي، ومحمل بالمعني، بعيداً عن أي هم ترانسدنتالي”.

مع هذه المقدمة سانشر ست قصائد… ولنبدأ بقصيدة قصيرة من “تقلّبات النفس”، كنموذج للطريقة التي اتبعتها في ترجمة قصائده. ولاحاجة أكرر اني اعتمدت في كل اضاء كتبتها على ما قرأت من مقالات وكتب وتحاليل متعلقة بأشعار تسيلان وسيرته. (المقدمة والتراجم سبق أن ظهرت اولا في طبعة (صورة 1) عام 1988 وفي طبعة ثانية (صورة 4) منقحة عام 1994

باريس شباط 1988 – شباط 1995

ذات مرة
EINMAL

Einmal,

Da h?rte ich ihn,

Da wusch er die Welt,

Ungesehn, nachtlang,

Wirklich.

 

Eins und Unendlich,

Vernichtet,

Ichten.

 

Licht war. Rettung.

ذات مرة، حيث سمعته
حيث كان يغسل العالم
غيرَ مرئي طوال الليل
واقعيّ.

واحدٌ وغير متناهٍ
فـُنِـيـَ
ني.

فكان النور. خلاص.

إضاءة:
[ ICHTEN كلمة من نحت الشاعر، وهي ثرية بالتساؤلات والمعاني مما يستحيل معها نقلها إلى أية لغة كانت: أهي تكرار صوتي للنصف الأخير من كلمةVERNICHTET (فـُنِـي) وباستبدال الحرف الأخير T بحرف n تحولت إلى ICH (أنا) مصرّفة في زمن ماضي ICHTEN (ني)؟ أم تقصد هذه التركيبة نفي النور NICHT / NICHT (برهان ما فني VERNICHTET ) وعندها يفهم من كلمة خلاص انقاذ من النور وليس دعوة إليه] تبقى كلمة ICHTEN ماضي  ichene زتعني فقا لمعجم الأخوة غريم تعني التأكيد على الذات حد الأنانية.

 

TODESFUGE

حليب الفجر الأسود نشربُه في المساء
نشربه ظهراً أو صباحاً نشربه في الليل
نشربُ ونشربْ
نحفر قبراً في الجو حيث يتمدد المرءُ   
(الحفر هنا يتم بالمجراف Schaufeln )
من غيرِ ضيقٍ
رجلٌ يسكنُ في البيت يلعبُ والثعابين يكتبُ
يكتبُ ما إن يحل الغسق إلى ألمانيا شعرك الذهبي مارغريت
يكتبه ويظهرُ أمام البيت والنجومُ تومض
ويصفـّر لكلابه أن تأتي
يصفر ليهوده أن يطلعوا وانْ يُحفرَ قبرٌ في الأرض
يأمرنا اعزفوا ليتمّ الرقصُ
حليب الفجر الأسود نشربُـك في المساء
نشربـُك صباحاً وظهراً نشربـُك في الليل
نشربُ ونشربْ
رجلٌ يسكنُ في البيت يلعبُ والثعابين يكتبُ
يكتبُ عندما يحل الغسق إلى ألمانيا شعرك الذهبي مارغريت
شعرك المُرمَـد شولميث إنا نحفرُ قبراً في الجو
يتمدّد المرءُ فيه من غيرِ ضيقٍ
ينادي أوغلوا المجرافَ عميقاً في الأرض
وأنتم رنـّموا واعزفوا
يستلّ الحديدة من حزامِه فيشهرها، عيونُه زرقاء
أنتم أوغلوا مجاريفكم عميقاً، وأنتم تابعوا العزفَ
ليتمّ الرقصُ

حليب الفجر الأسود إنا نشربُـك في الليل
نشربـُك في الظهيرة وفي الصباح نشربـُك في المساء
نشربُ ونشربْ
رجلٌ يسكنُ في البيت شعرك الذهبي مارغريت
شعرك المُرمـَد شولميث، إنه يلعبُ والثعابين
ينادي اعزفوا لحن الموت بعذوبة أشد
الموتُ معلـّمٌ من ألمانيا
ينادي داعبوا الأوتار بكآبةٍ أكثر عندها ستصاعدون
كدخان في الجو
عندها يكون لكم في السحب قبرٌ يتمدد المرءُ فيه
من غيرِ ضيقٍ
حليب الفجر الأسود إنا نشربك في الليل
نشربُـكَ في الظهيرة الموتُ معلـّـمٌ من ألمانيا
نشربُـكَ في المساء وفي الصباحِ نشربُ ونشربْ
الموت معلم من ألمانيا لعينه زرقةْ
*
يصيب برصاصة يُصيب بدقة
رجلٌ يسكن في البيت شعرك الذهبي مارغريت
يحرّش كلابَه علينا ويهبنا قبراً في الجو
يلاعب الثعابين ويحلمُ الموتُ معلـّـمٌ من ألمانيا

شعرك الذهبي مارغريت
شعرك المُرمـَد شولميث

* الترجمة الحرفية: “عينُه زرقاء”. غير انني غيرتها لأجل إبراز القافية الوحيدة الموجودة في كل القصيدة، كما لاحظ جان بيير لوفيفر، بين blau “زرقاء” و genau “دقـّة”.

إضاءة:

تركت هنا عنوان هذه القصيدة بلا مقابل عربي. فهو مركب من كلمة “موت” و Fuge التي يترجمها العرب بكلمة “تسلسل”.. وهو مصطلح موسيقي يطلق على نغم يتكرر مع بعض التغييرات.. والمراد من العنوان: “لحن الموت المتغيّرُ العود”، واقرب مقارب في نظري هو “تقاسيم الموت”. أول نشر لهذه القصيدة كان في ترجمة رومانية قام بها صديقه بيتر سولومون وكانت تحمل العنوان التالي Todestango “تانغو الموت”. غير ان باول تسيلان الذي نشرها عام 1945 بالألمانية حذف كلمة “تانغو” ووضع Fuge وهكذا فك القصيدة من أسر شعرية البداهة الواقعية المرتكزة على الشهادات والوثائق، واطلاقها في فضاء الشعرية الأعمق المرتكزة على كونيةٍ ومدى لغوي أرحب. كتاب جيري غليم كان مفتاحا لي لفك شفرة العديد من الكلمات… أول نشر لترجمتي هذه تمت عام 1983 في عدد “مهماز النقطة”، في نقد وجهته ضد ترجمة عبد الغفار مكاوي السيئة لأربع قصائد لتسيلان في كتابه “ثورة الشعر الحديث” (صفحة 310- 313) لقصائد تسيلان القصائد الأربع لتسيلان.. حيث أسقط الأسطر الخاصة باليهود كما انه حذف اشارة تسيلان الى محرقة اليهود على يد النازيين: “شعرك المترمّـد شولميت، التي صارت على عبدالغفار: “شعرك المترب شولميت”… علاة على انه لم يعر أية أهمية لوظيفة الكلمات بالأخص عند تسيلان/ “رمل ناعم” مثلا، صار: “رمل لطيف”!
في مطلع 1970، تم نشر قصيدة بعنوان ER “هو” لشاعر ألماني مجهول اسمه ايمانويل فايسغلاس.. مكتوبة عام 1945 وتكاد تكون نسخة طبق الأصل من قصيدة باول تسيلان. ففيها نفس تكرار العبارات كـ”حليب الصباح الأسود” وغيرها. لكن، كما اوضح عدد من النقاد أن معظم معتقلي المعسكرات النازية كانوا يرددون عبارات من هذا النوع، كما ان قصيدة فايسغلاس تختلف جوهريا عن قصيدة تسيلان، خصوصا في بنيتها الشعرية، فقصيدة فايسغلاس تراكيبها جد تقليدية ومحافظة، بينما قصيدة تسيلان متمردة التركيب وحديثة البناء. و فايسغلاس نفسه أكد انهما كتبا قصيدتهما في نفس الوقت.. ورفض ان يتهم تسيلان بالانتحال.

تكلم أنت أيضاً
SPRICH AUCH DU

تكلم أنت أيضاً
تكلم كآخر من يتكلم
قل قولك.

تكلم
بيد ألا تفصل لا عن نعم
أنل كذلك كلمتك القصد:
أنلها الظلال

أنلها كفايتها من الظلال
أنلها قدر
علمك بما وُزّع مدارَك بين
منتصف الليل والظهيرة وناصفة الليل.

تطلع مدارَك:
انظر كيف يغدو مدارَك حياً
حيث الموت! حيّ!
يُـفصحُ الحقيقة، من يفصح ظلالاً.

على أن المكان، حيث تقف، ذا هو يتقلص:
أين الآن، يا أيها المجرد من الظلال، إلى أين؟
طريقٌ صاعدٌ. تلـمّس صُـعُـداً.
إنك ناحلٌ، متضائلُ السِّـمة، راهفْ!
جدّ رهيف: خيطـٌ
به تريد أن تتدلى، النجمة ُ:
أن تسفل حتى تعومَ في القعر، تحتاً
حيث ترى نفسها تـَـلـْمع: في تلاطم
الكلمات الرُحّـل.

***

ظلمات
TENEBRAE
قريبون
(جدا) منك، نحن يا ربّ،
قريبون، ويمكن امساكنا.

قد أُمسكنا، يا رب
متشبّثة أظافرنا، بعضنا ببعض، وكأنّما
جسد كلّ منّا
جسدك يا ربّ

صل، يا ربّ
صلّ إلينا
نحن قريبون.

مائلين بفعل الريح كنا نذهب
كنا نذهب لننحنيَ
على الغـَور والغدير.

إلى الحوض كـنـّا نذهب، يا ربّ.

كان دماً، كان،
ما أهرقته، يا ربّ

كان يلمع.

ألقى صورتـَك في عيوننا، يا ربّ.
العينان والفم كم هي مفتوحة وفارغة، يا ربّ.

شربنا، يا رب.
الدمَ والصورة التي كانت في الدم.

صلّ، يا رب
نحن قريبون.

إضاءة:

 كتبت هذه القصيدة المقطعة من أبيات جد موجزة يكاد يتكرر في كل بيت “أيها الرب”، على غرار الابتهالات الدينية. لكنه ابتهال سلبي يحمّل مسؤولية ذبح اليهود في أوشفيتز، لذا عليه أن يصلي هو لهم، فالرب هذا قد انتهك وصيتين من وصاياه، سفك الدم وجعل شعبه أن يشرب الدم. والوصيتان هاتان مذكورتان في سفر الاحبار: من سفك دماً: يفصل ذلك الرجل من وسط شعبه”، وفي نفس السفر هذا يحرم الرب شرب الدم:” لا يأكل أحد منكم دماً”. وعبارة سفك الدم في العهد القديم جاءت بنفس الصياغة في قصيدة باول تسيلان.
وتكاد تكون هذه القصيدة، كما بين غوتز فينولد، دحضاً لما جاء في قصيدة هولدرلين: PATMOS التي يستهلها بالبيت التالي:” قريب /ولا يمسك، الرب / وحيث الخطر / ثمة الخلاص أيضاً”.
“يعض (ينشب) بعضنا البعض” إشارة إلى تكدس الجثث في العربات.
TENEBRAE مصطلح لاتيني يراد منه الظلمات التي حلت لمدة ثلاث ساعات بعد صلب المسيح. وقد ذكر تسيلان انه كتبها في الشارع ودفعة واحدة، واعتبرها من أفضل قصائده. لكن سدولها لا يزال مرخياً. إلى يوم القيامة، في نظر باول تسيلان. ويتذكر الناقد الهيغلي بوتغلر أنه نصح باول تسيلان ان يحذف البيت الاستفزازي ” صلّ إلينا” من القصيدة لأنها كفر واضح وعكس للآية، فالله هو الذي يجب أن يصلّي إليه العبد ويستغفره، وقد تثير ردود فعل سلبية ضده. وافق تسيلان على حذفها، معتبرا ان هذا البيت “مجرد تلميح فارغ”. لكن عندما نشرها في الديوان أعاد البيت.
عندما قرأ الناقد اللبناني الصديق خير الله أسعد ترجمتي لأشعار باول تسيلان الصادرة في كتاب، بعث الي برسالة ذكر فيها اعجابه “بترجمتي في قربها الشعري من الأصل رغم عدم معرفتك بالألمانية”. واقترح بعض التعديلات لثلاث قصائد: “مزمور”، “كان فيهم تراب..” وهذه القصيدة. فاقترح أن أستعمل مقابل Herr “سيّد لأنها أكثر توراتية وانجيلية”، بينما “رب” إسلامية محضة. عنده حق غير أني وجدت كلمة “سيد” مبتذلة الاستعمال عند العرب، واستخدامها في هذه القصيدة سيدمر الطابع الالحادي الأساسي في القصيدة. غير اني وافقت على استخدام “جسد” كمقابل لـ Leib بدل “لحم”، لما لـ”جسد من تراث ديني وما تحمله من ايحاءات.. جسد المسيح… خلود الجسد، الخ”.

 

كان فيهم تراب وكانوا يحفرون
ES WAR ERDE IN IHNEN UND SIE GRUBEN

يحفرون ويحفرون، وهكذا انقضى
نهارهم وليلهم. ولم يحمدوا الله
الذي، هكذا سمعوا، كان يشاء هذا كله
الذي، هكذا سمعوا، كان يعرف هذا كله.

كانوا يحفرون، ولم (يعودوا) يسمعون أيّ شيء
لم يصبحوا حكماء، لم ييتدعوا أنشودة
لم يستنبطوا لهم أيّة لغة
كانوا يحفرون.

وكان سكونٌ، وكانت أيضاً عاصفة،
وجاءت البحار جميعها
أنا أحفر، أنت تحفر، والدودة أيضاً تحفر
والأغنية هناك تقول: إنهم يحفرون.

يا أحد، يا ما أحد، يا لاأحد، يا أنت
اين مضى، مادام لم يمض إلى أيّ مكان؟
يا أنت تحفر، وأنا أحفر، وأنا أحفر ذاتي نحوكَ
وعلى الأصبع ينبئ الخاتم عنا
*

* وحرفياً: وعلى الأصبع يستيقظ لنا الخاتم.

***

مزمور
PSALM

لا أحد يجبلنا ثانية من التراب والطين
لا أحد يعوّذ ثرانا
لا أحد.

الحمد لك، يا لاأحد
من أجلك نريد
أن نزهر
نحوك.

لا شيءَ
كنا، مازلنا، وسوف
نبقى، مزهرين:
وردة اللاشيء،
وردة اللاأحد.

بقلم التويج الواضح وضوح النفس
والسداة القاحلة كالسماء
والاكليل الأحمر
بسبب كلمة ألارجوان التي كنّا نغنّيها
فوق، آه فوق
الشوك.

***

تودنوبيرغ
TODTNAUBERG
 
أرنيكا، بلسم العين، الشربة
من البئر التي
يعلوها نرد نجمي.

في
الكوخ.

السطر الذي في الكتاب
– أسماء من قد سُجِـّـلـَت
قبل أسمي؟ –
الذي في هذا الكتاب
دون عن
أمل اليوم،
من مفكر
كلمةٌ
آتية
 إلى القلب.

دبـَل الغاب، غير سوي
سَـحـْـلـَب فسحلب، فـَرادى
فظاظةٌ، فيما بعد، خلال التنقل
بيـّنـة،
الذي يسوقنا، الرجل
المتـنصت.

ممراتٌ من عصي
نصف مسلوكة

رطوبة،
جمّة.

إضاءة:
تودنوبيرك (الغابة السوداء) مقام مارتن هايدغر الذي زاره باول تسيلان (1967)، فكانت هذه القصيدة تعبيراً عن انطباعاته وخيبة أمله في هذا الفيلسوف الذي لم ينطق الكلمة التي تعطيه حق الكلام عن الشعر فتغفر له فعله انهماكه في الحكم النازي ( 1933 – 1934). والجدير بالذكر أن تسيلان قد رفض أن يصور مع هيدغر خلال هذا اللقاء الوحيد. ويقال أن هيدغر دهش من معرفة باول تسيلان الخارقة لأسماء الحيوانات والنباتات والأزهار، أكثر منه بكثير.
أرنيكا (زهرة عطاس) نبات عشبي معمر من فصيلة المركبات الشعاعية. يقال أنه من النباتات الطبية العديدة المنافع للأمراض المبهمة. أما بلسم العين فهو نبات عشبي بري حولي شبه طفيلي لأنه يركب بجذوره جذور النباتات الأخرى. وأوراقه وأزهاره تنفع الرمد وجميع التهابات العين.
سحلب كلمة مولدة، ويعتقد المعجمي دوزي بأنها تصحيف لما كان يسمى في العربية خصي الثعلب. جنس أعشاب معمرة، بعض أنواعه الشاي الذي نشربه، فيه برية وأخرى تزرع للتزين سموها اليوم الأركيد.

يتبع

 

صورة 4: غلاف الطبعة الثانية من ترجماتي صدرت عام 1994 ومنها أخذت المقدمة المنشورة هنا والترجمات

أرتور رامبو: رسالة الرائي 

 

كل الشعر القديم ينتهي إلى الشعر الإغريقي حياة متناسقة. فمن الإغريق حتّى الحركة الرومانتيكية العصور الوسطى كان هناك رجال إنشاء وناظمو شعر. مِن اينوس إلى ثيرولوديس ومن ثيرولوديس إلى كازمير ديلافين (1)، ما من شيء سوى نثر مقفّى، لعبة وانحطاط دبق وتمجيد لا يُحصى لأجيال من الحمقى.

راسين هو النقي القوي، العظيم. فلو محونا قوافيه وبعثرنا اشطر أبياته، لكان هذا الأحمق الإلهي مجهولاً اليوم شأنه شأن سائر كتّاب الأصول (2).

بعد راسين تعفنت اللعبة. ولقد أستمرت ألفي سنة. لا فكاهة ولا مفارقة. ألهمني العقل حقائق لا شك فيها حول هذا الموضوع (مستقبل الشعر) أكثر مما يمكن أن يغضبَ أي عضو من مجموعة “فرنسا الفتاة” (3). ثم إنّ المجددين يمتلكون كل الحق ليبغضوا السلف، فالمرء في بيته ولديه متسع من الوقت. إنّ الرومانتيكية لم يُحكم عليها بطريقة عادلة. ومَن ذا الذي يحكم عليها؟ النقّاد! الرومانتيكيون الذين برهنوا بكل وضوح على أنّ الأغنية نادراً ما تكون العمل، أي الفكر المغنّى والمفهوم من المغنّي نفسه؟

إذن الـ”أنا” هي آخر.

فليس ذنب النحاس، إذا استيقظ بوقاً. وهذا واضح لديّ: أنا أشهد تفتّح فكري: أرقبه، أصغي إليه: وما إن يمسّ قوسي الوتر، حتّى تهتز السمفونيّة في الأعماق، أو تثب وثباً على المسرح.

فلو لم يقتصر اكتشاف الحمقى الهرمين على المعنى الزائف للـ”أنا”، لما كان علينا أن نكنس هذه الملايين من الهياكل العظمية، التي كدّست منذ زمن سحيق نتاجات أذهانها العوراء، متبجّحة بأنّها مؤلِّفة إيّاها.

إنّ الأبيات والقيثارات في الإغريق، كما قلت، هي إيقاع الفعل Action . بعد ذلك أصبحت الموسيقى والقوافي ألعاباً ولهواً. دراسة هذا الماضي تسحر الفضوليين. والكثير يلتذون بإحياء هذه العاديّات: – هذا شأنهم.

كان العقل الكوني يلقي على الدوام أفكارَه بشكل طبيعي. كان الناس يجمعون بعض ثمار الدماغ هذه، فانطلاقاً منها يعملون ومنها يكتبون كتباً: وهكذا استمرت الأمور، الإنسان لا يشتغل على نفسه، ذلك أنه لم يكن قد أستيقظ بعد، ولم يكن قد أوغل تماماً في الحلم الكبير. موظفون، كتّاب: أما المؤلف، المبدع الشاعر، فهذا الإنسان لم يوجد قط!

 

أول ما يدرسه الإنسان الذي يريد أن يكون شاعراً هو أن يعرف نفسه معرفةً كلّية؛ أن يبحث عن نفسه، يتفقدّها، يغويها، يتعلمها. وحالما يعرفها عليه أن يرعاها. وهذا يبدو بسيطاً، ففي كل دماغ يتحقق تطور طبيعي.

هناك أنانيون كثر يسمّون أنفسهم مؤلفين. وآخرون ينتحلون تقدّمهم الفكري. ولكن المسألة هي أن نصنع النفس الوحش: كما يفعل الكومبراجيكوس (4). تصوروا إنساناً يغرس ويزرع الثآليل على وجهه.

 أقول أن على المرء أن يكون رائياً. عليه أن يجعل من نفسه رائياً. فالشاعر يجعل من نفسه رائياً عبر اختلال مدروس طويل هائل لكل الحواس. لكل أشكال الحب، الألم، الجنون. يبحث بنفسه، يستنفد كلّ السموم في نفسه ولا يحتفظ منها إلا بالجوهر. عذابٌ لا يوصف يحتاج فيه إلى كلّ الإيمان، إلى كل القوّة الخارقة، حيث يُصبح بين الجميع، المريض الأكبر، المجرم الأكبر، الملعون الأكبر، والعليم الأسمى، لأنه يدرك المجهول، إذ أنه قد يثقّف نفسه، الغنية من قبل، أكثر من أيّ كان، لأنه يصل إلى المجهول، وعندما، وقد جُنّ، ينتهي إلى ما يعمي بصيرته عن رؤاه، يكون قد رآها. فليمت في وثبته بالأشياء الخارقة التي لا اسم لها! فسوف يأتي عمّال فظيعون آخرون سيبدأون عند الآفاق التي أذعن عندها الآخر.

 

إذن، فالشاعر حقاً سارقُ النار.

 

 

الإنسانية كلّها في عهدته، حتّى الحيوان. عليه أن يجعل اكتشافاته، تُشم وتُحس وتُسمع. فإذا كان الشيء الذي أتى به من هناك له شكل، أعطى شكلاً، وإذا كان بلا شكل، أعطى اللاشكل. المسألة هي أيجاد لغة، وبما أن كل كلام فكرةٌ، فإن زمن اللغة الكونية آتٍ. فليس باستطاعة أحد عدا أكاديمي أكثر موتاً من حيوان متحجر أن ينجز قاموساً مكتملاً لأي لغة كانت. إن أتفق أن تشرع العقول الواهنة في التفكير بالحرف الأوّل للأبجدية، فسرعان ما يصيبها الجنون.

هذه اللغة ستكون خطاب الروح للروح، مستوفيةً كلّ شيء، العطور، الأصوات، الألوان، لغة فكرٍ يتشبّث بفكر ويسحبه. يحدد الشاعر كمية المجهول التي تنهض في زمنه، في النفس الكونية. سيعطي أكثر من صيغة فكره، أكثر من كتابة مسيرته نحو التقدّم. فظاعة أصبحت قاعدة يتشربها الجميع. سيكون الشاعر حقّاً مضاعف التقدّم!

سيكون هذا المستقبل مادياً، كما ترى. وهذه القصائد المليئة دوماً بالعدد والتناسق، سوف تُكتب لتبقى. وفي الواقع، إنّها ستكون شعراً إغريقياً، بشكل ما (5).

سيجد هذا الفن الخالد وظائفه، إذ أنّ الشعراء مواطنون. لن يكون الشعر إيقاع فعل، إنّما سيستبقه.

هؤلاء الشعراء سيولدون. وعندما تنتهي عبودية المرأة المطلقة، وحينما تكون المرأة قادرةً على أن تعيش لذاتها وبذاتها، وعندما تنال حرّيتها من الرجل البغيض لحد الآن سوف تكون شاعرةً هي الأخرى.؟ ولسوف تكتشف المجهول، فهل تكون عوالمُ أفكارها مختلفةً عن عوالم أفكارنا؟ سوف تكتشف أشياء غريبة، لا يمكن سبر غورها، أشياء مرعبة وشهيّة، أشياء سوف نتبناها، سوف نفهمها.

 

 

ترجمة محمد شعيرات

 

 

 

هوامش:

 

1- اينوس شاعر وفيلسوف لاتيني من القرن الثاني. ثيرولودس شاعر فرنسي ظل امينا للشكل الكلاسيكي. كازمير شاعر فرنسي غنائي من العصور الوسطى.

2- اشارة الى كتب “الأصول” التي ظهرت آنذاك مثل “أصل الأنواع” لداروين، “أصول فرنسا المعاصرة” لتين و”أصول الحقوق الفرنسية” لكاتب مجهول.

3- مجلة أدبية كان يشرف عليها جيرار نيرفال.

4- نشر فكتور هيغو في 1869 رواية مذهلة عنوانها “الرجل الذي يضحك” ظهر فيها هؤلاء الكمبراجيكوس  Comprachicos  : “يتاجر الكمبراجيكوس بالأطفال. يشترونهم، ويبيعونهم ولا يخفون هذا أبدا. ن سرقة الأطفال لصناعة أخرى. وماذا يفعلون بهؤلاء الأطفال؟ يحولونهم الى وحوش! لماذا إلى وحوش؟ للاضحاك”. وفي مكان آخر من نفس الرواية: “وقد نجح بعض زوار هذا الزمن بمحو الصورة الربانية من الوجه الإنساني”. وهنا لب مشروع رامبو، ذلك أن وسواس هذه الامارة الربانية على جبهته، وهذا الشعور بالخير والشر هو الذي أراد رامبو تدميره. بقي أن نذكر أن كلمة Comprachicos تعني بالاسبانية شراء الأطفال.

5- واضح أن رامبو لصياغة هذه الرسالة يكون قد قرأ افلاطون وبالذات الفقرة التالية حتى يمكنه أن يقول: “ستكون شعرا يونانيا بشكل ما”: “ومن هؤلاء الأشخاص الملهمين تتعلق سلسلة من الأشخاص الآخرين الذين يتلقون الإلهام. ذلك أن كل الشعراء المجيدين، سواء أكانوا من شعراء الملاحم أم من الشعراء الغنائيين، لا يؤلفون قصائدهم الجميلة بالفن ولكن يؤلفونها أنهم ملهموم ومجذوبون. وكما أن راقصات (كوريبانت) حين يرقصن إنما يرقصن وهن في غير وعيهن، كذلك الشعراء الغنائيون لا يملكون وعيهم وهم ينشئون أغانيهم الجميلة، بل تسيطر عليهم الموسيقى والوزن فيوحى إليهم وينجذبون، كعذارى باخوس اللائي ينهلن اللبنَ والشهد من الأنهار وهن تحت تأثير ديزنيوس لا وهن في كامل وعيهن. وهذا نفس ما تفعله روح الشاعر الغنائي، كما يقول الشعراء الغنائيون انفسهم؛ فهم ينبوننا بأنهم يأتون بالأغاني من نوافير الشهد، وأنهم يقطفونها من حدائق ربات الشعر ومن وديانها، وهم كالنحل يطيرون من زهرة إلى زهرة. وهذا صحيح، فالشاعر كائن لطيف مجنح مقدس، وهو لا يقدر على الابتكار حتى يوحى إليه ويغيب عن وعيه ولا يبقى فيه رشد: فإذا لم يبلغ هذه الحالة، فهو بغير حول وهو عاجز عن التفوّه بنبوءاته” (انظر: “نصوص النقد الأدبي: اليونان” تأليف الدكتور لويس عوض، الجزء الأول دار المعارف بمصر 1965.

جان لوي بدوان: الشعر

 

من المؤكد أنّه يوجد فينا ما يسمّيه نوفاليس “حسّاً خاصاً للشعر”، وهو حسّ شخصي إلى حد أنّ مؤلف “أناشيد الليل” قال: “إنّ مَن لا يعرف ولا يحسُّ مباشرة بماهيّة الشعر لا يمكنه أبداً أنْ يفقه معناه”. وكان الرومانطيقيون الألمان أولّ من أعاد توضيح طبيعة الشعر الحقيقية التي هي إدراك مباشرٌ وحسيّ “بعيد كل البعد عن فنّ الكلام، عن الفصاحة”. وقد يبدو من المفارقات أنّ الفن الرومانطيقي الذي كان يلهمه المبدأ القائل إن “الشعر هو الواقع المطلق” حسب عبارة نوفاليس قد استطاب التعبير عن عذاب القلب وسبر خباياه. ولا غرو، فهذا سرّ الغنائية ذاتها وسرّ قدرتها الإشراقية لأنها تعتمد ملكة المشاركة الوجدانية الكامنة في قلب كل إنسان. فأصدق ما يكون الشاعر وأقرب ما يكون من الآخرين عندما يكون فريسة “شياطينه” الحميمة ويبدو لنا غارقاً كلّ الغرق في مكافحته لها. ولا يتعجّب غير الأذهان الركيكة من إمكانية وجود أناس في مكان قادرين على التعرّف على أنفسهم في روح فذّة تعكس لهم في تسام صورة صراعاتهم ورغباتهم وتمرّدهم. فلا يمكن أن نفهم بودلير مثلاً ونحبّه إلاّ على هذا النحو، حتّى عندما يكشّر اشمئزازاً أو رعباً.

رغم بعض التأويلات الدهمائيّة، فإنّ كلمة لوتريامون الشهيرة: “الشعر يجب أن يكون من صنع الجميع، لا من صنع فرد واحدد”. لا يمكن أن يحتجّ بها الستالينيون للدفاع عن “تأميم” الشعر بوجه من الوجوه. إنّها بالعكس تحتّم على الفرد أن يكتشف أو أن يعيد اكتشاف منابع الإلهام الشعري في نفسه ليقوّي بها إيمانه بحريّته وليستمدّ منها الطاقة الضرورية لإعطاء معنى لحياته.

فما إن يضعف الحسّ الشعري عند فرد ما حتّى يصبح أسير حياة تطوّقها ضرورات الحياة العمليّة من كلّ جانب. وليس الأدهى أن يستسلم لمثل هذه الحياة بل أن يتعلّق بها إلى حدّ يصبح العدول عنها إلى غيره أخشى ما يخشاه. فعندما يستولي عليه الخوف الطفولي من فقدان الأمن لا يتوانى عن بذل كلّ جهد حتّى يتماهى مع المثال المطَمْئِن الذي يقدّمه له المجتمع. وأمام المصائب الحقيقية التي تحلّ به أو تهدّده لا يرى من مخرج إلاّ اللجوء إلى الأوهام التي تبعده عن الواقع.

إن الشعر لا يبعدنا عن الواقع، بل يرجعنا إليه باستمرار. إنّه نداء إلى التمرّد على مظاهر الواقع الكريهة، إلى الثورة على كلّ سلطة ترضى بهذا الواقع أو تددّعي تبريره باسم “الواقعيّة” مثلاً. الشعر يحتّم علينا رؤية الأشياء كما هي ليشحذ عزيمتنا على تغييرها وتحويلها إلى ما هو أفضل. فهو إذن تمرّد وقانون: تمرّد مطلق وقانون أعلى. يرفض فوضى الأوضاع وحتميتها المزعومة، ويدعو للعمل من أجل إحلال الحريّة التي هي ضد الفوضى والتفسّخ الخُلُقي والعنف.

يتجذّر الشعر في الحياة اليومية فيتفجّر، تدفعه الطاقة المضغوطة في “كهوف الوجود”، ويصعد “واثباً تحرّكه الأشياء الخارقة التي يعجز اللسان عن تسميتها” (رامبو)، نحو تلك النقطة العليا التي جعل الفكر منها السوريالي المكان الأسطوري لتحالف جديد متحرّر في نفس الوقت من الآلهة القديمة ومن الإيديولوجيات التي تحاول أن تحلّ محلّ الديانات في سراديب الوعي الإنساني التي تسكنها، أكثر من أيّ وقت مضى، أشباح الثنويّة الرهيبة.

لقد دعا بروتون في “بيان السورياليّة” إلى الإقدام على “ممارسة الشعر”، والمقصود طبعاً ليس الاكتفاء بكتابة قصائدَ (أو قراءتها) لتحويل الشعر إلى ممارسة، ولا حتّى تعاطي “الكتابة الاوتوماتيكية”، كتابة التفكير التي، رغم كونها إحدى اكتشافات بروتون وفيليب سوبو الكبرى، سرعان ما تفقد فاعليتها ما إن تُستعمل لخدمة أهداف أدبيّة. وليس المقصود التخلّي عن كل حس نقديّ، بذريعة “أن يصبح الإنسان رائيّاً” بأقل ثمن، فنقع في الخطأ الشائع الذي يتمثّل في الخلط بين بريق الهذيان المشبوه ونور الإلهام. فالجنون، على حدّ علمنا، لم يسبغ العبقرية على أحد، وإن سقط في هوّته مبدعون كبار. المقصود هو الإصغاء إلى حديث سريرتنا، أن نكون على أهبّة لرصد كلّ ما يرتسم فيها، لا للتلذّذ بذلك الحديث أو بتلك الصورة لذّةً ساذجة وإرهاق الآخرين برجعهما المُسْئم، بل لنكتشف فيهما، بدقّة فائقة، حقيقتنا العميقة وأن نسكن إليها. وهذا لا يمكن إلاّ بجهد مستمرّ للتخلّص من التكييف الطويل الذي جعلنا صمّاً عمياً عن ذواتنا مستسلمين لقددر ضرب الحصار على أذهاننا.

في العالم الراهن الذي ينزع أكثر فأكثر إلى الانفصام، في هذا العالم “الحديث” حيث يتزايد كلّ يوم عدد البشر الذين ينتابهم الشعور المقلق بأنهم ليسوا موجودين، سوف يظل الإنسان سائراً إلى الهلاك ما لم يكتسب وعياً جديداً أشمل وأوسع بوحدة كيانه وبكلّ إمكانياته وما لم يوطّن نفسه على إظهارها. ينبغي عليه بلا شكْ إبداع وسائل تعبير جديدة لا تحوّل الوسائل التقليديّة إلى وسائل متقادمة بل تكون تكملة لها. ينبغي إبداع أخلاق جديدة تنعتق انعتاقاً كاملاً من الأخلاق القديمة التي تقوم شرعيتُها على قمع جُنَح وجرائم هي الدافع الوحيد على ارتكابها. وهذا يفترض أن يستعيد الإنسان أي كلّ منّا مكانه في الكون ويكفّ عن التصرف فيه وكأنه أجنبيّ، فريد من نوعه، ضائع في الفراغ اللامتناهي وخاضع في نفس الوقت إلى قوانين فيزيائيّة وبيولوجيّة لم يعد يرى منها إلاّ مظهرها القاسر. من مهامّ الشعر أن يحافظ على معنى علاقتنا بالعالم، ذلك المعنى الذي إنْ تخلّى عن حسّيته استغلق علينا استغلاقاً. فالشعر وحده، لأنّه لا يزال قادراً على استعمال الفكر التشابهي، يمكنه أن يأمل إقامة شبكة المواصلات والمبادلات الجديدة بين الإنسان والكون التي يتحتّم على الإنسانية أن تكتسبها عاجلاً وإلاّ ذهبت ضحيّة غريزتها الانتحاريّة في صحراء عاطفيّة روحيّة تحيط بها أبراج المراقبة.

هذا معنى الشعر وهذه مهمّته، في الأصل وحاليّاً. ولن يستطيع الشعر تأديّة هذه المهمّة إلاّ بالدفاع دفاعاً مستميتاً عن حريّته، أي حريّة كلّ إنسان ضد العبادات التي تهددها دون تمييز بين الأديان القديمة التي لم تفقد ضراوتها والمعتقدات العلميّة الزائفة التي تدّعي الحلول محلّها.

إن الشعر، كما يقول بنجاما بيريه، هو “نَفَس الإنسان الحقيقي”. وعلينا، أكثر من أي وقت مضى، أن نرفض الاختناق.